دفاعا عن الحق [8]
# بيان اضطراب يوسف ميناوي وإبراهيم عكاس
– الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فقد يؤدِّي التسرُّع بالبعض إلى الوقوع فيما لا تُحمد عقباه؛ كيف لا وهو يسلك سبيل الطعن بكبار المشايخ وسيلةً للدعاية إلى نفسه وطريقةً للاستعلاء على أعلام الدعاة من العلماء العاملين، وهو في العلم قليل البضاعة بريءٌ من البراعة؛ ينشغل بالانتصار لنفسه والدين أولى بالانتصار له، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
من هذا الباب يعترض “إبراهيم عكَّاس” على قول العلَّامة الهرري في <صريح البيان>: <فتبين بهذا أن ما يفعله بعض أهالي نواحي “ماردين” من إخراج قمح أو نحوه يوزع للفقراء عن الشخص الذي توفي وعليه صلوات لم يؤدِّها في حال حياته ويقولون: هذا بدل الصلاة التي لم يؤدِّها في حياته، ويفهمون بذلك أن ذلك كفارة فهو باطل وهو خلاف الحديث الذي فيه: “لا كفارة لها إلَّا ذلك”>.
وكلام العلَّامة الهرري في هذه العبارة موافق لِمَا عليه الأئمة، بل ولو سألنا المخالِفَ: “هل يقطع متأخرو فقهاء الحنفية بجواز الفداء في الصلاة؟” بأي كلام تراه يجيب؟ ولعله يستعين بكلام ابن عابدين ونصه: (قال الإمام فخر الدين البزدوي في أصوله في بحث القضاء: ثم لم نحكم بجوازه أي بجواز الفداء في الصلاة مثل حكمنا به في الصوم لأنا حكمنا به في الصوم قطعًا ورجونا القبول من الله تعالى في الصلاة فضلًا).
ونحن في هذا المقال لا نخوض في حكم المسألة عند متأخري الحنفية وتفاصيلها؛ ولكن مرادنا تسليط الضوء على إرادة البعض الخبيثة في الطعن بالعلَّامة المحدِّث الهرري حيث طعنوا بكلامه رغم أنه لم يأتِ في عبارته المذكورة على ذكر الاتفاق أو الإجماع؛ بينما لم يفكِّروا مجرَّد تفكير في رد كلام المحدِّث الشيخ عبدالله الغماري والذي يراه يوسف ميناوي <مجدد القرن الخامس عشر> كما في رسالة له بهذا العنوان!
ومن هنا يُعرف ما يعانيه هذا الرجل من اضطراب في مذهبه؛ فهو يعظِّم الشيخ عبدالله الغماري إلى درجة أن جعله مجددا للقرن ثم يغفل عن قوله في هذه المسألة؛ فيقول بحروفه: “هذه مسألة يعرفها حتى الجُهَّال” فيوقعه -عامدًا أو غافلًا- تحت نير اتهاماته التي أطلقها بحق من أنكر المسألة فيا للعجب العجاب!
قال الشيخ عبدالله الغماري: <إسقاط الصلاة عن الميت لم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف وإنما ورد في حديث مكذوب اغتر به بعض متأخري الحنفية كما نبَّه عليه العلامة المحقق الشيخ عبدالحي اللكنوي الهندي الحنفي وليس في الدين شيء اسمه إسقاط الصلاة وكل ما يوجد من ذلك في بعض الكتب التي قرأناها ورأيناها فإنما هو خرافات لا يصح التعويل عليها> من كتاب <الحاوي في فتاوى الشيخ عبدالله الغماري>.
وهكذا يتبيَّن لكل قارئ أن يوسف ميناوي بتسرُّعه قد جعل المحدِّث الغماري أقلَّ من الجُهَّال في هذه المسألة! ويتبيَّن أن إبراهيم عكَّاس بعيد عن التحقيق العلمي؛ وكل ذلك يفضح غرضهما بالطعن بالعلامة الهرري رضي الله عنه ومنهجه الذي يحمله اليوم مئات الآلاف في مشارق الدنيا ومغاربها؛ فرحم الله امرءًا عرف قدره ولم يتنطَّع إلى القدح بالعلماء العاملين أهل التحقيق والتدقيق.
