الردُّ على مَن كفَّر عُلماءَ أهل السُّنَّة في مسألة عصمة الأنبياء

الردُّ على مَن كفَّر عُلماءَ أهل السُّنَّة في مسألة عصمة الأنبياء

الحمدلله وصلَّى الله على رسول الله.

مقدمة في قولَيْ أهل السُّنَّة في عصمة الأنبياء

وبعدُ فقد اختلف العُلماءُ المُعتبَرون في عصمة الأنبياء [1] عن الوقوع في الصَّغائر الَّتي ليس فيها دناءة ولا خساسة نفس؛ على قولَيْن:

الأوَّل: أنَّهم غير معصومين منها؛ وعليه الأكثرُ؛ وهو قول الجمهور كما صرَّح بذلك النَّوويُّ [2] وغيره [3].

الثَّاني: أنَّهم معصومون منها؛ وقد اشتُهر بين المُتأخِّرين من عُلماء الأُمَّة.

بيان اختلاف الأُمَّة في تفسير: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}

وانقسم عُلماء الأُمَّة في تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} إلى فريقَيْن:

الأوَّل [4]: أخرَجوا النَّصَّ عن ظاهره فقيل <المراد ذنوب الأُمَّة> وقيل غيره؛ دعاهم إلى ذلك عدمُ تجويزِهم وقوعَ الصَّغائر مِن الأنبياء مُطلقًا.

والفريق الثَّاني [5]: لم يُخرِجوا النَّصَّ عن ظاهره بل قالوا <المراد ذنب نفسك>؛ دعاهم إلى ذلك تجويزُهم وقوعَ الصَّغائر مِن الأنبياء.

بيان المُفسِّرين في نسبة القول الثَّاني إلى العلماء

قال القرطبيُّ [6] عند تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ما نصُّه: <وَقِيلَ: لِذَنْبِ نَفْسِكَ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> انتهى؛ وقوله <عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> أي على ما ذهب إليه مُجوِّزو ذلك وهو قاطع في تفسيرهم الآية بنسبة ذنب له عليه الصَّلاة والسَّلام ويؤكِّده مزيدَ تأكيد ما يلي مِن تفسير الطَّبريِّ في الباب؛ فهل هؤلاء العُلماء كفَّارٌ فيما تذهبون إليه أيُّها الجهلة الطَّاعنون!

تصحيح المفسِّر الطَّبريِّ لمذهبه في المسألة

قال المفسِّر الطَّبريُّ [7]: <وَبَعْدُ فَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟” الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِنَّمَا وَعَدَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَحَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ، وَبَعْدَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ، عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنِّي لِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ” وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا لِاسْتِغْفَارِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بَعْدَهَا مَعْنًى يُعْقَلُ، إِذِ الِاسْتِغْفَارُ مَعْنَاهُ: طَلَبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ

ذُنُوبٌ تُغْفَرُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ غُفْرَانَهَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبًا لَمْ أَعْمَلْهُ..> انتهى؛ فهل الطَّبريٌّ عاصٍ جاهلٌ وغُمْرٌ نَذلٌ مُسيءٌ لرسول الله كما زعمتَما كذبًا يا محمود قرطام حبتري ويا يوسف ميناوي!.

بيان أنَّه ليس للعاميِّ أن يفسِّر القرآن على هواه

فعلى قول بعض العلماء إنَّ معنى الآية نسبة الذُّنوب للأُمَّة وعلى قول بعض العلماء الآخَرين إنَّ معنى الآية نسبة ذنب لنبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام. والعاميُّ شأنه أنْ يأخذ التَّفسيرَ عن أهله [8] لا أنْ يتنطَّعَ فينكرَ على العُلماء المُعتبَرين ولا له أنْ يردَّ قولَ جمهور عُلماء الأُمَّة كما يفعل محمود قرطام الحبتري ويوسف ميناوي ومَن تبعهم من الجهلة على التَّحقيق.

