دفاعا عن الحق [10]
بيان أن صلاة أحد عن أحد غير جائزة
وأنَّه لا يُدفع عن تلك الصَّلوات مال
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى.
– وبعدُ فقد ثبت في الحديث: <خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد من أتى بهنَّ بتمامهنَّ كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة ومن لم يأتِ بهنَّ لم يكن له عهد إنْ شاء عذَّبه وإنْ شاء أدخله الجنة>، فمن مات مقصِّرًا في أمر الصلاة المفروضة فهو تحت المشيئة لا يُقضى ولا يُفدى عنه بالحنطة والمال لأن نبينا عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح: <فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكرَها لا كَفَّارَةَ لها إلَّا ذلك>.
– نعم؛ لو أراد مسلم الصَّدَقةَ بالحنطة أو غيرها من سائر الأطعمة أو بالمال عن مسلمٍ ماتَ تاركًا للصلاة ليكون الثوابُ له؛ أو صلَّى وأهداه الثواب: فهذا جائز ويصله الثواب، بل: وقد يُعتَق من النار بهذا العمل، لكن لا يصحُّ دفع الحنطة أو المال باسم <إسقاط الصلاة> عن الميت؛ كما لا يصح فعل ذلك وتوزيعه على الفقراء بنية أنها كفَّارة لأن ذلك فعلٌ باطلٌ وهو خلاف الحديث الذي فيه: <لا كفَّارة لها إلا ذلك>.
– قال ابن حبان: <فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَوْ أَدَّاهَا عَنْهُ غَيْرُهُ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ إِذِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، يُرِيدُ إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتٌ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَائِهَا فِي عِلَّتِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى الْفُقَرَاءُ عَنْ تِلْكَ الصَّلَوَاتِ الْحِنْطَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْيَاءِ>.
– أما ما يوجد في كُتُب بعض <المتأخِّرين> مما يُفهم منه إخراج قمح أو نحوه يوزع للفقراء عن الشخص الذي توفِّيَ على معنى الكفَّارة التي تكون عوضًا عن صلاة مفروضة لم يؤدِّها في حال حياته: فهو قول ليس لهم فيه دليل من القرآن أو الحديث أو الإجماع أو القياس بدليل ما قاله ابن عابدين الحنفي في <مِنَّةِ الجليل> ونصه: <الإطعام عن الصَّلاة لا أصل له في كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا قياس وإنما هو أمر احتياطي>.
– وإنَّما استخرجه المخالفون لا على دليل مما ذُكِر؛ ولا على الاستحسان المطلق الذي يكون في مقابل القياس الجَليِّ؛ ولم يقطعوا به فقال الخجندي الحنفي: <لم نحكم بجوازه قطعًا>؛ وقال الفاغاني الحنفي: <ولهذا لا نقول في الفدية عن الصلاة إنها جائزة قطعًا>؛ وقال البزدوي الحنفي: <ثم لم نحكم بجوازه أي بجواز الفداء في الصلاة مثل حكمنا به في الصوم لأنا حكمنا به في الصوم قطعًا ورجونا القبول من الله في الصلاة فضلًا>.
– من هنا نعلم أن قولهم ليس ثابتًا عند الحنفية؛ يقول السرخسي الحنفي في <المبسوط>: <وأما في الصلاة فلم يُطلق الجواب في شيء من الكتب على الفدية مكان الصلاة، ولكن قال: في موضع من الزيادات (يجزيه إن شاء الله تعالى) فبتقييده بالاستثناء بيان أنه لا يثبت الجواب فيه إذ لا مدخل للقياس فيه> انتهى كلامه وهو كافٍ في حسم الكلام في المسألة عند الحنفية وأن هذا الوجه غير معتبر وغير ثابت ولا قياس فيه.
– ومن هنا يُعلم أنَّ متأخِّري الحنفية لم يكن لهم مستند في حديث <ولكن يُطعم عنه> فإنَّما ورد في الصوم وهم يقرُّون بذلك كما في كلام ابن عابدين وغيره؛ ومن تأوَّل الحديث من المعاصرين فقد تكلَّف. وما نقلناه عن السرخسي يوضح أنَّ ما اقتبسوه من كلامه لم يكن في محله؛ وإنَّما أوقعهم في ذلك أخذهم الأحكام من الكتب أو نسخهم الفتاوى من الإنترنت دون الرجوع بها إلى أهل التحقيق والتدقيق والتحرير من العلماء العاملين.
– ويعترض المتفيهقون على كلام شيخنا الهرري رضي الله عنه في <صريح البيان>! فهل سيعترضون على المحدث الشيخ عبدالله الغماري في <الحاوي لفتاويه> حيث قال: <وليس في الدين شيء اسمه إسقاط الصلاة وكل ما يوجد من ذلك في بعض الكتب التي قرأناها ورأيناها فإنما هو خرافات لا يصح التعويل عليها> انتهى؛ ولو أنَّ المخالفين توقَّفوا عند كلام هذين الإمامَيْن الجليلَيْن لعلموا أنهما ما نطقا عن هوى نفس ولا عن قصور في الاطلاع على ما اطلع عليه المغرورون المساكين.