فمن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟
والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 23, 2018, 5:58 AM
دفاعا عن الحق – [7] – ردًّا على إبراهيم عكاس
– الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فإنَّ مَنْ أحبَّ أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا رضي الله عنهم؛ يقتدي بهم في محبة إخوانهم في الله وفي إيثار بعضهم لبعض ولو كانوا ذوي خصاصة وفي تقديمهم عمل الدعوة على أغراض النفس الدنيوية وأعراضها المرَضية فلا يعطي نفسَه ما توسوس له به من الطعن بجماعة من أهل الحق قائمة منذ عشرات السنين على صيانة عقائد المسلمين وتعليم العلم الديني الواجب للصغير والكبير في مشارق الأرض ومغاربها.
إنَّ مَنْ ينطلق من خطإ ربما وقع به فردٌ واحد من جماعة فيها آلاف المشايخ اليومَ؛ فيتَّخذ من ذلك عِلَاقةً يعلِّق عليها إناءَ حقدِهِ وكراهيته وبُغضه لإخوانه في الله أولئك الذين لا يحبون له إلَّا الخير والذين لطالما كانوا له عونًا وسندًا حتى انقلب عليهم لغرض في نفسه لحريٌّ به أن يرجع وأن يتَّعظ بما آل إليه أمر بعض من سبقوه في هذا الباب وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد كما روى أهل الأثر.
والناظر في أمر إبراهيم عكّاس هذا يرى كيف نصحه الإخوان وكيف كلموه بالتي هي أحسن لكن كأنَّه تفرَّغ للطعن بأهل السنة والجماعة فيعاديهم في كل باب وإن زعم أنه إنما يريد الإحسان فقد طعن بهم في موضوع له في صفحته ثم دخلت واحدة فكتبت عنده (لعنة الله عليهم أجمعين) فلم يُنكر عليها ولم يحذف كلامها المسيء وما ذاك إلَّا لغرَضٍ بَيِّنٍ لا تحتاج معرفته إلى الغوص في قلوب العباد فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وسبق أن بلغني أنه نشر كلامًا لأحد المعاصرين يسمِّي فيه معاوية خال المسلمين وهو يعلم اعتراض الإمام الشافعي على هذا ولكن لأجل معاداة جماعة من المسلمين يترك قول الإمام الشافعي إلى قول رجل معاصر!؛ فعرفت أن هذا الرجل ليس على شيء إلَّا الادِّعاء؛ ثم زعم أن معاوية رجع عن خطئه وتاب منه! ثم ترك ردَّ ما جاء في صفحته من كلام يقول باعتبار أن معاوية اجتهد فأخطأ والعياذ بالله تعالى.
بعد ذلك حاول الاستدلال في حوار بينه وبين بعض أصدقائنا فقال إن معاوية شارك في غزوة تبوك التي فيها توبة الله على الذين كانوا مع النبي! والرد عليه من وجوه فالآية: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}.. الآية؛ أين ذُكِرَ معاوية؟ ولئن كان ممن غُفِرَ لهم فهل غفر الله لمعاوية ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر! إذ لا يخفى أن غزوة تبوك حصلت قبل خروجه على الإمام الراشد سيدنا علي بزمان.
وآخر ما بلغني عنه أنه ينكر وجود قول عند المالكية تصح عليه الصلاة لو لم يقرأ المصلي الفاتحة في كل الركعات؛ والرد عليه من <شرح التلقين> لأبي عبدالله المازري التميمي إمام المالكية في زمانه عند الكلام على الوقت الذي يُقتل فيه مَنْ ترك الفرض: <ولا يعتبر قدر قراءة أم القرآن لأنه قد قيل عندنا إنها ليست بفرض في كل ركعة؛ وقد يعتذر أنه سيقرؤها فيما بعد الركعة الأولى فلا يكون تاركًا لها في كل الصلاة..>.
فانظر أخي القارئ -رحمك الله- إلى قوله <ولا يُعتبَرُ قدرُ قراءة أم القرآن لأنه قد قيل عندنا إنها ليست بفرض في كل ركعة؛ وقد يعتذر أنه سيقرؤها فيما بعد الركعة الأولى فلا يكون تاركًا لها في كل الصلاة..> انتهى؛ فهذا منه اعتبار لصحة صلاة الرجل ولو لم يقرأ الفاتحة في كل الركعات؛ وهذا الردُّ كافٍ وافٍ في بيان أن أمثال هذا الرجل ليسوا علماء ولا هم أحاطوا بالمذاهب الفقهية حتى يسمحوا لأنفسهم بالحكم فيها.