بيان أنَّ الخاصِّيَّة لا تثبت إلَّا بدليل

فقد أفاد العُلماء أنَّه لا يُحمَل على الاختصاص ما لم يَدُلَّ عليه دليل [9]؛ كالوصال في الصَّوم فإنَّ الصَّحابة لَمَّا أرادوا الوصال نهاهم الرَّسول؛ ولا يُخَصُّ بالتَّهجُّد لأنَّ الله قال: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي قدوة صالحة؛ وبغير الدَّليل لا نفرِّق بين الأنبياء ونقرأ قوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} ولا نقول إنَّه يجب لهذا ما لا يجب لذاك مِن العصمة.

حال مَن شذَّ فطعن بالعُلماء في مسألة العصمة

مِن هُنا فقد شذَّ محمود قرطام الحبتري وشذَّ يوسف ميناوي في مسألة عصمة الأنبياء لأنَّهما طعنَا بدِين كلِّ أولئك المُفسِّرين والعُلماءِ؛ فكلُّ العلُماء الَّذين جوَّزوا وقوع الصَّغائر مِنَ الأنبياء فلم يُخرجا قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} عن ظاهره -عند الجاهلَيْنِ المذكورين ءانفًا- هم عُصاة جُهَّال أغمارٌ [10] أنذال [11] قد تجرَّؤوا على رسول الله وأساؤوا له! فسبحان الله واهب العقول مُعطي الأفهام.

دفع شبهة

وربَّما قال قائلهم إنَّ أقوال أولئك العلماء الَّذين نسبوا الذَّنْب للرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام لم يريدوا الذَّنْب الحقيقيَّ؛ وهذا مردود فإنَّ القرطبيَّ وغيرَه إنَّما وضعوا أقوال هؤلاء في مُقابل قول مَنْ لم يجوِّزِ الصَّغائر مُطلقًا؛ فلا حُجَّة لهم في هذا التَّدليس البعيد عن التَّحقيق؛ ويُكذِّبُهم أشدَّ تكذيبٍ ما نقلناه آنفًا مِن تفسير الطَّبريِّ فإنَّه لم يَدَعْ مجالًا للكذب عليه فيه؛ ثم قَبْلَ هذا كلِّه هم لا يملكون دليلًا قطعيًّا واحدًا فيما ذهبوا إليه مِن الطَّعن بأئمَّة التَّفسير وعُلماء الأُمَّة.

فائدة من كلام ابن بَطَّال المالكيِّ الأشعريِّ

قال ابن بَطَّال [12]: <وأمَّا ذِكر الأنبياء عليهم السَّلام في حديث الشَّفاعة لخطاياهم، فإنَّ النَّاس اختلفوا هل يجوز وقوعُ الذُّنوب منهم؟ فأجمعتِ الأُمَّة على أنَّهم معصومون في الرِّسالة، وأنَّه لا تقع منهم الكبائر، واختلفوا فى جواز الصَّغائر عليهم> وقال [13]: <وقال أهل السُّنَّة: جائزٌ وقوعُ الصَّغائر مِنَ الأنبياء، واحتجُّوا بقوله تعالى مخاطبًا لرسوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فأضاف إليه الذَّنْب>.

وقال [14]: <وقد ذكر الله في كتابه ذنوب الأنبياء فقال تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، وقال نوح لربِّه: {إِنَّ ابنِي مِنْ أَهْلِي} فسألَه أنْ يُنجيَه، وقد كان تقدَّم إليه تعالى فقال: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}، وقال إبراهيم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}، وفي كتاب الله تعالى مِن ذِكْر خطايا الأنبياء ما لا خفاءَ به> انتهى كلام ابن بَطَّال.

