المقال المُنجي في الرَّدِّ على الجاهل الطَّنجي
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
– وبعدُ فكلُّ الدَّلائل تثبت أنَّ الشَّيخ عبدالله الحبشيَّ الهرريَّ رحمه الله ورضيَ عنه كان صدرَ العُلماء العامِلين؛ كيف لا وهو الَّذي نشر عِلم الدِّين الضَّروريَّ في البلاد القريبة إلى آخر أصقاع المَعمورة.. كيف لا وهو الَّذي قام وحدَه بمواجهة كتائب الحشوية المُشبِّهة بنفوذهم بحكوماتهم بميزانياتهم الكُبرى؛ وحدَه بكلِّ شجاعة واستبسال وقف لهم في زمنٍ قعد فيه الكثير مِنَ العُلماء أو أشباه العُلماء عن الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر.. كيف لا وهو الَّذي لم تغرَّه الدُّنيا ولم ينشغل بالتآليف الكبيرة عمَّا هو أَوْلى وأعلى وأفضل مِن صيانة عقائد المُسلمين مِن فِتن التَّشبيه والتَّجسيم الَّتي فتكت بقلوب الكثير مِن أبناء جلدتنا في سائر بلاد المُسلمين في غفلةٍ مِن المُؤسسات الكبرى وتقاعس أصحاب العمائم في الشَّرق والغرب!
– أين كان أصحاب المناصب في دُور الفتوى ومشايخ المعارف الكُبرى أصحاب التَّصانيف “المَوسوعيَّة” وسائر الأدعياء الَّذين تتردَّد أسماؤهم اليومَ كالأعلام عندما انبرى الإمام الهرريُّ وحدَه لمواجهة أمواج أهل الأهواء العاتية في حين كان أكثر العُلماء يداهنون الوهَّابيَّة ويتطفَّلون على موائدهم ويتملَّقون على أبواب سفاراتهم ساكتين عن إحقاق الحقِّ وإنكار المُنكر مُتلفِّتين قد علَّقوا قلوبهم بالكراسي يتقدَّمهم صاحب البطن القياسيِّ في حين يعرف الكلُّ ماذا كان طعام إمامنا الهرريِّ وماذا كان فراشه ومجلسه ولكنَّه بالتَّوكُّل على الله بارك اللهُ له في جهده وتعبه في قوله وفعله ففتح الدُّروب والقلوب وامتدَّت دعوته في البلاد والأمصار شرقًا وغربًا فكان بحقٍّ مُجدِّدَ الدِّين في زمانه وسلطان العُلماء العامِلين في أوانه برغم أنوف الكارهين.
– ولا يطعن بالشَّيخ عبدِالله رحمه الله ورضيَ عنه إلَّا واحد مِن إحدى جماعتَيْن: فإمَّا زنادقة أغلق اللهُ قلوبهم عن الإيمان فلا سبيل لهم إلى الهداية وإمَّا -كما وصف السُّبكيُّ الكبير مَن طعن بالغزاليِّ- عباد سليمة نيَّاتهم ولكنَّهم قاصِرون عن إدراك مرتبة الشَّيخ قد ركنوا إلى الهُوينا فرأَوا فارسًا عظيمًا مِن المُسلمين قد رأى عدوًّا عظيمًا لأهل الإسلام فحمَل عليهم وانغمس في صفوفهم وما زال في غَمرتهم حتى فلَّ شوكتهم وكسرَهم وفرَّق جموعهم شَذَرَ بَذَرَ وفلق هام كثير منهم فأصابه يسير مِن دمائهم وعاد سالمًا فرأَوه وهو يغسل الدَّم عنه ثمَّ دخل معهم في صلاتهم وعبادتهم فتوهَّموا أيضا أثر الدَّم عليه فأنكروا عليه.. هذا حال الإمام الهرريِّ وحال مَن طعنوا به؛ وكلٌّ مسؤول يومَ القيامة وعند الله لا يضيع مِثقال حبَّة مِن خردل.
