الرَّدُّ على مَن اتَّهم أهل السُّنَّة بتكلُّف البحث في ذنوب الأنبياء
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ مِن الجَهَلة قوم يُقابلون الحُجَّةَ بالكذبِ والصِّدقَ بالافتراءِ والحقَّ بالبُهتانِ الَّذي يُتحيَّر مِن بطلانه؛ وإنَّ واحدهم لَقبيح الفِرية عظيم الجناية يطعن بألف عالِم فلا يهتزُّ له جفن ويُعادي ألف وليٍّ فلا يضطرب بين ضلوعه قلب؛ كأمثال الحجارة قلوبهم أو أشدُّ قسوة! محبَّة النَّبيِّ عليه السَّلام عندهم تمرُّ مِن طريق تكفير عُلماء أهل السُّنَّة؛ وأهل محبَّة رسول الله عندهم تاركون لتعظيمه سيِّئو الأدب معه مُفترون عليه فيما يزعُم الجَهَلة ويكذبون ويفترون فكان لا بُدَّ لنا مِن الرَّدِّ والبيان مُتوكِّلين على الله سبحانه.
1- ما معنى (تكلُّف البحث في ذنوب الأنبياء)؟
تكلُّف البحث في ذنوب الأنبياء معناه تتبُّع زلَّات الأنبياء ولو مِن غير القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة ومتى كانت وأيَّ شيءٍ كانت لحفظها وإشاعتها مع تعلُّق القلب بذلك أي مع شغل قلب وبذل مشقَّة في غير ما حاجة لشرح حُكم شرعيٍّ وبيان اختلاف العُلماء على وجه مُشعِرٍ بالتَّنقيص أو الذَّم؛ ولهذا قال الإمام الماتُريديُّ: <ثُمَّ لا يجوز لنا أنْ نبحث عن ذنبه صلَّى الله عليه وسلَّم ونتكلَّف أنَّه ما كان ذنبه وأيشٍ كانت زلَّته لأنَّ البحث عن زلَّته ممَّا يُوجب التَّنقيص فيه فمَن تكلَّف البحثَ عن ذلك يُخاف عليه الكُفر> اهـ.
2- هل بيان اختلاف مذاهب العُلماء تكلُّف للبحث في ذنوب الأنبياء؟
أمَّا بيان اختلاف مذاهب العُلماء فليس تكلُّفًا للبحث في ذنوب الأنبياء لأنَّ العُلماء لم يختلفوا في عصمة الأنبياء سوى مِن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها؛ إذ لولا البيان لتوهَّم النَّاس أنَّ العُلماء مُجمعون على عصمة الأنبياء منها! والحقيقة أنَّهم مُختلفون فيها بل جُمهور العُلماء على تقرير وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء كما نصَّ القاضي عياض المالكيُّ والزَّركشيُّ الشَّافعيُّ والتَّفتازانيُّ الحنفيُّ والمرداويُّ الحنبليُّ فلولا البيان لحرَّف الجَهَلة المُتصولحة الشَّرع ولقرَّروا فيه إجماعًا كاذبًا في مسألة ثبت اختلاف الأئمَّة فيها.
3- هل تقرير وقوع صغيرة مِن نبيٍّ يقدح بمقام نبوَّته ويُخالف تعظيمه؟
والقول بتقرير وقوع صغيرة مِن نبيٍّ لا يقدح بمقام نبوَّته ولا يُخالف تعظيمه والأدب معه؛ لأنَّ الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها لا تُنبئ بقلَّة الاكتراث بالدِّين أو بضعف الدِّيانة ولا تُزري بمقام النُّبوَّة؛ والأنبياء يتوبون منها قبل أنْ يُقتدَى بهم فيها؛ ولذلك قال إمامنا الأشعريُّ: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذَا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> اهـ وقال رضي الله عنه: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذَا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اهـ
4- هل المعصية الصَّغيرة ذنب حقيقيٌّ؟
ثُمَّ إنَّ المعصية إذَا قُيِّدَت بلفظ الصَّغيرة أو الكبيرة امتنع تأويلها على معنى ترك الأَوْلى -وكذلك لفظ الذَّنب إذَا قُيِّد بذلك- وتعيَّن المُراد فلم يخرج عن كونه معصيةً حقيقيَّة أو ذنبًا حقيقيًّا؛ لا يقول بخلاف هذا عالِم مِن المُسلمين ولا مُتعلِّم بل ولا يقول بخلافه إلَّا جاهل على التَّحقيق أو مُعاند أغلق الله قلبه فلم يهتدِ، أمَّا الَّذين تأوَّلوا الذَّنب بنحو ترك الأَوْلى فقد تأوَّلوا ما لم يُقيَّد منه بلفظ الصَّغير أو الكبير؛ وليس في كُلِّ نصٍّ شرعيٍّ بل في مواضع تتعلَّق بالأنبياء لأنَّهم ممَّن لا يُجوِّزون -الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها- عليهم.
