المُفسِّر الرَّازيُّ في مسألة العصمة
الحمدلله وصلَّى الله على رسول الله.
وبعد فإنَّ المُفسِّر الرَّازيَّ كان مِن العُلماء الَّذين بيَّنوا أقوال علماء الإسلام في مسألة العصمة.
فقال في تفسير قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} في [عصمة الأنبياء] ما نصُّه: <جوابُه أنَّا نحمِله على ما قبلَ النُّبوَّة أو على الصَّغائر. ولِمَن أباهما تأويلاتٌ> انتهى وقوله <أنَّا نحمله على..> كلام له بلسان أهل السُّنَّة والجماعة فبطل كلام مَن زعم أنَّ القول بوقوع الصَّغيرة ليس من أقوال عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة.
وكذلك قال في تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} في [عصمة الأنبياء] ما نصُّه: <جوابه: أنَّه محمول إمَّا على الصَّغيرة أو ترك الأَوْلى أو التَّواضع> انتهى.
وكنتُ استشهدت بكلام الرَّازيِّ هذا من كتابه [عصمة الأنبياء] لبيان اختلاف العُلماء في تفسير الآية لأنَّه صريح لا لبس فيه كما يشهد كلُّ مُنصف؛ فاعترض البعض بدعوى أنَّ كلام الرَّازيِّ في [مفاتيح الغيب] ينقُض ما قاله في [عصمة الأنبياء] وهذه دعوى عجيبة مِن بابَيْن اثنَيْن:
الباب الأوَّل: أنَّ المُعترِضَ لم يبيِّن لماذا [مفاتيح الغيب] ينقُض [عصمة الأنبياء] مع كون الكتابَيْن للمُصنِّف نفسِه! فما الَّذي رجَّح أحدهما على الآخَر! وحتَّى على احتمال ترجيح أحدهما فماذا منع ثانيهما أنْ يكون وجهًا مُحتملًا؟ لا سيَّما إنْ علمنا أنَّ الرَّازيَّ صنَّف كتابه [عصمة الأنبياء] <في النَّضْح عن رُسُل الله وأنبيائه والذَّبِّ عن خُلاصة خلقه وأتقيائه> كما قال بحروفه في مقدِّمة الكتاب؛ وليس لاستعراض كلِّ وجهٍ ولو كان باطلًا كما توهَّم مُعترِض آخَرُ فاتَه أنْ يقرأ مقدِّمة الكتاب قبل أنْ يبوح بحماقته.
الباب الثَّاني: وهو أعجبُ؛ فبعد أنْ نسخ المُعترِضُ مِن [تفسير الرَّازيِّ] لقوله تعالى {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ما لا يتطرَّق فيه المُصنِّف إلى ذكر المعصية؛ نجدُ أنَّ الرَّازيَّ في الكتاب عينِه عند تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} يعود إلى النَّصِّ على المعصية الصَّغيرة كأحد الوجوه المُحتَمَلة فيقول: <المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَنْبٌ، فَمَاذَا يُغْفَرُ لَهُ؟ قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: الْمُرَادُ ذَنْبُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثَانِيهَا: الْمُرَادُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ.
ثَالِثُهَا: الصَّغَائِرُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّهْوِ وَالْعَمْدِ، وَهُوَ يَصُونُهُمْ عَنِ الْعُجْبِ.
رَابِعُهَا: الْمُرَادُ الْعِصْمَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي سُورَةِ الْقِتَالِ> انتهى كلام الرَّازيِّ.
وهكذا ينقطع المُخالف في ادعائه أنَّ الرَّازيَّ لم يرَ القول بوقوع الصَّغيرة وجهًا عند أهل السُّنَّة والجماعة؛ فيا أيُّها المخالفون هلَّا أقفلنا ملفَّ الرَّازيِّ وقد اعترفتم أنَّه ضدُّكم لا معكم كما توهَّمتم؟ وأنَّه مع ذلك لا يُكَفَّرُ ولا يُبدَّع ولا يُضلَّل ولا يَخرج عن كونه سُنِّيًّا بهذا الكلام؟
Aug 9, 2018, 3:34 AM
إعدام شبهات المفترين
في مسألة عصمة المرسلين
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
الغاية من هذا المقال
-أ-
– وبعدُ فليست الغاية من هذا المقال إبطالَ قول مَن قال إنَّ النَّبيَّ لم يَعْصِ اللهَ قطُّ كما يُشيع المُغرِضون ليُمَوِّهُوا بذلك على النَّاس؛ وإنَّما المُراد إثباتُ أنَّ علماء أهل السُّنَّة والجماعة اختلفوا في هذا الأمر على قولَيْن اثنَيْن، فبعضهم نفى، وبعضُهم أثبتَ اعتمادًا على ظاهر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}؛ وفي قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}؛ فكتبتُ القليل والكثير لأدفع عن علماء الأُمَّة التَّضليل والتَّكفير كما يتبيَّن لكُلِّ ذكيٍّ فَطِنٍ قرأ فعَلِم ولم يُحرِّفِ الكَلِم.