فمن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 29, 2018, 2:44 AM
دفاعا عن الحق [9]
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى.
وبعد فقد يتغافل المرء حتى يؤدِّي به الخذلان إلى الغفلة. وقد أخذتِ الغفلة أقوامًا فوصلت بهم إلى الكفر بالله والعياذ بالله؛ وأخذت الغفلة غيرهم فوصلت بهم إلى الفسق والفجور وظلمة القبور؛ وأخذت أقوامًا فقصَّروا عن أداء التقوى فكانوا من المحرومين ثوابًا الخائفين عذابًا؛ وكان أقل ما تأخذ به الغفلة أصحابها إلى التقصير في طلب الترقي في العلم والعمل. من هنا ينبغي على المسلم أن يحذر من الغفلة جهده.
والغافل لا يَشْغَلُه عيبه عن عيوب الناس؛ فإذا وقف بين ثلاثة من إخوانه رأى في كل واحد منهم عيبًا غير العيب الذي في غيره؛ ثم نظر في حاله فلم يرَ إلَّا عيبًا واحدًا؛ فعَجِبَ من نفسه وكَبُرَت لديه وعَظُمَت عنده! كيف لا وهو ذو عيبٍ واحد فقط بينما في إخوانه ثلاثة عيوب! قد ضربت الغفلة على فهمه فرَكِبَ الحَمُوقة وغشِيَه الغُرور؛ ولعل أقلَّ إخوانه عند الله رتبةً أعلى منه بألف درجة.
والغافل أسرع الناس في رفع ستر الله عن نفسه وقد جاء في الأثر (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: “يا فلان عملت البارحة كذا كذا” وقد بات يستره ربُّه ويُصبِحُ يَكشِفُ سِتْرَ اللهِ عنه). وإن كان كذلك في حق نفسه فما بالك وما ظنك بفعله وحُمْقِه وغفلتِه في حق غيره من إخوانه وأخواته وأهله وعشيرته وقومه.
والغافل لو رأى هفوة من أخيه يأخذه بها ولو علمَ أن أخاه لا يثبت عليها مع التنبيه؛ ولكن لا يحب لنفسه أن يأخذه أحد على هفوة وقع بها حتى لو ثبت عليها؛ والغافل يحب أن يأخذ أخاه فيما أخطأ به أخوه في خلوة بينهما؛ ويكره أن يأخذه أخوه فيما جاهر به من الخطإ. وكان أولى به أن يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ليسلمَ وليسلم إخوانه من شره!
اللهم لا تجعلنا ممن ألقوا عن أنفسهم جلباب الحياء ولا ممن أَغْفَلْتَ قلوبهم عن حبك وذكرك ولا ممن بلغت ذنوبهم عنان السماء ثم لم يستغفروك.
والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 24, 2018, 11:40 AM
هذه الصفحة تعنى بالمادة العلمية
Tayser Abu Lebdeh
هذه الصفحة تعنى بالمادة العلمية ولم نخصص فيها مساحة لِمَا تريد الخوض فيه من أمور لم ينزل الله بها من سلطان. فيُرجى التقيُّد بالمادة التي تتناولها المقالات ولا تذهب بك أوهامك القديمة إلى مظنة أنها صفحة تتبع لإدارة جمعية ما أو جماعة ما؛ وإذا رأيتنا ندافع عن جماعة من أهل السنة والجماعة قائمة على الدعوة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فهذا لا يعني بالضرورة أننا نتبع لإدارة تلك الجماعة وإن كنا نعظِّمها ونرفعها فوق خصومها. ولعلك تراجع أرشيف الصفحة لتفهم ما أكتبه لك هنا. فيرجى الالتزام الكامل بما نصت عليه هذه الكلمات ونحن ليس في النية عندنا أن نقوم بحظرك بل نترك لك الباب مفتوحًا تنظر منه إلى ما ينفع المؤمن في دينه بإذن الله تعالى فانظر بعين المنصف واترك خلف ظهرك الأحقاد والضغائن فإنها عليك لا لك يوم القيامة. ولسنا ممن تضيق صدورهم عن النقد الذي يُرجى منه الإصلاح بخلاف ما لو رأينا نقدًا غبيًّا أو نقدًا مبنيًّا على الكذب المُفترى فإننا وقتَها لن نكون بهذا التساهل الذي رأيتَه بعد مشاركاتك الأولى. برِّئ قلبك من الأحقاد وكلِّمنا وسوف ترى ما يسرُّك بإذن الله.
Jan 24, 2018, 10:56 AM