خاتمة

وكان الحبتري ويوسف ميناوي قد اتَّهما أهلَ العلم بالوسوسة والتَّكفير ظُلمًا وزُورًا حتَّى ابتلاهمُ الله بما كذَّبوا فإنَّما المُوسوس مَن توهَّم أنه يُقبَل الخِلاف في نسبة ذنب لآدم ولا يُقبَل في نسبته إلى سيِّدنا مُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام؛ وإنَّما المُتَّهم بالتَّكفير ظُلمًا هو مَن طعنَ بدين الأكثر مِن عُلماء الأُمَّة في السَّلف والخلف؛ فأكثرُ علماءِ الأُمَّة عندَه متَّهمون في عقائدهم!

وكان أَوْلى بالجاهل أنْ يصمتَ في مقامِ دقيقِ المسائل وغامضِ الكلام ولكنَّه التَّنطُّع بالهوى وقلَّة التَّحصيل العلميِّ وسوء الفهم والبلاء كثير؛ فأسألُهم بعد هذا البيان مَن الغِرُّ الثَّرُّ العاصي الجاهلُ النَّذْل؟ أهو الَّذي اتَّبع العُلماء المُعتبَرين مِنَ السَّلف والخلف أم هو الَّذي طعن بهم!؟ ولدينا مزيد؛ واللهُ المُستعان على الخير هو وراء القصد وهو نِعم المَولى ونِعم النَّصير.

هامش:

[1]: قالَ الشَّيخُ التِّلمسانيُّ في [شرحِ لُمَعِ الأدلَّةِ] ما نصُّهُ: <لا يجوزُ عليهمُ الكبيرةُ ألبتةَ ويجوزُ تعمُّدُ الصَّغيرةِ بشرطِ عدمِ الإصرارِ ولا يجوزُ منهمْ صغيرةٌ تدلُّ على خساسةِ النَّفسِ ودناءَةِ الهِمَّةِ كتطفيفِ حبَّةٍ وسرقةِ باقةِ بَقْلٍ> اهـ ثمَّ قالَ: <وأما عصمتُهم عنِ الكبائرِ والإصرارِ على الصَّغائرِ وعنْ كلِّ صغيرةٍ تُؤْذِنُ بقلَّةِ الاِكتراثِ بالدِّياناتِ فمُستنِدٌ إلى الإجماعِ القاطعِ..> انتهى.

[2]: قال الإمام النَّوويِّ المتوفَّى/676هـ كما جاء في شرحه على صحيح مسلم: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ، فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ> انتهى.

[3]: كالقاضي عياض والتَّفتازانيِّ وصاحبِ القاموس وابنِ الحاجب المالكيِّ والهرريِّ وغيرهم.

[4]: ذكر القرطبيُّ في [الجامع] عند تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ما نصُّه: <وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قِيلَ: لِذَنْبِ أُمَّتِكَ، حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقِيلَ: لِذَنْبِ نَفْسِكَ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> انتهى.

[5]: ذكر القرطبيُّ في [الجامع لأحكام القرآن] ما نصُّه: <وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَهَا؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَنَحْوَهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ> انتهى فهؤلاء ممَّن لم يُخرجوا النَّصَّ عن ظاهره.

[6]: في تفسيره المُسمَّى [الجامع لأحكام القرآن].

[7]: [تفسير الطبري] [سورة الحج].

[8]: قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء].

[9]: [قُرَّة العين] بشرح [ورقات] إمام الحرمَيْن؛ للرُّعيني المالكيِّ المُتوفَّى 954ه.

[10]: الأَغْمَارُ: جمع غُمْرٍ، بالضَّمِّ، وهو الجاهل الغِرُّ الَّذي لم يُجَرِّبِ الأُمور.

[11]: أَنْذَالٌ: جمع نَذْل وهو الخسيس المُحتقر.

[12]: شرح البخاريِّ لابن بَطَّال [ج/10 – ص/439] طبعة مكتبة الرَّشيد – الرِّياض.

