الرَّدُّ الوافر على مَن قال بتخفيف عذاب جهنَّم عن الكافر في الكلام على عذاب عبدالله بن جُدعان

الرَّدُّ الوافر [5]

على مَن قال بتخفيف عذاب جهنَّم عن الكافر

في الكلام على عذاب عبدالله بن جُدعان

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فقد مرَّ معنا في المقال السَّابق أنَّ أبا طالب انتفع برسولِ الله عليه الصَّلاة والسَّلام فكان عذابه في ضحضاح مِن النَّار ولولا رسولُ الله لكان في الدَّرْك الأسفل مِن جهنَّم، فإذَا استقرَّ في جهنَّم أخذت النَّار منه إلى قدمَيه ثُمَّ لا ينقطع عنه هذا القَدْرُ مِن العذاب ولا يُخفَّف عنه أبدًا مصداقًا للقُرآن ولإجماع المُسلمين فلا تلتفت إلى ما يُخالف الشَّرع والدِّين.

وروى مُسلم أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال لعمِّه أبي طالب: <يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ> انتهى. فلم يقُلها أبو طالب. فيُعلم مِن هذا أنَّه مات كافرًا. ويُعلم مِن حديث البُخاريِّ: <هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ..> إلى آخِر كلامه. أنَّ أبا طالب أخفُّ عذابًا مِن غيره مِن الكُفَّار لكنَّه كعذاب كُلِّ كافر مِن حيث أنَّه لا ينقطع ولا يُخفَّف عنه.

ومِن الدَّليل على أنَّ الكُفَّار لو عملوا في الدُّنيا أعمالًا صالحة فإنَّها لا تنفعهم بالنَّجاة ولا بأنْ يُخفَّف عنهم ما استُوجب عليهم مِن عذاب جهنَّم؛ حديث مُسلم في [صحيحه]: <عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: (لَا يَنْفَعُهُ. إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)> انتهى.

ورواية الخرائطيِّ في [مكارم الأخلاق]: <إنَّه يُهوَّن عليه بما قلتِ> انتهى. وظاهرها مُخالف لرواية مُسلم لكنَّها مُرسلة وليس فيها ذكر جهنَّم فلا تُعكِّر عليها؛ وإذَا أردتَ الجمع بَين الرِّوايتَين فلعلَّك تقول: رواية مُسلم أفادت أنَّ الكُفَّار لا ينتفعون بالأعمال الصَّالحة لأنَّ مِن شرط صحَّتها الإيمان؛ ورواية الخرائطيِّ أفادت أنَّ أحوال الكُفَّار بعد الموت مُتفاوتة في الشِّدَّة.

وابن جُدعان قد صحَّ أنَّه مِن أهل الفترة الَّذين لم يكُن لهم رسولٌ يدعوهم إلى الله؛ فإنَّه ولو كان مات كافرًا لكنَّه لا يُعذَّب لأنَّ أهل الفترة ناجون لا يُعذَّبون لأنَّهم ما كانوا مُكلَّفِين إذ لم يسمعوا بأصل الدَّعوة: لا إله إلَّا الله. ويبقى أنَّ المُستفاد مِن الحديث أنَّ الكُفَّار لا ينتفعون بأعمالهم. وابن جُدعان لا ينجو بأعماله وإنَّما ينجو مِن العذاب لكونه مِن أهل الفترة.

والخُلاصة في كُلِّ ما مرَّ أنَّه لا يُخفَّف عن الكُفَّار ما استُوجب عليهم مِن عذاب جهنَّم بعد استقرارهم فيها وبهذا جاء القُرآن الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة الثَّابتة وإجماع المُسلمين؛ لكنَّ عذابهم مُتفاوِت فبعضهم أشدُّ عذابًا مِن بعضهم وبعضهم أهونُ عذابًا مِن بعضهم وهذا ما فهمه عُلماء أهل السُّنَّة ولذلك قال ابن حجر في [الفتح]: <عذاب الكُفَّار مُتفاوِت> انتهى.

نهاية المقال.

الجُزء السَّادس قريبًا بإذن الله.

