عندمَا يُنكرُ الجاهلُ تعليمَ النَّاسِ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ؛ وينخدِعُ بهِ النَّاسُ؛ فاعلَمْ أنَّهُ قد أتَت على النَّاسِ سِنُونَ خدَّاعةٌ.
وعندمَا يُنكرُ الجاهلُ تعليمَ النَّاسِ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ؛ لأنَّ لفظَها لم يَرِدْ؛ ويُصدِّقُهُ النَّاسُ؛ فاعلَم أنَّهم صدَّقوا الكاذبَ وكذَّبوا الصَّادقَ.
وعندمَا يُنكرُ الجاهلُ تعليمَ الصِّغارِ والكِبارِ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ؛ ويأتمنُهُ النَّاسُ؛ فاعلَم أنَّهم ائتمَنوا الخائنَ وخوَّنوا الأمينَ.
وعندمَا يُنكرُ الجاهلُ أنْ نصدَحَ بأنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ؛ وأنَّها عبارةٌ في التَّوحيدِ؛ فاعلَمْ أنَّ الرُّويبضةَ قد نطَقَ.
وإذَا كانَ كُلُّ ذلك فازدَدْ يقينًا بنُبوَّةِ سيِّدِنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ فإنَّهُ القائلُ: <إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ> قِيلَ ومَا الرُّوَيْبِضَةُ يا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: <السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ> رواهُ الحاكمُ وصحَّحهُ.
أمَّا الجاهل الذي أنكر علينا قولَنا (إنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ) لمُجرَّدِ أنَّها لم تخرُجْ بحروفِها مِن بَينِ شفتَيِ النَّبيِّ -عليه السَّلامُ- فقولوا لهُ إنَّ مُتونَ العقائدِ الَّتي وضعَها عُلماءُ الأُمَّة مِن لَدُنِ السَّلفِ الصَّالحِ وحتَّى أيَّامِنا محشُوَّةٌ بالكثيرِ مِن العباراتِ المُماثلةِ الَّتي لم تخرُجْ بحروفِها مِن بَينِ شفتَيِ النَّبيِّ لكنَّها تُعلِّمُ النَّاسَ عقيدةَ الأنبياءِ عقيدةَ الهُدى المُنجيَةَ مِنَ الرَّدى.
فهل يُنكرُ الجاهلُ كُتُبَ عقائدِ المُسلمينَ لأنَّها مَلأَى بعباراتٍ لم تخرُجْ مِن بَينِ شفتَيِ النَّبيِّ بِسَبْكِهَا وحُروفِها -كما زَعَمَ-!؟ فإنْ كانَ لا تُعجبُهُ عباراتُ عُلماءِ المُسلمينَ في كُتُبِ عقائدِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ فقد انكشفَ ما ينطوي عليهِ مِن الزَّيغِ ونادى على نفسِهِ بالفضيحةِ والعِياذُ باللهِ تعالى. وهل يُريدُنا أنْ نهجُرَ عباراتِ العُلماءِ إلى عباراتِه وهو الجاهلُ الرُّوَيْبِضَةُ!
وماذَا عسى الجاهلُ أنْ يقولَ إذَا قرأنا عليه قولَ الإمامِ البيهقيِّ: <قالَ أصحابُنا فمَن لم يكُنْ فوقَهُ شيءٌ ولا دونَهُ شيءٌ لم يكُنْ في مكانٍ> انتهى. والإمامُ البيهقيُّ المُتوفَّى سنةَ 458ه قيلَ فيه: <ولو شاءَ البيهقيُّ أنْ يعملَ لنفسِهِ مذهبًا يجتهدُ فيهِ لكانَ قادرًا على ذلكَ لسعةِ علومِهِ> انتهى.
وماذَا عسى الجاهلُ أنْ يقولَ إذَا قرأنا عليه قولَ شَيخِ العُرَيجا إمامِنا الرِّفاعيِّ: <غايةُ المعرفةِ باللهِ الإيقانُ بوجودِهِ تعالى بلا كيفٍ ولا مكانٍ> انتهى ومتى كانَ الجاهلُ أعلمَ مِن عُلماءِ الأُمَّةِ بما ينبغي تعليمُهُ للنَّاسِ يا أيُّها النَّاسُ!
