الرَّد على مَن استدرك على دين الله
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
– وبعدُ فقد ظهرت فرقة تقول إنَّه لا دليل لأهل السُّنَّة والجماعة على تكفير مَن نطق بلفظ الكُفر عامدًا وهو يعرف معنى كلامه؛ فهؤلاء والعياذ بالله فتحوا ثغرة كبيرة بادِّعائهم الغبيِّ هذا؛ لأنَّ الشَّرع دلَّ أنَّ الإنسان يُحاسب على نُطقه؛ قال تعالى: {ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلَّا لَدَيْهِ رَقِيْبٌ عَتِيْدٌ} وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “أكثرُ خطايا ابنِ آدَمَ مِنْ لِسانِه” اهـ.
– فإنْ نطق الإنسان بالشَّرِّ جوزي به طالما هو يعرف معنى كلامه فالشَّرع لم يشترط أنْ يعتقد المُتكلِّم معنى كلامه ولا أنْ يدَّعي أنَّه يقصده؛ ولذلك قال نبيُّنا: “مَنْ ضَمِنَ لِيْ مَا بينَ لَحْيَيْهِ ومَا بَيْنَ فَخذَيْهِ ضَمِنْتُ لهُ الجنَّةَ” اهـ ولذلك كفَّر العُلماء مَن نطق بلفظ الكُفر في حال الاختيار مِن غير إكراه وعمدًا مِن غير سبق لسان مع كونه عاقلًا غير مجنون.
– وقال العُلماء بذلك لآيات وأحاديث صرَّحت بذلك منها قوله تعالى: {ولَئنْ سَأَلْتَهُم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنَّا نَخُوْضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تسْتَهْزِءُونَ لا تَعْتَذِرُوا قدْ كَفَرْتُم بعدَ إِيْمَانِكُمْ} وقال تعالى: {يَحْلِفُونَ باللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كلمةَ الكُفرِ وكفَرُوا بعدَ إسْلامِهِم} وليس في أيٍّ مِنْ ذلك أنَّهم (قالوا واعتقدوا وقصدوا) فكيف تجرَّأ المُخالفون على الاستدراك على الله تعالى!
– قال الكيفونيُّ: “فجعلَ اللهُ تباركَ وتعالى الحُكمَ بالكفرِ في هذهِ الأمورِ الَّتِي ذكرَها في كتابهِ العزيزِ واستحقاقَ العذابِ المؤبَّدِ في النارِ مربوطًا بالنطقِ طَوعًا من غيرِ شرطٍ آخَرَ فَمَنِ ادَّعَىْ أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ طَائِعًا لَا يَكْفُرُ إلَّا أنْ يقصدَ الخُرُوْجَ منَ الإسلامِ بذلكَ واعتقادَ غيرِ الإسلامِ فكأنَّهُ قالَ ما جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى وبلَّغَهُ عنهُ رسولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيرُ كافٍ ويُحتاجُ إلى زيادةٍ أزيدُها ليستقيمَ فيكونُ بذلكَ قَدِ اسْتَدْرَكَ على رَبِّ العِزَّةِ وشَرَطَ مَا لَمْ يَشْرِطْهُ كِتَابُ اللهِ تَعَالَىْ وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِيْ كِتَابِ اللهِ فهوَ باطلٌ وإنْ كانَ مائةَ شرطٍ” اهـ.
– وقد قال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم قال الله تعالى: <شَتَمَني عبدي ولم يكن لهُ ذلكَ ثُمَّ قالَ وأما شَتْمُهُ إيايَ فقولهُ إنَّ لي ولدًا> اهـ فبيَّن أنَّ مُجرَّد نسبة النَّقص إلى الله كُفرٌ لأنَّه شتمٌ له سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظَّالمون ولم يأتِ في الحديث القدسيِّ اشتراط أنْ يكون قصد ما قال؛ ولذلك أجمعت الأُمَّة على أنَّ الكُفر يحصل بالقول كما يحصل بالفعل والاعتقاد.
– وفي الحديث مصداق أنَّ الشَّرع لم يشترط لمَن يعرف المعنى أنْ يقصده: (إنَّ الرَّجلَ لَيَتَكلَّمُ بالكلمةِ لا يَرى بها بأسًا يهوِي بِها سبعينَ خريفًا في النَّارِ) رواه الترمذي وروى الشَّيخان في معناه؛ ولهذا قال الإمام المُجتهد مُحمَّدُ بن جرير الطَّبريُّ وهو مِن السَّلف الصَّالح في كتابه [تهذيب الآثار]: (إنَّ مِن المُسلمين مَن يخرج مِن الإسلام مِن غير أنْ يقصد الخروج منه) اهـ.
– وعلى هذا سائر عُلماء الإسلام؛ قال حبيب بن ربيع أحد كبار المالكيَّة: (ادِّعاء التَّأويل في لفظ صراح لا يُقبل) اهـ نقله عنه عياض في الشِّفا؛ وقال إمام الحرمَيْن عبد الملك الجوينيُّ: (اتَّفق الأصوليُّون على أنَّ مَن نطق بكلمة الرِّدَّة وزعم أنَّه أضمر تورية كُفِّر ظاهرًا وباطنًا) اهـ يعني إنْ كانت توريته بعيدة؛ وهل أبعد مِنْ أنْ لا يقصد المُتكلِّم معنًى يعرفه ويتلفَّظ به!