5- هل يجوز أنْ يُقال إنَّ لنبيٍّ مِن الأنبياء معصية أو ذنب؟
وقال ابن قتيبة فيما رواه عنه المُفسِّرون: <يجوز أنْ يُقال (عصى آدمُ ربَّه) ولكن لا يُقال (آدمُ عاصٍ) لأنَّه إنَّما يُقال (عاصٍ) إذَا اعتاد فعل المعصية وهذا كالرَّجل يَخِيط ثوبه يُقال (خاط ثوبه) ولا يُقال (خيَّاط) إلَّا إذَا اعتاد الخياطة> اهـ؛ وقال المُفسِّر جمال الدِّين المَوصليُّ الشَّافعيُّ: <فنحن نقول في حقِّ آدم عصى وغوى كما قال الله تعالى ولا نقول إنَّ آدمَ عاصٍ غاوٍ..> اهـ، فالأنبياء وإنْ جاز عليهم الوقوع في صغيرة لا خسَّة فيها -على قول أكثر عُلماء أهل السُّنَّة لا سيَّما المُتقدِّمون- لكن وبالإجماع لا يجوز عليهم الإصرار عليها بل يُنبَّهون للتَّوبة منها قبل أنْ يقتديَ بهم فيها غيرهم.
6- هل أثبت العُلماء لفظ المعصية بحقِّ نبيٍّ مِن الأنبياء؟
وقد أثبت العُلماء لفظ المعصية بحقِّ الأنبياء بل وقال ابن نُجيم في [الأشباه والنَّظائر] وفي [البحر الرَّائق]: <ولو قال قائل إنَّ الأنبياء لم يعصوا حالَ النُّبوَّة ولا قبلَها كَفَرَ؛ لأنَّه ردَّ النُّصوص> اهـ، ومثله في [حاشية الطَّحطاويِّ على الدُّرِ المُختار شرح تنوير الأبصار]؛ والمُراد تكفير مَن نفى اسم المعصية عنهم بالإطلاق لثُبوت اللَّفظ في القُرآن الكريم بقوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ} بغضِّ النَّظر عن المُراد بالمعصية في الآية؛ هل هي حقيقيَّة -كما عند الجمهور- أم مجازيَّة -كما عند فريق مِن العُلماء-.
7- ما الدَّليل على أنَّ العُلماء مُختلفون في تقرير الوقوع لا في الجواز وحسب؟
اختلاف العُلماء في تفسير: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ} هو اختلاف في تقرير الوقوع لا في جوازه وحسب؛ إذ لمَّا نصَّ القُرآن على وقوع معصية آدم لم يسعْهُمُ الاِختلاف في وقوعها فلم يبقَ إلَّا أنَّهم اختلفوا في المُراد، فقال الجمهور: اعتقادنا جوازَ وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء يمنعنا مِن تأويل الآية ولذلك نحمل حقيقة معناها على الظَّاهر لا على المجاز، وقال فريق مِن العُلماء: اعتقادنا عدمَ جواز وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء يمنعنا مِن حمل حقيقة معنى الآية على الظَّاهر ولذلك نتأوَّل معنى الذَّنب على ما كان مِن نحو ترك الأَوْلى.
8- وهل اختلف العُلماء كذلك في تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} وفي تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}؟
وكذلك اختلف العُلماء في تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} و{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}؛ وقد جمع الرَّازيُّ بين قولَي أهل السُّنَّة فقال في [تفسيره]: <الجواب عنه قد تقدَّم مِرارًا مِن وُجوه أحدها المُراد ذنب المُؤمنين؛ ثانيها المُراد ترك الأفضل؛ ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد> اهـ؛ وقال في [عصمة الأنبياء]: <جوابه: أنَّا نحمِله على ما قبل النُّبوَّة أو على الصَّغائر. ولمن أباهما تأويلاتٌ> اهـ، فبيَّن صنيع الرَّازيِّ أنَّ القَولين صحيحان عند عُلماء أهل السُّنَّة فلا يُبدَّع القائل بأيٍّ منهما.