وماذَا عسى الجاهلُ أنْ يقولَ إذَا قرأنا عليه قولَ الإمامِ أبي منصورٍ البغداديِّ في [الفَرْقِ بَينَ الفِرَقِ]: <وأجمعوا –أي أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ– على أنَّهُ لا يحويهِ مكانٌ> انتهى فهل كانَ عُلماءُ المُسلمينَ مُخطئينَ لأنَّهم نشروا هذه العبارةَ المُفيدةَ للتَّنزيهِ والتَّوحيدِ في كتُبِهم كما يزعم الجاهلُ الرُّويبضةُ!
أمَّا أنْ يُنكرَ الجاهلُ أنَّ قولَنا (اللهُ موجودٌ بلا مكانٍ) هو قولٌ يُفيدُ التَّوحيدَ فهذا منهُ جهلٌ مركَّبٌ، فإنَّ شيخَ عُلماءِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في بيروتَ وهو المُحدِّثُ الشَّيخُ مُحمَّدُ الحوت قد نقلَ في كتابِهِ [الدُّرَّةِ الوضيَّةِ في توحيدِ ربِّ البريَّةِ] عنِ الإمامِ الشَّافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: <مَن تعلَّقَتْ هِمَّتُهُ بغيرِ موجودٍ فهو مُعطِّلٌ. ومَن تعلَّقَتْ هِمَّتُهُ بموجودٍ محصورٍ فهُو مُجسِّمٌ. ومَن تعلَّقَتْ هِمَّتُهُ بموجودٍ غير محصورٍ فهُو مُوحِّدٌ> انتهى.
والمعنى أنَّ مَن نزَّهَ اللهَ تعالى عن أنْ يكونَ في مكانٍ فقد أصابَ التَّوحيدَ وتجنَّبَ التَّعطيلَ والتَّشبيهَ؛ ولكنَّ الرُّويبضةَ أصرَّ على مُخالفةِ أكابرِ العُلماءِ فكأنَّهُ تفوَّقَ على عالِمِ قُريشٍ الَّذي ملأَ طِباقَ الأرضِ عِلمًا! وما هُو في الحقيقةِ إلَّا كما جاءَ في الحديثِ: <وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ> رواهُ التِّرمذيُّ.
وماذَا عسى الجاهلُ الَّذي أنكرَ علينا تعليمَ الصِّغارِ أنَّ اللهَ موجودٌ بلا مكانٍ أنْ يقولَ إذَا أخبرناهُ أنَّ سُلطانَ المُسلمينَ صلاحَ الدِّينِ الأيوبيَّ أمرَ بتعليمِ الصِّغارِ في الكُتَّابِ أنْ يدرسوا الرِّسالةَ المُسمَّاةَ [حدائقَ الفُصولِ وجواهرَ العُقولِ] وفيها:
وصانعُ العالَمِ لا يحوِيهِ * قُطْرٌ تعالى اللهُ عن تشبِيهِ
قـد كَانَ موجُودًا ولا مكانَ * وحـُكمُهُ الآنَ عـلى ما كانَ
سـُبحانَهُ جـلَّ عـنِ المكانِ * وعَـزَّ عـنْ تـغيُّرِ الزَّمانِ
فـقد غَـلا وزادَ فـي الغُلُوِّ * مَـن خـَصَّهُ بـجهةِ العُلُوِّ
وحـَصَرَ الصَّانعَ في السَّماءِ * مـبدعَها والعرشُ فوقَ الماءِ
وأثـبَـتُوا لـذاتِهِ التَّحيُّزا * قد ضَلَّ ذو التَّشبِيهِ فيما جوَّزا
طعنَ الوهَّابيَّةُ المُجسِّمةُ بالسُّلطانِ صلاحِ الدِّينِ أمسِ؛ وها هو الرُّوَيْبِضَةُ اليومَ يطعنُ بتعليمِ الصِّغارِ هذه العبارةَ العظيمةَ -وهُو يعلمُ أنَّ صلاحَ الدِّينِ رحمَه اللهُ أمرَ بتعليمِها للصِّغارِ- فيكونُ بذلكَ قد شابَهَ الوهَّابيَّةَ في بعضِ المَشايِنِ والمَعايِبِ والمَقابِحِ وكانَ مرادُهُ أنْ يطعنَ بأهلِ السُّنَّةِ فأصابَ نفسَهُ في مقتلٍ والعياذُ باللهِ. فنسألُ اللهَ السَّلامةَ مِن زَيغِ القُلوبِ وسُوءِ المُنقلبِ.