– ويُقِرُّ اليومَ الطَّاعنُ بالشَّيخ رحمه الله ورضيَ عنه بأنَّه لولا الشَّيخ ما تعلَّم التَّنزيه بينما يسكت عن أمور أُخرى لا يُصرِّح بها ما كان ليبلُغَها لولا فضل الله عليه بأنْ مَنَّ عليه بالاجتماع بالشَّيخ والأخذ عنه والتَّزوُّد منه؛ ثمَّ يتساءل الغبيُّ لماذا لم يشتغل الشَّيخ بالتَّصانيف الكبيرة؟ ولو أفنى الشَّيخ عمُرَه بتصنيفها لَمَا تمكَّن مِن تبليغ أصول الدِّين إلى هذا الطَّاعن وأمثاله مِن جهلة العوامِّ. ويتساءل الغبيُّ عن حقيقة علوم الشَّيخ وقد علمنا أنَّ الجهلة هم الَّذين يُنكرون أفضال العُلماء ودرجاتهم. وكيف لجاهل لا يُتقن بابًا مِن أبواب العِلم ولا يحسن فَهم مسألة مُشكِلة أنْ يحكم على إمام يشهد له في اللُّغة أهلها وفي النَّحو دارسوه وفي الصَّرف خبراؤه وفي الفقه جماعته وفي الحديث حافظوه وفي الأصول ذوو الباع فيه وفي التَّصوف أولياؤه..
– وأمَّا كلام الطَّاعن عن الوسوسة فقد فضح نفسه بأنَّه كان مِن أصحاب الوسوسة الَّتي لطالما حذَّر منها الشَّيخ الإمام رحمه الله ورضيَ عنه إذ كثيرًا ما كان يعلِّمنا: <الوَسوَسةُ هي إمَّا خَبَلٌ في العقلِ وإمَّا جهلٌ في الدِّينِ> انتهى وكان يوصينا بالابتعاد عن المُوسوِسين وأنَّ البعد منهم أحسن فإنَّ كُلًّا مِن المُغَفَّل والجاهل ربَّما أراد أنْ ينفع فضرَّ؛ فهل لو وُجِد بين مُريدِي الشَّيخ وهم بمئات الآلاف قليلُ تحصيلٍ أو فهمٍ للمسائل على وجهها صار هذا عيبًا لازمًا للشَّيخ! فماذا يقول الطَّاعن إذا سمع بحديث أبي داود وغيره في خبر ذي الشَّجَّة الَّذي احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التَّيمُّم؟ فقالوا ما نجد لك رخصة فاغتسل فمات فلمَّا قدموا على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُخبر بذلك فقال: <قتلوه قتلهم الله..> الحديث..
– وأمَّا عن التَّكفير الَّذي أنكره الطَّاعن الغبيُّ فمَن الَّذي أخبره أنَّ باب الكفر انغلق حتَّى هجم على إنكار التَّكفير فبلغ مِن جهله أنَّه أنكر الإجماع على تكفير مَن قال عن الله “إنَّه جسم لا كالأجسام” والعياذ بالله مِن هذه العبارة الصَّريحة في الكُفر! فكأنَّ هذا الجاهل والمُتنطِّع قد بلغ مِن العِلم ما لم يبلغْه الإمام المُجتهد أحمد بن حنبل وغيره مِن مُجتهدي هذه الأُمَّة فتجرَّأ الوقح على مُخالفة ما حكاه العُلماء ونقلوه عن المُجتهدين وكان يكفي في الرَّدِّ عليه قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} ليفهم أنَّ القرآن الكريم وهو أوَّل مصادر التَّشريع أسَّس لتكفير مَن شبَّه الله بخلقه؛ وما دفاع الطَّاعن عن المُشبِّهة المُجسِّمة إلَّا إشارة على فساد ما ينطوي عليه في سرِّه وسريرته بعد أنْ خبَّأ اسمه ووجهه فلا يُعرِّف النَّاسُ شهادته إلَّا بشهادة الجاهل المجهول!
– وكذلك حال الجاهل في كلِّ مسألة احتاج فهمُها إلى انتباهِ قلبٍ كما إلى توفيق مِن الله عزَّ وجلَّ؛ بدءًا مِن مسألة تشهُّد الاحتياط لمَن خرج عن اليقين في كونه مؤمنًا واحتمل عنده احتمالًا حقيقيًّا أنَّه كفر بالله إلى مسألة مَن قال في الشَّهادتَيْن بنيَّة الدُّخول في الإسلام “وأشهد أنَّ مهمَّدًا (بالهاء) رسول الله” وكان قادرًا على النُّطق الصَّحيح مُتوصِّلًا لمن يعلِّمه، فلم يفهم الجاهل الحكمَ جريًا على القواعد المقرَّرة في الشَّريعة ويكفي ردًّا عليه قول النَّوويِّ في شرح مُسلم: <واتَّفق أهل السُّنَّة مِن المُحدِّثين والفقهاء والمُتكلِّمين على أنَّ المُؤمن الَّذي يُحكم بأنَّه مِن أهل القِبلة ولا يُخلَّد في النَّار لا يكون إلَّا مَن اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا مِن الشُّكوك ونطق بالشَّهادتَيْن فإنِ اقتصر على إحداهما لم يكن مِن أهل القِبلة أصلًا> انتهى.