-ب-
– وقد تعصَّب للقول الأوَّل جماعة من الجهلة الأغرار فأنكروا القول بنسبة ذنب حقيقيٍّ أشدَّ إنكار ثم غلَوْا غُلُوًّا وعتَوْا عُتُوًّا فطعنوا بمَن قال بذلك مِن عُلماء السَّلف والخلف وضلَّلُوه وقدحوا بدينِه وكفَّروه؛ وخاطبوا العامَّة بأنَّ هذا كفر ومُروق من الإسلام غافلينَ أو متغافلين أنَّ بينَ مَن قال بذلك أئمةً في التَّفسير والفقه والحديث والكلام؛ ثم بذلوا في ذلك جُهدَهم وصار تكفير العلماء طريقًا لمحبَّة النَّبيِّ عندَهم؛ وقد فتحنا لهم دروب النَّصيحة والاعتدال فلم يعبُروا وحذَّرناهم مِن مغبَّة تكفير علماء الأُمَّة فلم يحذَروا.
عجيبة
-ج-
– ومِن عجيب ما اتَّفق في هؤلاء الجهلة أنَّهم يقولون “إنَّ نسبة الذَّنب لآدم ليست إساءة له أمَّا نسبة الذَّنب لمُحمَّد فهي إساءة له”؛ ففرَّقوا واللهُ يقول: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وادَّعَوْا خاصِّيَّةً لا يحكم لها غير عليل إذ لا يُحمَل على الاختصاص ما لم يَدُلَّ عليه دليل، والأصل أنْ لا نقول إنَّه يجب لنبيٍّ ما لا يجب لنبيٍّ غيرِه مِن العصمة؛ والعاميُّ؛ أخي القارئ؛ ليس له أن يفسِّر القرآن على هواه ولا أن يحكم بما يراه؛ ولا له أنْ يتنطَّعَ فيكفِّرَ الأئمَّة ولا أنْ يَرُدَّ قولَ جمهور عُلماء الأُمَّة؛ هذا لا ينبغي في دين الله.
بيان وسوسة المُفترين في تكفيرهم من خالفهم
-د-
– وأصل بلاء المُفترين؛ أنَّهم لمَّا اعتقدوا أنَّ نسبة (ذنب غفره الله) لنبيِّنا يطعنُ بمنصب نبوَّته عليه الصَّلاة والسَّلام؛ غلبتهم الوساوس الشيطانيَّة فأطلقوا عِنان التَّكفير بحقِّ العلماء الَّذين خالفوهم؛ مع إقرارهم أنَّ ذنب آدم الَّذي غفره الله له لم يطعن بنبوَّة آدم عليه السَّلام. وهذا التَّكفير الَّذي توهَّموه تشهد الدَّلالات ضدَّه لأنَّ علماء المُسلمين لمَّا اختلفوا في وقوع الصَّغائر التي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء لم يُؤَدِّ ذلك بهم إلى تكفير بعضهم البعض لمجرَّد الخلاف في تقرير ذلك؛ فتأكَّد للمُنصف تناقضُ الجهلة المُفترين.
بيان أنَّ الصَّغيرة لا تطعن بالعصمة
-ه-
– قال الإمام الأشعريُّ في [المُجرَّد]: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> وقال: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اه وهذا منه إشارة إلى جواز الصَّغيرة عليهم؛ وقريبٌ منه كلام التَّفتازانيِّ: <وبمجرَّد كبيرة سهوًا أو صغيرة ولو عمدًا لا يُعدُّ المرء مِنَ الظَّالمين على الإطلاق؛ ولا مِن الَّذين أغواهم الشَّيطان؛ ولا مِن حزب الشَّيطان؛ سيَّما مع الإنابة> اه فكن على دراية يرحمك الله.
رد كلام الجاهل الذي تمسك بإنكار لفظ حقيقي
وجعل اختلاف العلماء قولًا واحدًا!
-و-
– وقد أدَّى التَّنطُّع بالجهلة أنْ جعلوا اختلاف العلماء في تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} وقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قولًا واحدًا! فكذَّبوا المُفسِّرين الَّذين ربطوا بين قول مَن فسَّر الآية بنسبة (ذنب غفره الله) للنَّبيِّ وبين قول مَن جوَّزوا الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها على الأنبياء فلم يبقَ إلَّا أنَّهم أرادوا الذَّنب الحقيقيَّ؛ فمَن نازع في هذا وَهْمُه كبير وعقله صغير. وانظر أخي القارئُ في قول القرطبيِّ: <وَقِيلَ: “لِذَنْبِ نَفْسِكَ” عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> اه فلا تكن مع الجاهلين؛ يرحمُك الله.