فمن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 21, 2018, 1:09 PM
دفاعا عن الحق [6]
– الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فقد اخترت اليومَ الكلامَ فيمن يقولون ويرجعون عن قولهم ويرون المنكر لا ينكرونه وقد تبين الرُّشْد من الغَيِّ؛ فيتأوَّلون النصوص القرآنية ويردُّون الإجماع؛ كلُّ ذلك لأجل رؤيا منامية لم يثبت حدوثها ولم يثبت اسم الرائي ثم لا يتناهون عن المنكر فكأنهم غفلوا عن قول الله في الذين كفروا من بني إسرائيل: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.
ومن عجيب ما اتفق لهؤلاء أنهم يقرُّون أن الكافر لا تصح منه طاعة ولا يثاب على عمل صالح؛ لكنهم يحتجُّون على قولهم بالتخفيف أو تجويزه برواية -زيادة على كونها رؤيا منامية وغير ثابتة- يقول فيها: (بعتاقتي ثويبة) ففيها إثبات ما يتفقون معنا على بطلانه وليس فيها أنه خاصٌّ لشأن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيا لعجيب أمرهم.
وبالتالي فهم أخذوا ببعضها وردُّوا بعضها الآخر فتناقض قولهم بعضه ببعضه وذلك أنهم لا يوافقون مع ما جاء في الرواية من قول أبي لهب إن السبب هو عتاقته لثويبة؛ ولو أقرُّوا أن هذا هو السبب فقد نقضوا قولهم في أنه لا يصح من الكافر ولا يثاب على عمل صالح عمله في الدنيا؛ وما هذا إلا دليل على التحكُّم والهوى الذي يحكمون به.
وكذلك فإن هذا المدخل مما يقوِّي احتمال وقع الدس في بعض الكتب إذ لا يُتصوَّر أن يأخذ عالِمٌ ببعض رواية ويردُّ بعضها فضلًا عن كونها رواية لم يوافق أهل الحديث على تصحيحها؛ ثم هم بإثبات القول الفاسد على بعض العلماء يجعلونهم كفَّارًا على مقتضى كلام القاضي عياض؛ فما جوابهم على مثل ما هجموا عليه بجهلهم وغفلتهم؟
وليس مع أولئك المتفيهقين نص قرآني ولا حديث صحيح ولا قياس على شيء منهما يأذن لهم بتخصيص أبي لهب من عموم النصوص الصريحة في عدم التخفيف عن الكافر في الآخرة؛ فيرجع ما قالوه ليدخل تحت قاعدة <رد النصوص كفر> والعياذ بالله؛ فانظر -أخي القارئ- كيف يؤول أمر الذين يخوضون فيما لا يعلمون.
وقد بلغني أن أحدهم صار يسأل الناس (كيف توفِّقون بين الأحاديث التي فيها أنَّ من رأى النبيَّ يدخل الجنة وبين قولكم “لا توخذ الأحكام الشرعية من المنامات”؟) فكأنَّه من شدة جهله ما عاد يميِّز بين الأخذ بحكم شرعي قاله رسول الله في حديث صحيح في اليقظة وبين الأخذ من لسان أبي لهب في منام؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله!
فمن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 20, 2018, 12:47 PM
فيديو قصيدة منهج الأنوار
رَدًّا على مَن سوَّلت له نفسه الطَّعن بمنهج شيخ مشايخنا السُّلطان الهرريِّ؛ وزجرًا لمَن تجرَّأ واعتدى واقترف وتجنَّى على منهج مُجدِّد عصره وإمام زمانه؛ نقدِّم لكم فيديو قصيدة <منهج الأنوار>: #
1. مَاتَ شَيْخِيْ لَمْ يَمُتْ مِنْهَاجُهُ ~ فَضْلُهُ فَوْقَ الرَّدَىْ مِعْرَاجُهُ
2. يَا دَعِيَّ الْفَهْمِ ذَلَّ الْمُفْتَرِيْ ~ هُدِّمَتْ مَهْمَا عَلَتْ أَبْرَاجُهُ
3. قَوْلُكَ الْمَرْدُوْدُ رَأْيٌ فَاسِدٌ ~ وَهْوَ بُهْتَانٌ فَلَا نَحْتَاجُهُ
4. فَاحْذَرِ الدُّنْيَا وَمَا يَدْعُوْ لَهُ ~ كُلُّ شَيْطَانٍ بَغَى اسْتِخْرَاجُهُ
5. شَيْخُنَا الشَّيْبِيُّ بَحْرٌ قَدْرُهُ ~ جَاءَ؛ تَسْعَىْ بِالْهُدَىْ أَمْوَاجُهُ
6. وَوَليُّ اللهِ حِزْبٌ غَالِبٌ ~ حَارَبَتْ عَنْهُ الْعِدَىْ أَفْوَاجُهُ
7. مَنْهَجُ الْأَنْوَارِ يَسْمُوْ أَبَدًا ~ شَيْخُنَا وَاللهِ فِيْهِ تَاجُهُ
Jan 19, 2018, 8:21 PM
دفاعا عن الحق – [المقال الخامس] – الجزء الأول
<<<الرد على ضعضاع الفايسبوك>>>
– الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فأكتبُ هذا المقال -استطرادًا- في بيان حال الضَّعضَاعِ الذي نَزَّهَ نفسَه عما لم ينزِّهْ علماءَ الأمة عنه فكأنه فوقهم علمًا وفضلًا وقدرًا! وكان أولى به أن لا يُثبت عليهم ما برَّأَ نفسه من اعتقاده أو مظنته؛ وإلَّا فكيف يثبت على بعضهم ما يُكذِّبُ الشرعَ الشريفَ ويخالفُ ظاهرَ القرآن الكريم: لمجرَّد أنه وجد ذلك منسوبًا إليهم في كتاب لا يعرف من نسخه أو طبعه أو نشره؛ فأهملَ ما أرشدَ إليه الشرعُ في إثبات مثل ذلك.