Nov 7, 2019, 1:14 AM

الرَّدُّ الوافر [4]

على مَن قال بتخفيف عذاب جهنَّم عن الكافر

أبو طالب وأبو لهب وما ورد في كُلٍّ منهما

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فقد ذكرنا أنَّ القُرآن نصَّ أنَّه لا يُخفَّف مِن عذاب جهنَّم عن الكافر؛ وحكايةَ عياض الإجماع فيه؛ وقولَي العسقلانيِّ والقسطلانيِّ إنَّ خبر منام العبَّاس في أبي لهب مُخالف للقُرآن؛ فلماذَا جاء في بعض التَّصانيف: <لكن يُحتمَل أنْ يكون ما يتعلَّق بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مخصوصًا مِن ذلك بدليل التَّخفيف عن أبي طالب المرويِّ في الصَّحيح>؟

وهُنا سأطلب مِن القارئ العزيز التَّنبُّه إلى أنَّ الكلام هذه المرَّة في أبي طالب وليس في أبي لهب ثُمَّ يصير الكلام عن أبي لهب في آخِر المقال.

والجواب أنَّ الله جعل جزاء أبي طالب أنَّ النَّار تأخذ منه إلى قدمَيه؛ فإذَا كان هذا ما استُوجب عليه في جهنَّم فإنَّه لا ينقطع ولا يُخفَّف بعد ذلك أبدًا مصداقًا للقُرآن الكريم وبهذا يجتمع قوله تعالى: {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} مع ما ورد في الحديث في حقِّ أبي طالب: <هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ> انتهى رواه البُخاريُّ وغيره.

فما ورد في حقِّ أبي طالب أنَّ عذابه يكون أشدَّ لولا الرَّسول عليه السَّلام؛ ولم يَرِدْ أنَّ عذابه يُخفَّف عنه بحيث ينتقل مِن عذاب إلى أخفَّ منه بل ما يجري عليه مِن العذاب مُستمرٌّ لا يُخفَّف. أمَّا ما ورد في أبي لهب وأنَّه يُخفَّف عنه يوم الاثنين فلا يجوز أنْ يُعتقَد لأنَّه مُناقض للقُرآن؛ والقُرآن لا يُؤوَّل لمُجرَّد رُؤيا مناميَّة لا يُحتجُّ بها في خبر مُرسل لا يثبت.

نهاية المقال.

الجُزء الخامس قريبًا بإذن الله.

Nov 5, 2019, 6:36 AM

الرَّدُّ الوافر [3]

على مَن قال بتخفيف عذاب جهنَّم عن الكافر

القسطلانيُّ في [إرشاد السَّاري]: مردود بظاهر القُرآن

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فقد قدَّمنا في الجُزء الأوَّل والثَّاني ما نصَّ عليه القُرآن الكريم مِن أنَّه لا يُخفَّف مِن عذاب جهنَّم عن الكافر يوم القيامة؛ وذكرنا ما نقله القاضي عياض مِن إجماع الأُمَّة على ذلك؛ وبيان ابن حجر العسقلانيِّ في [فتح الباري شرح البُخاريِّ] أنَّ خبر المنام مُخالف لظاهر القُرآن الكريم؛ ونذكر اليومَ كلام القسطلانيِّ وفيه أنَّ القُرآن يردُّ القول بالتَّخفيف المذكور.

ففي [إرشاد السَّاري] لشهاب الدِّين القسطلانيِّ – كتاب النِّكاح: <واستُدل بهذا على أنَّ الكافر قد ينفعه العمل الصَّالح في الآخرة وهو مردود بظاهر قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} لا سيَّما والخبر مُرسل أرسله عُروة ولم يذكر مَن حدَّثه به وعلى تقدير أنْ يكون موصولًا فلا يُحتجُّ به إذ هُو رُؤيا منام لا يثبت به حُكم شرعيٌّ> انتهى.

وكلام القسطلانيِّ وافق كلام العسقلانيِّ كما ترى؛ فالعُلماء مُتَّفقون أنَّ منام العبَّاس مُخالف لظاهر القُرآن الكريم وقد نصَّ القُرآن الكريم على أنَّ أعمال الكُفَّار لا تنفعهم يومَ القيامة في التَّخفيف مِن عذاب جهنَّم شيئًا، وقد علمتَ أنَّ العُلماء لا يُخرجون النَّص القُرآنيَّ عن سياقه ولا يتأوَّلونه دون ضرورة شرعيَّة لمُجرَّد رُؤيا مناميَّة لا يُحتجُّ بها في خبر مُرسل لا يثبت.

نهاية المقال.

الجُزء الرَّابع قريبًا بإذن الله.

Nov 3, 2019, 12:28 AM

أضف تعليق