9- هل تأوَّل الشَّافعيُّ الذَّنب بترك الأَوْلى؟
وليس صحيحًا أن الشَّافعيَّ أوَّل الذَّنب بترك الأَولى كما زعم أحد المُعاصرين هداه الله -ولا أدري مَن أوقعه في هذا التَّهافت- فقد قال الشَّافعيُّ في [الأُمِّ] -صحَّحه عنه البيهقيُّ في أحكام القرآن-: <ثمَّ أنزل على نبيِّه أنْ قد غُفر له ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر يعني واللهُ أعلم ما تقدَّم مِن ذنبه قبلَ الوحي وما تأخَّر أنْ يعصمه فلا يُذنب> اهـ يُشير أنَّ ما غُفِر له قبل الوحي عُصِم منه بعد الوحي؛ ولم يُعصم مِن ترك الأولى عنده بل مِن الذَّنب الحقيقيِّ فلا يبقى إلَّا أنَّه أراد أنَّ ما غُفر له قبل الوحي هو الذَّنب الحقيقيُّ.
10- مَن مِن الأئمَّة المُجتهدين قال بتقرير وقوع الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؟
قال بذلك جُملة مِن الأئمَّة المُجتهدين كالشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والطبري وغيرهم؛ فالأوَّل في كتابه [الأُمِّ] وصحَّح البيهقيُّ الموصوف بامتلاك أدوات الاجتهاد هذه الرِّواية في [أحكام القُرآن للشَّافعيِّ] بجمعه؛ والثَّاني فيما رواه عنه الأُصوليُّ والفقيه المالكيُّ أبو الحسن الأبياريُّ في [التَّحقيق والبيان في شرح البُرهان في أصول الفقه للجوينيِّ] وغيره؛ والثَّالث كما نقل ابن الجوزيِّ العالِم الحنبليُّ المشهور في [مناقب أحمد]؛ والرَّابع كما في تفسيره المُسمَّى [جامع البيان]؛ بل أكثر المُتقدِّمين قالوا بتقرير الوقوع.
الخاتمة:
فاعلم أنَّ محبَّة النَّبيِّ لا تمرُّ مِن خلال تكفير ما لا يُحصى مِن عُلماء أُمَّته؛ وأنَّ مَن أراد مُوافقة القرآن فيما يجوز على الأنبياء عنده لا يكون بذلك قد افترى على الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أساء الأدب في حقِّه أرواحنا فداه ولا تَكَلَّفَ البحث في ذنوبه ولا علَّق قلبه بإشاعتها؛ وأنَّ مُجرَّد التَّعبير بلفظ معصية أو ذنب بحقِّ نبيٍّ في غير سياق تلاوة أو حديث ليس كُفرًا كما زعم الجَهَلة المُتصولحة؛ وأنَّ هذا لا يُخالف تعظيمه عليه الصَّلاة والسَّلام ولا ينتقصه ولا يطعن في عصمته لا سيَّما في مقام التَّعليم والبيان.
نهاية المقال.
Mar 8, 2019, 4:10 AM
المتفيهق يستعجل المهدي 1
– لا يقرّر فساد القول بنبوة إخوة يوسف
لكن يزوّر إجماعًا على عصمة الأنبياء
من الوقوع في صغيرة لا خسة فيها!
Mar 7, 2019, 3:29 PM
سنرحل يومًا #
سَنَرْحَلُ يَوْمًا بِدُوْنِ رَفِيقْ ~ فُرَادَىْ سَنَمْضِيْ بِذَاكَ الطَّرِيقْ
فَمِنَّا سَعِيْدٌ هَنِيٌّ رَضِيٌّ ~ وَمِنَّا عَلَى مَا دَهَاهُ شَفِيقْ
..
سَنَرْحَلُ يَوْمًا بِدُوْنِ وَدَاعْ ~ وَيَفْتَرِقُ الْحَيُّ بَعْدَ اجْتِمَاعْ
وَلَيْسَ بِبَاقٍ قَوِيٌّ شُجَاعْ ~ فَكَيْفَ سَيَبْقَى الضَّعِيْفُ الرَّقِيقْ
..
تَفُوْتُ عَلَى الْكُلِّ هَذِي الْحَيَاةْ ~ وَكُلٌّ أَخِيْ يَتَمَنَّى النَّجَاةْ
فَبَعْضٌ تُقَيِّدُهُ الْحَسَرَاتْ ~ وَبَعْضٌ مِنَ الْقَيْدِ حُرٌّ طَلِيقْ
..
سَنَرْحَلُ مَهْمَا يَزِيْدُ النَّحِيبْ ~ وَيَبْكِي الْحَبِيْبُ فِرَاقَ الْحَبِيبْ
بِبَحْرٍ خِضَمٍّ رَحِيْلٌ قَرِيبْ ~ أَغِثْنِيْ إِلَهِيْ فَإِنِّيْ غَرِيقْ
Mar 7, 2019, 2:47 PM