ثم قد تحقق عندي أن هذا الضَّعضَاع المضطرب لم يعرف تفصيل المسألة التي فتح النقاش فيها؛ ولم يعرف كامل كلام شيخنا الهرري فيها؛ وجل ما حصَّله من ذلك -على اضطراب عنده- أن من خالف صريح القرآن كفر؛ ثم غفل عما سوى ذلك، فلا هو عَلِمَ الأحكام بتفاصيلها؛ ولا هو برَّأَ علماء الأمة الذين زعم أنه إنما أراد الانتصار لهم في مسألة هو فيها على النقيض منهم كما ادَّعى؛ ويا للادعاء ويا للثرثرة ويا للتشدُّق!
أما العالِمُ الذي يريد صيانة عقائد المسلمين من التحريف والزلل والزيغ والدجل فلا يَرْمِ بما يتوهم أنه من مُشكلات المسائل في وجوه العامة من المسلمين والذين ليس عندهم من المعرفة ما يردُّون به ما يستشكل عليهم من المسائل ثم يولِّي هاربًا مُطالبًا غيره بمعالجة بالعمل على حلِّ معضلاتها؛ بل يؤدي المسألة إليهم محقَّقةً مُنقَّحةً لا تشوبها شائبة على محجَّةٍ بيضاء لكل طالب وسالك وقاصد.
ثم وكأن ضَعضَاع الفايسبوك المضطرب قد توهَّم أن مشايخ المسلمين في الأقطار سكتوا عن هذه الرواية بدليل أنه لا يفهم كيف يترك ما وَجدَه من حبر على ورق ليتبع بعد ذلك كلام شيخٍ واحدٍ من كبار مشايخ الإسلام الفقهاء الموصوفين بعلو الرتبة والدرجة؛ ولو كان منصفًا لبحث واستقصى؛ لكنه لا يبلغ أن يكون طالب علم فكيف يؤدي وظيفة العالِم المحقِّق المدقِّق الذي يصدِّقه الضَّعضَاعُ ويكذِّبه في آنٍ!
وبالعودة إلى خبر رؤيا العباس في أبي لهب فليس هو من كلام النبي عليه الصلاة والسلام بل هو <مرسل> أرسله عروة ولم يذكر مَنْ حدَّثه به؛ فلا يصح عن رسول الله ثم إن غاية ما جاء فيه ما نصه: فلما مات أبو لهب أُرِيَهُ بعض أهله بِشَرِّ حِيبَةٍ قال له ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: (لم ألق بعدكم غير أني سُقِيتُ في هذه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ)، وعليه فلا يصح الاحتجاج به. وليس فيه ذكر جهنم ولا يوم الاثنين ولا التخفيف.
كذلك لا يصح ولا يثبت ما ذُكر أن أحد التابعين قال: (بلَغنا أن أبا لهب يُسقى يوم الاثنين في النار بهذا القدر) وأشار بدائرة صغيرة بيده؛ وهذا يعارض قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} فالماء المروي والرزق النافع محرمان على الكفار يوم القيامة؛ وكيف يصح الخبر والله تعالى يقول: {وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِن عَذَابِهَا}.
ولا يخفى على طالب العلم أنه لا ينبغي لعالِم أن يخرج عما انعقد عليه الإجماع؛ قال القاضي عياض: (انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذابًا من بعض) فكيف بعد هذا البيان يثبت الضَّعضَاعُ على بعض العلماء ما يخالف القرآن والإجماع لمجرَّد أنه يجد ذلك في حبر على ورق فِعْلَ من يخبط في كتب التراث خبط عشواء لا فِعْلَ أهل التحقيق.
