الرازي: {واستغفر لذنبك} محمول إما على الصغيرة أو ترك الأولى أو التواضع اهـ

الرازي: {واستغفر لذنبك} محمول إما على الصغيرة أو ترك الأولى أو التواضع اهـ

عند الجهلة الصغائر ليست ذنوبا حقيقية. أعوذ بالله!

Aug 6, 2018, 6:44 PM

الردُّ على الطَّاعن بالعُلماء العامِلين – الجزء الثَّالث

الحمدلله وصلَّى الله على رسول الله.

– وبعدُ فقد نقل لي بعض الإخوة كلامًا ليوسف ميناوي الطاعنِ بالعُلماء العامِلين قدح فيه بأئمَّة التَّفسير واتَّهم فيه علماءَ الإسلام بالخِذلانِ لأنَّهم فسَّروا قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} أو غيره بنسبةِ ذنبٍ لنبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام مع أنَّ قولَهم هو ظاهر القرآن كما قال المُتولِّي الشَّافعيُّ وهو قولُ أئمَّة التَّفسير مِنَ السَّلف كمُجاهد وسُفيان والطَّبريِّ؛ وقد أرشدنا المخالف إلى تصريح النَّوويِّ في كونه قولَ أكثر العُلماء في المسألة لكنَّه يغفل أو يتغافل.

– فالنَّوويُّ والقاضي عياض والقرطبيُّ وغيرهم [راجع الرَّوابط في المُداخلتَيْن الأُوْلى والثَّانية من الموضوع] نقلوا تجويز الصَّغيرة على الأنبياء عن جماعة كثيرة مِن العُلماء دونَ أنْ يقدحوا في دينهم ودون أنْ يطعنوا في عقائدهم أو أنْ ينعتوهم بالمَخذولين إذ الخِلاف مُقرَّر بين علماء أهل السُّنَّة والجماعة في هذه المسألة؛ وإنَّما المخذول هو الطَّاعن بالعُلماء العامِلين؛ سواءٌ جاء بالتَّصريح أو اكتفى بالتَّلميح.

– وقد بدأ الطَّاعن بالعُلماء العاملين مقالَه المذكور بالإحالة إلى [الشِّفا]؛ غافلًا أنَّ عياضًا وإنْ قالَ بعصمة الأنبياء عن الصَّغائر مُطلقًا إلَّا أنَّه نقل تجويز الصَّغيرة عليهم عن جماعة مِن العُلماء عدَّ فيهم أهل التَّفسير والفقه والحديث وعلم الأصول فقال في [الشِّفا-2/144]: <وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِيْ جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدّثِينَ وَالْمُتَكَلّمِينَ> اهـ.

– ثم ورغم اعترافه بالخِلاف المُعتبر إلَّا أنَّه نقل قولَيْن أحدَهما لأبي منصور البَغداديِّ وثانيهما للرَّازي في تنزيه الأنبياء عن الصَّغائر، فهل أراد نقضَ ما أقرَّ به مِن خِلاف؟ -وهُما لم يتناولا تنزيه الأنبياء مُطلقًا بل يختصَّانِ بزمن النُّبوَّة، فالأوَّل: <معصومين بعد النُّبوَّة عن الذُّنوب..> والثَّاني: <معصومون في زمان النُّبوَّة..>- أم أراد التَّدليس بما أخذه بفهمه السَّقيم مِن قول البغداديِّ <أجمع أصحابُنا>؟

– وليتَ الطَّاعن بالعُلماء العامِلين أحسنَ إذ قرأ ولكنْ كأنَّه قرأَ ولم يقرأْ؛ ولأنَّه ذكر الرَّازيَّ فإنَّنا سنمُدُّه منه بما يُعجبه! قال الرَّازي في [عصمة الأنبياء]:

<الشُّبهة السَّابعة: تمسَّكوا بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} قالوا: وهذا تصريح بالمغفرة.