[13]: شرح البخاريِّ لابن بَطَّال [ج/10 – ص/440] طبعة مكتبة الرَّشيد – الرِّياض.

[14]: شرح البخاريِّ لابن بَطَّال [ج/10 – ص/440] طبعة مكتبة الرَّشيد – الرِّياض.

Aug 5, 2018, 3:34 PM

الرد على من طعن بأهل السنة في مسألة عصمة الأنبياء

الحمدلله وصلَّى الله على رسول الله.

مقدمة في بيان عصمة الأنبياء

وبعدُ فَاعْلم أنَّ الأنبياء تجب لهم العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخِسَّة قبل النُّبوَّة وبعدها ويجوز عليهم ما سوى ذلك من المعاصي أي الصَّغائر التي لا خساسة ولا دناءة فيها لكن يُنبَّهون فورًا للتَّوبة قبل أنْ يقتديَ بهم فيها غيرُهم؛ هذا قول جمهور علماء أهل السنة والجماعة ولكن البعض خالف هذا القول فقال إنها لا تقع منهم مُطلقًا؛ والحاصل وجود قولين؛ فأمَّا قول الجمهور فما قدَّمناه في أوَّل الكلام.

بيان اضطراب البعض في الدلالة على قول الجمهور

وقد اضطرب البعض في قول الجمهور لأنَّ الثَّاني اشتهر بين المتأخِّرين؛ والأكثر على الأوَّل كما بيَّن ذلك عياض والنَّوويُّ والتَّفتازانيُّ وصاحب القاموس وابن الحاجب المالكيُّ والهرريُّ؛ وأكتفي بنقل نصِّ كلام النَّوويِّ المتوفَّى/676هـ كما جاء في شرحه على صحيح مسلم قال: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ، فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ> انتهى.

الأقوال المنقولة عن مالك وعن أحمد رضي الله عنهما

والقول الذي قدَّمناه هو ظاهر المَرويِّ في النَّوادر من طريق أبي مريم عن الإمام مالك رضي الله عنه قال: <ولا ينبغي لأهلِ الذُّنوبِ إذا عُوتِبوا أنْ يقولوا قد أخطَأَتِ الأنبياءُ قبلَنا> انتهى؛ وهو المَروي في مناقب أحمد لابن الجوزيِّ إمامِ حنابلة زمانه عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه فإنه رُوِيَ عنه أنَّه قال: <مَنْ كفَّرَ بالذَّنبِ فقد حكمَ على آدمَ عليهِ السَّلامُ بأنَّه وقعَ في الكفرِ إذ عصَى ربَّهُ تعالى> انتهى.

طعن الغر الثر بأهل السنة في مسألة عصمة الأنبياء

هذا وقد طعن الغِرُّ الثَّرُّ بأهل السُّنَّة في مسألة عصمة الأنبياء وأبى إلَّا الزَّيغ فزعم أنَّ العلماء إنَّما اختلفوا بعصمة آدم عليه السَّلام دون عصمة مُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام! ثم دعا على من نسب الذَّنب لسيِّدنا محمَّد بما يستحقُّ! ونقل تكفير مَن قال بذلك عمَّن أسماهم مشايخ موريتانيا! والعياذ بالله؛ زاعمًا أنَّه لم يقل بذلك أحد مِن العلماء!؛ متسائلًا أين خبَّأ اللهُ هذه المعصية!؛ والله يقول مُخاطبًا نبيَّه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}.

فأمَّا نقله عمن أسماهم مشايخ موريتانيا فإنْ صحَّ فالله حسيبُهم؛ ويحتمل أنَّه أساء فهم كلامهم فإنَّما يُقال مثل هذا فيمن بحثوا وتكلَّفوا السُّؤال عن زلَّات الأنبياء وأيِّ شيء كانت؟ لإشاعتها؛ وهذا ما أشار إليه الماتريديُّ، إلَّا أنَّ الغرَّ الثَّر تلقَّف الكلام بفهم سقيم فتجرَّأ على نقل إطلاق التَّكفير دون وجه شرعيٍّ مُوهمًا من يخاطبه بصحَّة ذلك وهو الذي كان يتَّهم أهل العلم بالتَّكفير وإشاعة الوسوسة فإذا بها صفتُه وعِلَّتُه!