– وقبل كلِّ ذلك فقد ضجَّ الجاهل بمسألة إخوة يوسف مُدَّعيًا إجماع المُفسِّرين أنَّهم ما كفروا وأنَّ كتب التَّفسير خاليةٌ مِن ذِكْر ما يُفيد معرفة ذلك وليت شعري هل بلغ الجاهلَ الضِّلِّيلَ نبأُ عشرات الرِّوايات الأُخرى الَّتي اشتملت عليها كتب التَّفسير عن ابن عباس ومُجاهد وقتادة وعطاء وابن جبير والحسن وكثير غيرهم وفي بعضها ما يدلُّ أنَّ إخوة يوسف اتَّهموا أباهم النَّبيَّ بالجهل والكذب والخَرَف والضَّلال وذهاب العقل وأنَّهم قبَّحوه والعياذ بالله؛ وهل علِم الجاهل أنَّ الإمام الطَّبريَّ كان يرى أنَّ ظاهر ما نزل به القرآن الكريم يحتمل العبارات الَّتي جاءت بها الرِّوايات المُختلفة الَّتي ذكرها بأسانيدها فقال: <محتمِل جميعَها ظاهرُ التَّنـزيل> انتهى فماذا بقي لك أيُّها الجاهل إلَّا معاداة أولياء الله والاعتراض على العُلماء العامِلين!
– ولم يبقَ في ختام هذه الحروف إلَّا أنْ أُخبر الجاهل أنَّ الأخذ عن الثِّقات ليس غلوًّا فيهم بل التزامًا بنهج علَّمنا إيَّاه رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: <إنَّما العِلم بالتَّعلم>؛ بل الغلوُّ هو تقديسك لحبر على ورق لا أنتَ عرَفت مَن خطَّه يقينًا ولا أنتَ سمعتَه مِن صاحبه ولا نقلَه لك الثِّقةُ العدل الضَّابط فكُفَّ عن تسمية الأشياء بأسماء أضدادها فإنَّما أزلَّك ترك طلب الدَّليل والتَّعنُّت والتَّكبُّر والعِناد وقلَّة الفهم في المسائل لِمَا تلبَّسْتَه مِن المعاصي والآثام والذُّنوب في عُمْر أفنيتَه بالصُّدودِ كالدُّود على عود، وأيُّ خيانة تلك الَّتي تقترف في مُعاداتك لمن تُقرُّ بأنَّك لولاه لَمَا تعلَّمتَ التَّوحيد توحيد الباري سبحانه وتعالى! وقد نصحناك حامدينَ اللهَ أنْ وفَّقنا إلى ذلك فهنيئًا للرَّاكبين في سفينة النَّجاة واللهُ المُستعان هو نِعمَ المولى ونِعم الوكيل.
Oct 11, 2018, 4:33 PM
مُحمَّدٌ.. نورُ الدَّهرِ وأكثَرْ #
هُوَ حِبُّ اللهِ الْأَكْبَرْ ~ مِصْبَاحُ الدِّيْنِ الْأَطْهَرْ
وَرَسُوْلُ اللهِ حَبِيْبِي ~ هُوَ نُوْرُ الدَّهْرِ وَأَكْثَرْ
..
أَضْوَىْ مِنْ طَلْعَةِ شَمْسِ
أَزْكَىْ مِنْ أَزْكَىْ نَفْسِ
وَالْوَجْهُ غَدَا فِي الْأُنْسِ ~ أَحْلَىْ مِنْ بَدْرٍ أَزْهَرْ
..
أَحْبَبْنَا الْهَادِيْ جَمَّا
وَالنُّوْرُ بِهِ قَدْ تَمَّ
وَالْجِذْعُ بَكَاهُ لَمَّا ~ قَدْ فَارَقَهُ لِلْمِنْبَرْ
..
حُبُّ الْهَادِيْ يُغْنِيْنَا
وَهُدَاهُ بَلَىْ يَحْمِيْنَا
فَبِهِ صِرْنَا نَاجِيْنَا ~ وَالْكَوْنُ بِهِ يَتَنَوَّرْ
..
سَعَتِ الْأَرْوَاحُ إِلَيْهِ
إِذْ كُلُّ الْأُنْسِ لَدَيْهِ
صَلَّى الرَّحْمَنُ عَلَيْهِ ~ مَا صَبٌّ فِيْهِ تَفَكَّرْ
Oct 10, 2018, 3:41 PM