فتنةُ المُشبِّهةِ الَّذِينَ ينسبونّ للهِ المكانَ والحيِّزَ تدخلُ المساجدَ عُنوةً وتحتلُّ المنابرَ وفضائياتِ الفسقِ ورُفوفَ المكتباتِ ودُورَ النَّشْرِ؛ والرُّويبضةُ ينهى عن ترديدِ عبارةٍ تَرُدُّ الفتنةَ! فمَن شيخُهُ في مثلِ هذا وما هدفُهُ وإلى أينَ يُريدُ أنْ يَصِلَ في إنكارِهِ تعليمَ النَّاسِ -الصِّغارِ والكِبارِ- هذه العبارةَ الَّتي يكرهُها المُجسِّمةُ فتنزلُ على مسامِعهم كالصَّاعقةِ وتحرقُ قلوبَهم!؟
وانظر -أخي القارئُ- إلى مُحاولتِهِ التَّبرُّؤَ مِن ذمِّهِ قولَ (اللهُ موجودٌ بلا مكانٍ) فقالَ إنَّهُ قصدَ بقولِه (إنَّها بدعةٌ) أنَّها لم تَرِدْ في الأثَرِ بحروفِها وأنَّهُ أرادَ أنَّها بدعةٌ حسَنَةٌ؛ عِلمًا أنَّه قالَ ذلكَ في سِياقِ النَّهيِ عنها. والصَّوابُ أنَّ إطلاقَ مُسمَّى البدعةِ في سياقِ النَّهيِ لا يخرُجُ عن كونِهِ ذمًّا. فبئسَ ما أتى ويأتي وبئسَ ما خانَ ويخونُ إذ ليسَ بعدَ الهُدى إلَّا الضَّلالُ.
وانظر -أخي القارئُ- إلى حقيقةِ هذا الرُّويبضةِ -الَّذي يدَّعي الأدبَ زورًا- كيفَ يُسيءُ الأدبَ في تناوُلِهِ قولَنا (اللهُ موجودٌ بلا مكانٍ) فيقولُ إنَّها علامةٌ تجاريَّةٌ للأحباشِ! وهُو يعلمُ أنَّها مِن معنى قولِ رسولِ اللهِ علَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: <كانَ اللهُ ولم يكُنْ شيءٌ غيرُهُ> رواهُ البُخاريُّ. ولو كانَ طالبَ عِلمٍ كما يكذبُ على النَّاس لَتأدَّبَ مع معاني كلامِ النَّبيِّ علَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وانظر إلى هذا الَّذي يدَّعي الأدبَ زُورًا ويفتري على مشايخِ أهلِ السُّنَّةِ بأنَّهم يُكفِّرونَ المُسلمينَ بغيرِ حقٍّ وهُم بريئونَ ممَّا يفتريهِ؛ لكنَّهُ يجهرُ بوصفِهم بالخوارجِ وهذا منهُ تكفيرٌ لهُم -والعياذُ باللهِ- وهُو جُرْمٌ أعظمُ مِن مُجرَّدِ السَّبِّ فهل علمتَ -أخي القارئُ- لماذَا قالَ أبو أيوبَ الانصاريُّ: <لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ، وَلَكِنِ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ>؟
تمَّ بعونِ اللهِ إفحامُ رُوَيْبِضَةِ أهلِ الفتنةِ وجاهلِهم.
وإنْ عادوا عُدنا. وآخِرُ المقالِ أنِ الحمدُللهِ ربِّ العالمينَ.
Jul 28, 2019, 12:23 PM
