الرَّدُّ على الرُّويبضة الَّذي ضلَّل العُلماء في مسألة العصمة
هذا المقال في الرَّدِّ على ما نشره المدعو أحمد مرعي أبو حامد وهو واحد مِن أهل الفتنة.
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعد فقد انقسم العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء إلى فريقينِ؛ فقال فريق وهم الجُمهور بجواز ووقوع الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها منهم؛ وقال فريق بنفي الجواز والوقوع في حقِّهم. والقولانِ مُعتبرانِ عند أهل السُّنَّة والجماعة؛ ثُمَّ لم يُبدِّع بعضهم بعضًا لأجل اختلافهم في ذلك حتَّى تكلَّم التَّافه في أمر العامَّة فقال: (إنَّ مَن قال بالجواز والوقوع فاسق مُبتدع) وهذا منه تضليل للجمهور وما المُبتدع في الحقيقة إلَّا هو. فما أبعده عن الخير.
وقال الرُّويبضة إنَّ العُلماء لم يختلفوا في جواز ووقوع الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء. ويكفي في ردِّه قول القاضي عياض في [الشِّفا]: <وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ> انتهى فإذَا لم يرَ الرُّويبضة كُلَّ هؤلاء مِن العُلماء فجوابه في قول الشَّاعر: <ما ضرَّ شمسَ الضُّحى في الأُفْقِ طالعةً * أنْ ليسَ يبصرُها مَن ليسَ ذَا بصرِ>.
وقال الرُّويبضة إنَّنا نخلط في ما يجوز في حقِّ الأنبياء عمومًا وما يجوز في حقِّ نبيِّنا خُصوصًا. مريدًا بهذا التَّدليسِ إيهامَ النَّاس أنَّ العُلماء لم يختلفوا بجواز ووقوع الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها مِن نبيِّنا عليه السَّلام؛ وهذا منه كذب على العُلماء بدليل أنَّ عياضًا نصَّ أنَّهم اختلفوا في تفسير {ليغفر لكَ اللهُ ما تقدَّمَ مِن ذنبِكَ} والمُخاطب فيها نبيُّنا مُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، فبطل ادِّعاء الرُّويبضة بأنَّ العُلماء لم يختلفوا في هذا التَّفصيل.
قال القاضي عياض في [الشِّفا]: <{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فَهَذَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ، [1] فَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَبَعْدَهَا. [2] وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا وَقَعَ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَمَا لَمْ يَقَعْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ. [3] وَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُكَ بَعْدَهَا.. [4] وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أُمَّتُهُ. [5] وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا كَانَ عَنْ سَهْوٍ، وَغَفْلَةٍ، وَتَأْوِيلٍ.. [6] وَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيكَ آدَمَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ> اهـ.
فالقاضي عياضٌ ينقل ستَّة وجوه قال بها المُفسِّرون في {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}؛ في ثلاثةٍ منها إثبات القول بالوقوع أخذًا بظاهر الآية لامتناع التَّأويل لغير ضرورة شرعيَّة؛ فلو صحَّ ما زعمه الرُّويبضة مِن أنَّ القائل بذلك يكون مُبتدعًا مثلَ الخوارج؛ فإنَّ كُلَّ مُفسِّر قال بأحد الوُجوه الثَّلاثة الأُولى الَّتي ذكرها القاضي عياض يكون فاسقًا ضالًّا مُبتدعًا؛ فمَن هو ليُفسِّق ويُضلِّل ويُبدَّع أكابرَ العُلماء وما هو إلًّا رُويبضة!
وقال الرُّويبضة إنَّنا لم نأتِ بدليل واحد على المعصية الَّتي ننقل عن العُلماء القولَ بوقوعها مِن نبيِّنا المُصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام. وجوابه أنْ يُقال له: لو كنتَ ذا أدب كما تدَّعي لَمَا طلبتَ الخوض في التَّمثيل أي في طلب الأمثلة عن ذلك، فمَن قال مِن العُلماء بوقوع ذلك منه صلَّى الله علَيه وسلَّم أراد مُوافقة كتاب الله بترك العَبَث بالنَّصِّ القُرآنيِّ بتأويله لغير ضرورة وقالوا هو ذنب أُمر نبيُّنا بالاستغفار منه فاستغفر فغفره الله له وستره عليه.