رابط الجزء الثاني من المقال الخامس في المداخلة الأولى.
Jan 18, 2018, 3:13 PM
دفاعا عن الحق – [المقال الخامس] – الجزء الثاني
<<<الرد على ضعضاع الفايسبوك>>>
– والخبر زيادةً على كونه ضعيفًا فإنه يستند إلى رؤيا منامية؛ وقد ردَّ الشيخ علوي المالكي أن تكون رؤيا غير الأنبياء حُجَّةً فقال في <نفحات الإسلام من البلد الحرام> [164-165]: (والرؤيا المنامية ليست طريقًا للتشريع ولا مستندًا لحكم شرعي أصلًا لأن النائم لا يضبط لغفلته بمنامه فكيف يعتمد على رؤياه)؛ ولو بحثَ الضَّعضَاعُ لوقف على كلام الشيخ علوي ليعلم أن الشيخ الهرري لم ينفرد بردِّ هذا الخبر الضعيف.
وأما اقتراح الضَّعضَاعِ وجودَ إشكال في الحكم على العلماء الذين في بعض كُتُبهم القولُ بذلك فلقصور إدراكِه وربما لوسوستِه فمن الذي أوكله أن يحكم على العلماء! فالشيخ الهرري لم يكَفِّر أحدًا منهم لمجرَّد أنه وجد ذلك في كتاب؛ وكذلك لم يكفِّر من ظنَّ لجهله أن الآية لا تنافي التخفيف ولم يعلم بالإجماع، ومن المصنِّفين من ذكر أن ذلك في البرزخ فلا يُكفَّر؛ ومنهم من اقتصر على نقل الرواية فلا ضرر على دينه.
أما عن كلام البيهقي فجلُّ ما قاله شيخنا الهرري رضي الله عنه: (هذا لا يُسمى تخفيفًا بعد حصول العذاب هذا تقليل قَدْرِ النار عليه ابتداءً) فاعترض رضي الله عنه على استعمال لفظ التخفيف تجنُّبًا لمخالفة النص القرآني؛ وكُتُبُ العلماء لا تخلو من الأخطاء فهي ليست قرآنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما قد يتوهمون!
من هنا؛ يُعلَمُ أن كلام الضَّعضَاع عن سبع وعشرين مُصَنَّفًا مضطرب، إذ لو فتَّشتَ فيها ستجد أغلبها مقتصرًا على نقل الرواية لا أكثر ولن تجد فيها من يصحح الخبر، فإذا وُجد من يقول به يُنظر في أمره هل يُعدُّ ممن لا يفهم الآية على وجهها ويخفى عنه أمر الإجماع؟ وفي الخلاصة لا يؤخذ العالِم بما لم يثبت عنه من أقوال تخالف القرآن والإجماع لمجرد العثور على شيء من ذلك في كتاب منسوب له.
وكيف يُظَنَّ بالعلماء ذلك وهم متفقون أن حكم الشرع لا يتغير بسبب منام، ففي <شرح النووي على صحيح مسلم>: < قال القاضي عياض: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت وهذا بإجماع العلماء هذا كلام القاضي. وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يَغيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع>.
وماذا يقول الضَّعضَاعُ لمن يقول له: إذا كان هذا الإجماع ينقله القاضي عياض في “منام” المرئيُّ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم -مع الجزم بأن الرسول لا يخبر في المنام بما يخالف الشرع- فكيف إذَا كانَ المرئيُّ واحد من أكفر الكفرة، فهل يجوز لأحد أن يتأوَّل النص بسببه! مع العلم أن النصوص لا تُتأوَّل بإجماع العلماء لغير ضرورة شرعية ولا يُخص العامُّ منها بكلام كافر؛ لا في يقظة ولا في منام.
إنَّ تقديس الضَّعضَاعِ للكُتب عائد إلى قصوره عن معرفة ما تعرَّض له تراثنا المكتوب من دسٍّ وتصحيفٍ حتى قال التاج السبكي وهو من أهل القرن الثامن هجري: (آفة الكُتُب نُسَّاخُها) فإن كان ذلك في زمن الخطِّ فما بالك اليوم في زمن الطباعة! فمَنِ الثَّبْتُ الشجاع ومَنِ الضَّعضَاعُ الذي لا رأي له ولا حزم! ومن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
وأختم هذا المبحث بأبيات أبي حيان المعروفة وقد حقَّ أن يشتغل الضَّعضَاعُ بحفظِها ثم بالعمل بها؛ يقول:
يظنَّ الغَمْرُ أنَّ الكتْبَ تهدي * أخَا جهلٍ لإدراكِ العلومِ
وما يدري الجهولُ بأنَّ فيها * غوامضَ حيَّرتْ عقلَ الفهيمِ
إذا رمتَ العلومَ بغيرِ شيخٍ * ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ
– رابط الجزء الأول من المقال الخامس في المداخلة الأولى.