جوابه: أنَّا نحمِله على ما قبل النُّبوَّة أو على الصَّغائر. ولمن أباهما تأويلاتٌ. الأوَّل: أنَّ المُراد ما تقدَّم مِنْ ذنب أُمَّتكَ وما تأخَّر..> انتهى

ومنه:

<الشُّبهة الحاديةَ عشْرةَ: قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} وفي الحديث: “وإنِّي لأستغفر الله في اليوم واللَّيلة سبعين مرَّة” وهذا صريح.

جوابه: أنَّه محمول إمَّا على الصَّغيرة أو ترك الأَوْلى أو التَّواضع كما قرَّرناه في قول آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أو على التَّقدير، والمعنى إذا أذنبتَ فاستغفره كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا} وليس يريد أنَّ جميعَهم مُذنبون، وإنَّما بَعْثَهم على التَّوبة إذا أذنبوا> انتهى.

– فيا أيُّها الطَّاعنُ بالعُلماء العامِلين؛ ها هو الرَّازيُّ يعتمد في قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ثلاثةَ وجوهٍ؛ وجهٌ منها على المعصية الصَّغيرة ينسِبها للنَّبيِّ فلا يرى فيه بأسًا ولا انتقاصًا مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فهل ستضع اسم الرَّازيِّ بين أسماء العُلماء المَخذولين في رأيك؟ وربما رأي الحبتري؟ ولا تغفلا عن رأي كلِّ غِرٍّ ثَرٍّ يزيِّنُ لكما سوء عملكما ويصفِّق لكما على أبواب جهنَّم.. نسأل الله السَّلامة!

– وقد دلَّس الطَّاعن بالعُلماء العامِلين <هل قلت تدليس!> نعم دلَّس حيث أخفى ما قاله التَّفتازاني بعد أنْ ذكرَ وجوهًا ثمانيةً ونصُّه التَّالي: <وحصولُ المطلوب مِن هذه الوجوهِ محلُّ بحث لأنَّ وجوب الاتِّباع إنَّما هو فيما يتعلَّق بالشَّريعة وتبليغ الأحكام وبالجملةِ فيما ليس بزلَّةٍ ولا طبع واستحقاق العذاب؛ وردُّ الشَّهادة إنَّما يكون بكبيرة؛ أو إصرار على صغيرة مِن غير إنابة ورجوع؛ ولزومُ الزَّجر والمنع واستحقاق العذاب واللَّوم إنَّما هو على تقدير التَّعمُّد وعدم الإنابة؛ ومع ذلك فلا يتأذَّى به النَّبيُّ بل يبتهج؛ وبمجرَّد كبيرة سهوًا أو صغيرة ولو عمدًا لا يُعدُّ المرء مِنَ الظَّالمين على الإطلاق؛ ولا مِن الَّذين أغواهم الشَّيطان؛ ولا من حزب الشَّيطان؛ سيَّما مع الإنابة..> إلى آخِر الكلام الَّذي ردَّ فيه صاحبُه تلك الوجوه الَّتي نسخَها الطَّاعن بالعُلماء العامِلين دون أنْ يُسعفَ المِسكينَ فهمُه في إدراك أنَّ التَّفتازانيَّ إنَّما ردَّها وعلى الأقلِّ جعلها محلَّ بحث لا محلَّ اعتمادٍ.

– وبهذا أيُّها الطَّاعنُ بالعلماء العامِلين نكون قد طوينا صفحتكم وكشفنا ضعف شبهتكم في القدح بعُلماء أهل السُّنَّة والجماعة؛ ثمَّ لم تستطيعوا استدراجنا إلى ما لا يُحمَد مِن تكلُّف البحث عن ذنوب الأنبياء متى كانت وأيَّ شيءٍ كانت لحفظها أو ذكرها وإشاعتها؛ ولدينا بإذن الله مزيد؛ واللهُ المُستعان على الخير هو وراء القصد وهو نِعم المَولى ونِعم النَّصير.

Aug 6, 2018, 8:42 AM

أضف تعليق