وأمَّا ما زعمه الغرُّ الثَّرُّ مِن أنَّ أحدًا من علماء أهل السُّنَّة والجماعة لم ينسب الذَّنب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فمصداقٌ لما يُتَّهَمُ به هذا الرَّجل من جهل وقلَّة اطِّلاع، ويكفي في ردِّ مزاعمه أنْ نورد ما ذكره القرطبيُّ في تفسيره قال: <وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَهَا؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَنَحْوَهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ>.

ويقول القرطبيُّ في [الجامع] عند تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ما نصه: <وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قِيلَ: لِذَنْبِ أُمَّتِكَ، حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. وَقِيلَ: لِذَنْبِ نَفْسِكَ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> انتهى فتأكَّد أنَّ الغرَّ الثَّرَّ أجهلَ القوم ليس على شيء وأنَّه يتنطَّع إلى الطعن بأقوال العلماء العاملين ويُقحِم رأيه في مسائل ليس لغير العلماء المعتبرين التَّقرير فيها.

بيان قول الأشعري رضي الله عنه

وبعيدًا عن الزِّيادات الَّتي أتى بها الغِرُّ الثَّرُّ من كيسه فإنَّ المقال المُشار إليه في أوَّل هذا الخطِّ تحامَل على قول الجمهور ولم يكن له ذلك لأنَّه المُوافق لظواهر النُّصوص. قال شيخ الشَّافعية المُتولِّي في [الغٌنية]: <وأمَّا الصَّغائرُ فاختلفُوا في جوازِها عليهمْ فمِنهم مَن نفاها تحقيقًا للعصمةِ ومنهمْ مَن جوَّزها وعليه يدلُّ قَصَصُ الأنبياءِ وهوَ ظاهرٌ في القرآنِ مثلُ قصَّة داودَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغيرِهِ> انتهى.

وإلَّا فكيف يُطعن بقولٍ عليه جمهور العلماء من السَّلف والخلف وكيف يُرَدُّ قول الأشعريِّ بقول ابنِ السُّبكيِّ! قال الإمام الأشعريُّ في [المجرَّد]: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> اه وقال: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اه وهذا منه إشارة إلى جواز الصَّغيرة عليهم.

دفع شبهة يتمسك بها المخالفون

واحتجَّ بعض أهل القول الثَّاني المخالفون للقول الأوَّلِ مستدِلِّين بقولهم إنَّه لو كان يجوز منهم ذنب لَكُنَّا مأمورين باتِّباعهم في ذلك ولا يأمر اللهُ بالاتِّباع في معصية؛ فالجواب عنه أنَّهم يُنبَّهون فورًا فيتوبون منها قبل أنْ يقتديَ بهم أحدٌ فزال المحظور بذلك وانتفت الشُّبهةُ. وتعلَّق بذلك بعض متأخِّري الأشاعرة فبالغوا في ذلك حتَّى قالوا لا يجوز أنْ يقع منهم المكروه أيضًا وليس هذا إلَّا غلوًّا والغلوُّ منهيٌّ عنه.

تنبيه:

وذكر في حاشية الكيفونيِّ أنَّه يجب إثبات اسم المعصية لِمَا حصل مِن سيِّدنا آدم سواءٌ حمل ذلك على المعصية الحقيقيَّة كما هو قول الجمهور أو على المخالفة التي سُمِّيَتْ معصية لعلوِّ شأن آدم عليه السَّلام وإنْ لم يكن فيها إثم كما قال بعض أهل السُّنَّة وذلك من أجل موافقة النَّصِّ أي لموافقة قوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىْ}؛ ونفيُ اسم المعصية عنه كفر لأنَّه تكذيب للنَّصِّ كما نصَّ عليه بعض الحنفيَّة والمالكيَّة انتهى؛ راجع: [حاشية الصَّاوي على تفسير الجلالين] [1/22].