Jan 18, 2018, 3:12 PM
دفاعا عن الحق [4]
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فقد شرعنا في هذه المقالات ردًّا على المتفيهقين الثرثارين المتشدِّقين الذين ردُّوا الحقَّ فلم يقبلوا به فطعنوا بعلماء أهل السُّنَّة والجماعة بالزُّور والكذب المُفترى فقال قائلهم “إن هؤلاء المشايخ يضيِّعون صلوات المصلِّين” لأنهم يفتونهم على بعض الوجوه الصحيحة عند المالكية والتي لا توجب قراءة أم القرآن في كل ركعة، فتصح الصلاة على وجهٍ عند المالكية صحيح؛ ولو ترك المصلي الفاتحة عمدًا في بعض الركعات.
وقبل الشروع بالردِّ لا بد من بيان أن مشايخنا لم يفتوا الناس بهذا القول وإنما هو قولٌ صح عند بعض المالكية كما لا يخفى على طالب العلم إلَّا أنَّ أحد مشايخنا سُئِلَ عنه بالتعيين فدلَّ عليه لسائل عليه قضاء ثلاثين سنة -لطف الله بنا!- وهذا جاء في نص السؤال المقروء والمثبت في الفيديو الذي نستطيع تزويد مَن شاء به، فأجابه الشيخ المسؤول بأن ذلك يصح على وجه عند المالكية لكن وجَّهه إلى الوضوء على مذهب مالك.
فاعترض المتفيهقون الثرثارون المتشدِّقون واتهموه بأنه يضيِّع صلوات المصلِّين وقرأوا من القرآن في غير محله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ} وكان أولى أن يقرأوا: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}، إذ حرَّفوا المذاهب وافتروا الكذب، كلُّ ذلك تركًا للشفقة على المسلمين وتوصُّلًا لما تدعوهم إليه شياطينهم من الطعن بعلماء أهل السنة والجماعة العاملين على نشر الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها.
أما الدليل الذي نشهره اليوم في وجوه أولئك المتفيهقين فهو من <شرح التلقين> لأبي عبدالله المازري التميمي عند الكلام على الوقت الذي يُقتل فيه مَنْ ترك صلاة الفرض؛ وفيه: <والجواب على السؤال الخامس أن يقال المعروف من المذهب عندنا أنه لا يُقتل حتى يبقى بينه وبين آخر الوقت الضروري مقدار ركعة فحينئذ إن لم يُصَلِّ قُتل على اختلاف بين أصحابنا: هل يراعى مقدار ركعة بسجدتيها؟ أو مقدار الركوع من غير سجود؟ فالمشهور مراعاة الركعة بسجدتيها؛ ومذهب أشهب أنه يكون مدركًا للصلاة بإدراك مقدار الركوع دون السجود فلا يُقتل عنده هذا حتى يبقى مقدار الركوع خاصة؛ ولا يعتبر قدر قراءة أم القرآن لأنه قد قيل عندنا إنها ليست بفرض في كل ركعة؛ وقد يعتذر أنه سيقرؤها فيما بعد الركعة الأولى فلا يكون تاركًا لها في كل الصلاة..> إلى آخر كلام المازري.
فانظر أخي القارئ -رحمك الله- إلى قوله <ولا يُعتبَرُ قدرُ قراءة أم القرآن لأنه قد قيل عندنا إنها ليست بفرض في كل ركعة؛ وقد يعتذر أنه سيقرؤها فيما بعد الركعة الأولى فلا يكون تاركًا لها في كل الصلاة..> انتهى؛ وقوله (لا يكون تاركًا لها في كل الصلاة) لم يمنع المالكية من تصحيح صلاته؛ وهذا الردُّ كافٍ وافٍ في دحر شبهات المتفيهقين ودحض مزاعمهم مهما حاولوا التهرُّب من وجه الدليل فإنه مشرق مضيء أبلج كالصبح.