وزعم الرُّويبضة أنَّنا نخلط بين التَّجويز وبين الوقوع حقيقة. ويكفيه أنَّ عياضًا أقرَّ أنَّ القول بالجواز والوقوع مذهب الجُمهور، فإمَّا أنَّ الرُّويبضة يرى أنَّ عياضًا كاذبٌ فيكفينا الرَّدَّ عليه؛ وإمَّا أنَّه يزعم أنَّ عياضًا لم يعنِ الوقوع حقيقة فيكفينا الرَّدَّ عليه إمامانِ كبيرانِ مِن أئمَّة أهل السُّنَّة والجماعة وهما بدرالدِّين الزَّركشيُّ الشَّافعيُّ والمُلَّا عليٌّ القاري الحنفيُّ فقد صرَّحَا أنَّ عياضًا ينسب القول بإثبات الوُقوع إلى الجُمهور كما فيما يلي:
قال المُلَّا عليٌّ القاري الحنفيُّ في [شرح الشِّفا] الجزء الثَّاني ص/258 دار الكتُب العلميَّة ط/1 ما نصُّه: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووقوعها (جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ) مِن الخَلَف كإمام الحرمَين منَّا وأبي هاشم مِن المُعتزلة حيث جوَّزوا الصَّغائر غيرَ المُنفِّرة (عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ) أي المُجتهدِين (وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ) أي في أصول الدِّين والمُراد بعضٌ مِن كُلٍّ منهم> انتهى.
وقال بدر الدِّين الزَّركشيُّ في [البحر المُحيط] -في أُصول الفقه-: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقالَ في [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء..> انتهى. فهذانِ إمامانِ كبيرانِ أحدهما شافعيٌّ والآخَرُ حنفيٌّ؛ يشرحانِ قول إمام مالكيٍّ كبير؛ فالأوَّل يقول <وجودها (ووقوعها)> والثَّاني يقول <تجويز الصَّغائر (ووقوعها)> وأمَّا الرُّويبضة فيُنكر على الثَّلاثة. والعياذ بالله!
فقول الأوَّل <وجودها ووقوعها> وقول الثَّاني <تجويز الصَّغائر ووقوعها> دلَّ أنَّ اختلاف العُلماء لم يكن في الجواز وحسب بل وفي الوُقوع كذلك؛ ومتى كان الجواز هو جواز الوقوع كان لا بُدَّ أنَّ الوقوع شيء غير مُجرَّد الجواز وهم اختلفوا في هذا وفي ذاك، ويكفي في حسم هذا التَّفصيل أنَّهم اختلفوا في تفسير {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فيكون اختلافهم فيما تقدَّم وقوعُه لا فيما تقدَّم جوازه فقال الجمهور: بالظَّاهر، وقال بعض: بتأويله.
وهذا لا يُقال مع إرادة التَّنقيص بل في مقام البيان والكشف عن حقيقة أقوال العُلماء في عصمة الأنبياء ولو كان مُجرَّد ذكره مُوهمًا للتَّنقيص لأوهمه قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه} ومعاذ الله أنْ يُقال إنَّ كتاب الله اشتمل على تنقيص الأنبياء أو شتمهم. فمَن أصرَّ على تضليل العُلماء لاختلافهم في عصمة الأنبياء عن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فقد كشف للنَّاس أنَّه يُضلِّلُ أهل السُّنَّة وأنَّه يُبدِّع فقهاءهم ويُفسِّق العُلماء مِن السَّلف والخلف.