فائدة من [المطالب الوفيَّة شرح العقيدة النسفية] للشيخ الهرري رضي الله عنه

قال الإمام المجتهد الشيخ عبدالله الهرري رضي الله عنه ما نصه: <وقالَ بعضٌ كالقاضِي عِياضٍ والنَّوويِّ: إنَّهم مَعصومونَ مِنَ الصَّغائرِ والكبائرِ على الإطلاقِ، وهوَ خلافُ ما قالَهُ الأشعريُّ رضيَ اللهُ عنهُ. والعجبُ مِنِ ابْنِ السُّبكيِّ تاجِ الدِّينِ حيثُ صرَّحَ بمخالفةِ الأشعريِّ فقالَ في قصيدةٍ لهُ:

والأشعرِيُّ إمامُنا لكنَّنا  في ذا نُخالفُه بِكُلِّ لسانِ. قاعدةٌ في عصمةِ الأنبياءِ: قالَ الشَّيخُ التِّلمسانيُّ في [شرحِ لُمَعِ الأدلَّةِ] ما نصُّهُ: “لا يجوزُ عليهمُ الكبيرةُ ألبتةَ ويجوزُ تعمُّدُ الصَّغيرةِ بشرطِ عدمِ الإصرارِ ولا يجوزُ منهمْ صغيرةٌ تدلُّ على خساسةِ النَّفسِ ودناءَةِ الهِمَّةِ كتطفيفِ حبَّةٍ وسرقةِ باقةِ بَقْلٍ” اهـ ثمَّ قالَ: “وأما عصمتُهم عنِ الكبائرِ والإصرارِ على الصَّغائرِ وعنْ كلِّ صغيرةٍ تُؤْذِنُ بقلَّةِ الاِكتراثِ بالدِّياناتِ فمُستنِدٌ إلى الإجماعِ القاطعِ فإنَّ السَّلف رضيَ اللهُ عنهم لم يزالوا يحتجُّونَ بالنَّبيِّ بأفعالِه وأقوالِه ومُتبادِرونَ إلى التَّأسِّي بِهِ؛ وجميعُ الظَّواهر الَّتي اعتمدَ عليها الحَشوِيَّةُ قابلةُ التَّأويلِ، وأمَّا يونُسُ فقيلَ إنَّما كرَّمَهُ اللهُ بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ بعدَ أنْ نُبِذَ بالعَراءِ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِيْنَ} [سورة القلم/50] وأمَّا نبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعليهمْ أجمعينَ في قصَّةِ الفِداءِ في أُسارى بدرٍ والإذنِ للمُنافقينَ في التَّخلُّفِ عن غزوةِ تبوكٍ وعُبُوسِ الوجهِ لابنِ أُمِّ مكتومٍ فكلُّ ذلكَ تَرْكٌ للأَوْلى”> وانتهى كلام الهرري من [المطالب الوفية شرح العقيدة النسفية].

خاتمة

وقد عجِبت لبعض مَن خاض في هذه المسألة كيف يرى تنزيه الأنبياء عن كلِّ معصية مُطلقًا ولو كانت صغيرة ليس فيها خساسة ولا دناءة نفس؛ ثمَّ لم نرَ منه حماسة في ردِّ ما يجب تنزيه الأنبياء عنه إجماعًا بلا خلاف؛ كما نجد في بعض الكتب من دعوى إنكار النَّبيِّ لعذاب القبر والعياذ بالله فتأمَّل! يضيق المقام عن المقال ولدينا مزيد؛ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النَّصير.

انتهى

Aug 4, 2018, 2:27 PM

أضف تعليق