والمازري رئيس المالكية وأفقه علمائهم في زمانه ويكفي في بيان رتبته وصفه به القاضي عياض بقوله: <هو آخر المتكلمين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقَّة النظر لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه ولا أقوم بمذهبهم> انتهى؛ فهل سيتهمونه بما اتهموا به العلماء العاملين اليومَ بنشر الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها بتلك الاتهامات الباطلة الحاقدة وربما المأجورة!؟
هل سيزعم المتفيهقون أن الإمام المازري بنقله هذه الفتوى المالكية مٌضَيِّعًا لصلوات المصلِّين وهل سيستهزئون به كما يستهزئون بالمعاصرين من علماء أهل السنة والجماعة وهل سيجد المتفيهقون الإمامَ المازري جبارًا لا تأخذه شفقة بالمسلمين في صلواتهم أم أنه من السفهاء كما يفترون على المشايخ الثقات الذين طلَّقوا الدُّنيا وهجروا الفتن؟
ومَن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 17, 2018, 12:11 PM
دفاعا عن الحق [3]
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فقد وجدت أولئك المتقوِّلين يكتبون ما يُثبت أنهم فهموا أن المالكية اختلفوا في ترك الفاتحة سهوًا لا عمدًا؛ والحقيقة أن سوء أفهامهم أدَّى بهم إلى أن توهَّموا ذلك على غير حقيقته بل المالكية اختلفوا فيمن تركها سهوًا وكذلك اختلفوا فيمن تركها عمدًا؛ ولكن بعض الشرَّاح اقتصروا على ذكر بعض الأقوال دون غيرها إما لتشهيرها -والتشهير يُطلب في موضعه من المذهب- وإما لِمَا يأخذون به بينما قد يأخذ غيرهم بما سواه؛ ولذلك فإنك -أخي القارئ- لو نظرتَ في <أقرب المسالك> ستجده يقول: <لِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا عَمْدًا مُبْطِلٌ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا> ثم فصَّل الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير فقال: <وَقَوْلُهُ “لِأَنَّهَا سُنَّةٌ إلَخْ عِلَّةٌ لِلْبُطْلَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْجُلِّ وَسُنَّةٌ فِي الْأَقَلِّ”> انتهى فانظر رحمك الله إلى القيد الذي وجَّه إليه -ولم يثبت إجماع أهل هذا الوجه على ذلك- بل وتوقَّف عند عبارة الشارح <باتفاق القولين> فقال: (وفيه نظر) ومن هنا يُعلَم أن الشارح إنما يحكي اتفاق ما يأخذ به من تلك الأقوال أو ما صح منها عنده هو لا عنده وعند غيره؛ فما نص عليه الشارح من تفصيل فيمن تركها عمدًا مترتِّب على بعض الأقوال دون غيرها لا على كل الأقوال الصحيحة في المذهب؛ فتنبَّه.
وسوف أعود إلى هذا الباب مرارًا وتكرارًا؛ لكن لا أفوِّت الرد على المغرور الذي طعن باللخمي ولا أفوِّت الرد على تابعِه الذي تساءل باستهزاء بَيِّنٍ: “هل تراجع هذا اللخمي عن فتاواه وقوله الشاذ”! فهؤلاء المتفيهقون لم يقولوا ما قالوا جهلًا بمكانة اللخمي بين المالكية وحسب بل ولأنهم استساغوا الطعن بفقهاء أهل السنة بدليل طعنهم بأبي الحسن اللخمي الذي قال عنه القاضي عياض: <وكان أبو الحسن فقيهًا فاضلًا ديِّنًا مفتيًّا متفنِّنًا ذا حظ من الأدب والحديث جيد النظر حسن الفقه جيد الفهم وكان فقيه وقته أبعد الناس صيتًا في بلده وبقي بعد أصحابه فحاز رئاسة بلاد إفريقية جملة> انتهى كلام القاضي عياض؛ كما أن أبا الحسن اللخمي هو أحد الأربعة الذين اعتمد العلامة خليل النقل عنهم في مختصره وكان “أحمد بابا التنبكتي” في <نيل الابتهاج> يحتجُّ بتقديم خليل لقول اللخمي في مواطن على قول ابن رشد مع وقوفه على مخالفته، و<مختصر خليل> هو المتن الذي عليه الشروح الكثيرة عند المالكية ومنها ما يرجع إليه المتفيهقون أنفسهم فيا للتحكُّم ويا للجهل بفقهاء المذهب وأقدار الرجال!