بيان أنَّ المعاصي الصَّغيرة والكبيرة هي ذنوب حقيقيَّة
-ز-
– وأجمع العلماء على عصمة الأنبياء من الكفر والكبائر وصغائر الخسة؛ واختلفوا في وقوع صغيرة لا خسة فيها منهم؛ وهو خلافٌ مشهور بينَ العلماء لا يقتضي أن يكفِّر فريقٌ منهم الآخَرَ؛ وهذه المعصية لو لم تكن حقيقيَّةً لَمَا اختلفوا في نسبتها للأنبياء ولذلك لم يقل أحد من العلماء إنَّهم اختلفوا على نسبة ذنب ليس بذنب لكونه غيرَ حقيقيٍّ؛ وإلى هذه الصَّغيرة أحال المُفسِّرون قول مَن نسب ذنبًا غفره الله لنبيِّنا في تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} وهذا دليلٌ فيه (إعدامُ شُبُهات المُفترين) الَّذين تجرَّأوا على تكفير العلماء.
-ح-
– ملاحظة: خصَّصتُ المداخلاتِ العشرةَ الأُوْلى في هذا الرَّابط لإيراد أقوال العلماء في المسألة، بقصد منع تحريف مذاهبهم فيها؛ وإظهار أنَّهم لم يختلفوا في نسبة ذنب غير حقيقيٍّ وإنَّما اختلفوا في نسبة ذنب حقيقيٍّ غفره الله لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وذلك قطعًا لأدنى شكٍّ قد يعتري الباحث في اختلاف العلماء نتيجة تمويهات الجهلة المُفترينَ المُتجرِّئينَ على علماء السَّلف والخلف بالتَّضليل والتَّكفير؛ وسأقصد في كلِّ يوم إلى إحدى هذه المُداخلات لأخُطَّ فيها ما تيسَّر بإذن الله فتابعوا الجديد فيها كلَّ يوم.
1. المداخلة الأولى: الرازي
2. المداخلة الثانية:
3. المداخلة الثالثة:
4. المداخلة الرابعة:
5. المداخلة الخامسة:
6. المداخلة السادسة:
7. المداخلة السابعة:
8. المداحلة الثامنة:
9. المداخلة التاسعة:
10. المداخلة العاشرة:
بيان اضطراب الجهلة في سؤالهم عن ذنب غفره الله لنبينا: أيش كان؟
-ط-
– ويظهر اضطراب الجهلة في سؤالهم: ما هو الذَّنْب الَّذي وقع به النَّبيُّ؟ متى كان؟ قبلَ البِعثة أم بعدَها؟ أيشٍ كان؟ مَن شهده؟ يسألون هذا لِمَن خالفَهم مِن عَوامِّ المُسلمين دونَ أنْ يخافوا أنْ يكون سؤالُهم أداةً للشَّيطان في دعوة العوامِّ إلى البحث في زلَّات الأنبياء وذنوبهم لحفظِها وذكرها وإشاعتها وهو ما حذَّرنا منه ونهينا عنه اقتداء بمشايخنا من العلماء العامِلين؛ وقد وفَّقَنا اللهُ تعالى فلم يتمكَّنوا مِنِ استدراجِنا إلى المحظور فلا نُمثِّلُ رغم أنَّ كتب التَّفسير لا تخلو مِن هذا التَّمثيل في بابه.
-ي-
– وكنتُ قلتُ: (والقول الذي قدَّمناه هو ظاهر المَرويِّ عن مالك قال.. إلخ)، فردَّ أحدهم قائلًا: “ليس فيه إقرار من مالك على أنَّ نبيَّنا وقع في ذنب حقيقيٍّ أو أنَّك بلغت مِن العِلم ما يجعلك تفهم نصوص مالك” اه فأشفقت من ضعفه لأنِّي لم أُورد قول مالك في سياق تقرير وقوع نبيِّنا في ذنب؛ ولأنَّه لم يفهم قولي (ظاهر المَرويِّ) وقليلُ العلم يفهمُه؛ ولأنَّه توهَّم أنِّي ابتدعتُ الكلامَ! وهو في [حاشية الكيفونيِّ على الدُّرَّة البهيَّة في حلِّ ألفاظ العقيدة الطَّحاويَّة] للأُصوليِّ الشَّيخ سمير بن سامي القاضي حفظه الله.
-ك-
– فإذا كانت ردودهم مثلَ ما ترى من التَّخبُّط واحتاج النَّهار إلى دليل عندهم فقد علمتَ أخي القارئُ أنَّ القوم يتجشَّأون قبل الشِّبَع وأنَّهم يتنطَّعون إلى حيثُ لا يرتقون. ومتى كان ذلك فقد علمتَ أخي القارئُ وجه الصَّواب في هذه المسألة وأنَّ علماء الإسلام فيها على قولَيْن اثنَيْن كما اتَّضح لكلِّ عاقل منصف لا يستبيح الكذب فلا تقبَلْ بقول مَن يكفِّرُ علماءَك العامِلين وأئمَّة المسلمين في دينك من سلف وخلف. نصحنا ولدَيْنا بإذن الله مزيد؛ واللهُ المُستعان على الخير هو وراء القصد وهو نِعم المَولى ونِعم النَّصير.
يتبع –
Aug 8, 2018, 12:31 PM