– وهكذا يظهر لكلِّ مُنصف أنَّ الشَّرع لم يستثنِ مَن تلفَّظ بالكُفر ثمَّ زعم أنَّه قصد معنًى آخر هو ولَّده مِن نفسه؛ ولا استثنى الشَّرع مَن تلفَّظ بالكُفر دون اعتقاده؛ وإنَّما استثنى الشَّرع المُكره ومَن سبق لسانه أو تكلَّم بالكلمة ولا يفهم معناها، فمَن ادَّعى أنَّه يُستثني غير مَن استثناه الشَّرع فقد استدرك على الله تعالى وادَّعى أنَّ قواعد الدِّين لم تكمل؛ والعياذ بالله مِن الكًفر.
– وعليه فلو قال بعض السُّفهاء لبعض مَن يخاطبه (أخت ربِّك) فهذا يُكفَّر ولو لم يقصد المعنَى لأنَّه يعرفه ويقوله وهو في حالة اختيار، فمَن استثناه مِن الوقوع في الكُفر لادِّعائه أنَّه لم يقصد المعنى كأنَّه قال إنَّ الدِّين لم تكمل قواعده في حياة الرَّسول عليه السَّلام ومَن ادَّعى ذلك صار مُحادًّا لله ولرسوله وكفاه ذلك خزيًا. واللهُ مِن وراء القصد وهو يهدي السَّبيل.
Oct 21, 2018, 10:36 AM
حول ما يثيره أصحاب الفتنة ضد الإدارة الدينية لمُسلمي أوكرانيا
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد عاد أصحاب الفتنة إلى الطَّعن بالإدارة الدينيَّة لمُسلمي أوكرانيا مِن بوَّابة بيان فتنة نشرته [الجزيرة] منذ نحو عشر سنوات؛ ولكن فاتهم أنَّ البيان المشبوه انكشف كذبُه اليومَ بعد مُرور كُلِّ تلك السَّنوات؛ فما يُسمَّى بالمجلس الاستشاريِّ لم يعُد له وُجود اليوم؛ ورئيسه المدعو “أمير أبلاييف” بصفته مُفتي القرم هُو على لوائح المطلوبين للدَّولة الأُوكرانيَّة اليوم.
كما أنَّ الكذب في البيان المذكور واضح وجليٌّ فهو يدَّعي أنَّ مجلسهم الاستشاريَّ هو المُمثِّل الرَّسميُّ للمُسلمين في البلاد بل ويزيد كذبًا فيقول إنَّه <المُمثِّل الرَّسميُّ للمُسلمين محليًّا وعالميًّا> وأحسبه لا يدري ما يقول وإلَّا فكيف يكون ذلك المجلس “المُنحلُّ” الذي لم يسمع به المُسلمون مِن قبل هُو مَن يُمثِّلهُم عالميًّا! يشهد عليهم بالكذب مُسلمو أُوكرانيا وغيرُهُم.
كما يزعُم بيان الافتراء أنَّ الإدارة الدينيَّة لمُسلمي أوكرانيا اتَّفقت مع اليهود على عقد مؤتمر <للحوار بين الدِّيانات الإسلاميَّة واليهوديَّة والمسيحيَّة خلال العام الجاري> ثمَّ مضى العام وبعده أعوام بل ومضت عشرة أعوام ولم يحصل ما يصادق على ادِّعائه الكاذب بل ما حصل يشهد على كذبه وقبيح افترائه وهكذا شأن المُفتري الحاقد؛ ولكنَّ الله يدافع عن الحقِّ ويُظهره.
ويشهد كلُّ مُنصف مُتابع لأخبار المُسلمين في تلك البلاد أنَّ <الإدارة الدينيَّة لمُسلمي أوكرانيا> تعمل في خدمة المُسلمين منذ تأسيسها وحولها تجتمع كلُّ الجمعيَّات الإسلاميَّة في المحافظات؛ وهي قد احتضنت مؤخَّرًا أعمال الجمعيَّة العموميَّة بحضور ما يزيد عن مائة مندوب، ويعلم البعيد والقريب أنَّ <الإدارة الدينيَّة لمُسلمي أوكرانيا> تمثِّل مُسلمي البلاد منذ الاستقلال.
وللعِلم فإنَّ المُفتي الشَّيخ أحمد تميم على رأس الهيئتَيْن الإداريَّة والشَّرعيَّة في الإدارة الدينيَّة؛ وهو رجل ثقة مشهود له بالسِّيرة الحميدة والكفاءة العِلميَّة عَمِلَ في الدَّعوة مع الفقر الشَّديد لسنوات بينما كان دُعاة الفتنة يتموَّلون مِن جهات خارجيَّة تريد الزجَّ بالمُسلمين في مشاريع فتنة وإرهاب وتطرُّف مذموم. وأنا كتبت المقال لله؛ واللهُ مِن وراء القصد وهو يهدي السَّبيل.
Oct 21, 2018, 8:53 AM