فأهل السُّنَّة لم يُضلِّل بعضهم بعضًا في عصمة الأنبياء عن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها وإنَّما الَّذين يُضلِّلون مَن خالفهم في هذه المسالة: هم الشِّيعة الرَّوافض. قال الأرمويُّ الهنديُّ في معرض حديثه عن الذَّنب الصَّغير الَّذي لا خسَّة فيه: <وثانيها: عدم جواز صدوره منهم عمدًا وسهوًا وهو مذهب الرَّوافض> انتهى وهو صريح الدِّلالة وقال مثله الشَّيخ داود القرصيُّ الحنفيُّ وعبدالرَّحمن الإيجيُّ الشَّافعيُّ والآمديُّ الحنبليُّ ثُمَّ الشَّافعيُّ.
واعلم -أخي القارئ- أنَّ العُلماء الَّذين نقلوا اختلاف العُلماء والمُجتهدين في هذه المسألة كُثُرٌ فمِنهم المازريُّ المالكيُّ في [إيضاح المحصول مِن بُرهان الأُصول] ومِنهم القاضي عياض المالكيُّ [الشِّفا] والخفاجي في [نسيم الرِّياض] والآمديُّ في [أبكار الأفكار] وداود القرصيُّ الحنفيُّ في [شرحه على القصيدة النُّونيَّة لناظمها خضر بيك] وعبدالرَّحمن الإيجيُّ الشَّافعيُّ في [المواقِف في عِلم الكلام] والأرمويُّ الهنديُّ في [نهاية الوُصول في دراية الأُصول] والطَّبريُّ المُجتهد في [جامع البيان] وبدرالدِّين الزَّركشيُّ في [البحر المُحيط في أصول الفقه] والإمام الأشعريُّ في [المُجرَّد] وابن نُجيم الحنفيُّ في [الأشباه والنَّظائر] وفي [البحر الرَّائق] وخيرالدِّين الرَّمليُّ الحنفيُّ في [حاشيته على كتاب ابن نُجيم] والمُتولِّي شيخ الشَّافعيَّة في [الغُنية] والقُرطبيُّ في [الجامع لأحكام القُرآن] والسَّمعانيُّ الشَّافعيُّ في تفسيره وفي [قواطع الأدلَّة في الأُصول] والأبياريُّ المالكيُّ في [التَّحقيق والبيان في شرح البُرهان في أصول الفقه] ونسب ذلك إلى الإمام مالك وابن مسعود البغويُّ الشَّافعيُّ في تفسيره [معالِم التَّنزيل] والإمام الشَّافعيُّ في كتابه [الأُمِّ] والبيهقيُّ في [أحكام القُرآن للشَّافعيِّ] صحَّح ذلك عن الشَّافعيِّ والرَّازيُّ في [مفاتيح الغَيب] وفي [عصمة الأنبياء] والألوسي في [روح المعاني] والمُفسِّر المَوصليُّ الشَّافعيُّ في [نهاية البيان في تفسير القُرآن] والإمام أحمد بن حنبل فيما رواه عنه ابن الجوزيِّ في [مناقب أحمد] والتَّفتازانيُّ في [شرح العقائد النَّسفيَّة] والغزاليُّ في [المنخول مِن تعليقات الأُصول] والمرداويُّ الحنبليُّ في [تحرير المنقول وتهذيب عِلم الأصول] وابن بطَّال المالكيُّ في [شرحه على البُخاريِّ] واليفرنيُّ المالكيُّ في [المباحث العقليَّة في شرح معاني العقيدة البرهانيَّة] والإمام الجوينيُّ في [البرهان] والإمام الهرريُّ في [بُغية الطَّالب] وابن علَّان في [دليل الفالِحين] وغيرُهم كثير وفي هذا القدر كفاية لمُسترشد.
فمَن الَّذي وافق العُلماءَ ومَن هو الخارجيُّ الَّذي بدَّع أهل السُّنَّة وضلَّل علماءهم أيُّها الرُّويبضة النَّاعق بالفتنة! نحن الَّذين وافقنا كُلَّ هؤلاء فيما نقلوا عن المذهب أم أنت الَّذي تُحرِّف مقصد البحث حتَّى تطعن بالعُلماء العامِلين!؟
وآخِرُ الكلام أنِ الحمدلله ربِّ العالَمين.
Jul 31, 2019, 11:53 PM