فانظر -أخي القارئ- كيف يطعن هؤلاء الأغرار بفقهاء المذهب المالكي بغية التوصل إلى الافتراء على مشايخ معاصرين من علماء أهل السنة والجماعة فيتهمونهم -بالزور والكذب المُفترى- بأنهم يضيِّعون صلوات المسلمين المؤمنين ومن لا يعرف لرؤساء المذهب -الذي يدَّعون الدِّفاع عنه- فضلًا ولا قدرًا كيف سيعرفون الفضل والقدر لعلماء أهل السنة والجماعة المعاصرين! ومن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 16, 2018, 7:24 AM
دفاعا عن الحق [2]
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ) قالها ثلاثًا، وقال عليه الصلاة والسلام: (شِرَارُ أُمَّتِي الثَّرْثَارُونَ الْمُشَّدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ) وقد ابتلى الله الأمةَ بكثير من هؤلاء الذين يتعمَّقون فيما لا أهلية له عندهم فيُغالون ويتكبَّرون عن قبول الحق والحق أحق بالقبول. وكما حصل مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو مَنْ هو في رِفعة القدر وعلو الجاه بين صحابة رسول الله حين اتهمه بعض أهل الكوفة زورًا فقالوا (إنه لا يحسن يصلي)؛ نجد اليومَ من يتَّهم علماء أهل السنة والجماعة ويفتري عليهم عندما يتهمهم بأنهم يضيِّعون صلوات المسلمين المؤمنين وبأنهم يتلاعبون بأحكام الصلاة على الهوى.
ثم تجد هؤلاء الأدعياء -وهم لا يتقنون اللغة والنحو- يستنصرون ببعض أقوال المالكية ويردُّون بها كل قول للمالكية لم يوافق ما نقلوه من تلك الأقوال التي ينسخونها من الكتب دون فهمها على وجه التحقيق؛ غافلين عن أوجه الاختلاف في التَّشهير الموجود في المذهب المالكي وكيف صحَّح البعض قولًا ضعَّفه آخرون وبالعكس؛ فأثبتوا وردُّوا بحسب أفهامهم السقيمة وأغراضهم اللئيمة فحرَّفوا المذاهب وخبطوا في كتب التراث خبط عشواء فخرجوا بما يردُّ أقوال وأفهام بعض كبار المالكية مما سنثبته في سلسلة المقالات هذه دفاعًا عن الحق لا بقصد الانتصار لنفوسنا وأهوائنا.
وأوَّلُ ما نضرب به صفحات وجوه أولئك العاتين من كلام إمام المالكية في زمانه الإمام أبو عبدالله التميمي المازري؛ والذي وصفه القاضي عياض فقال: “هو آخر المتكلمين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقّة النظر لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه ولا أقوم بمذهبهم” في كلام له في شرحه على <التلقين> ونصه التالي:
<والجواب عن السؤال السابع أن يقال من أخلَّ بشيء من السنن متعمِّدًا فقد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال:
– فقيل يسجد كما يسجد الساهي.
– وقيل بل هو بخلاف الساهي.
واختلف هؤلاء في الإعادة:
– فقيل لا إعادة عليه.
– وقيل يعيد في الوقت.
– وقيل يعيد أبدًا.
فمن أمره بالسجود رأى أن الساهي إذا سجد تلافيا للنقص مع عذره بالسهو فالعامد الذي لا عذر له أولى بالسجود.
ومن نفى السجود يرى أن الأصل قضاء ما أخل به بمثله وتعويضه بالسجود خارج عن الأصل وإنما ورد السجود في السهو فلم يقس عليه مع خروجه عن الأصل.
ثم تأكد أمر المتروك عمدًا عند طائفة من هؤلاء حتى لحق بالواجبات في إفساد الصلاة إذا تعمد تركه فأوجبوا الإعادة أبدًا.
ولم يتأكد عند آخرين فلم يفسدوا بتركه الصلاة واستحب بعض هذه الطائفة الإعادة في الوقت ليأتي بصلاة متفق على صحتها> انتهى كلام المازري.
فهذا إمام المالكية في زمانه يثبت فيما يثبت اختلاف الأقوال والوجوه في المذهب فيمن أخلَّ بشيء من السنن متعمِّدًا؛ فهل إن هؤلاء المتفيهقين أعلم بوجوه المسائل من إمام المذهب في زمانه؟ ومن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟ والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
Jan 15, 2018, 4:26 PM
دفاعا عن الحق [1]
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعدُ فقد أدَّى جهل بعض الخلائق بهم إلى إساءة الظن بالعلماء العاملين؛ وسارت بهم أهواؤهم في متاهات الفتن التي يدعون إليها صبح مساء، وغرَّهم سكوتُ العلماء عنهم لانشغالهم بما هو أولى أو مراعاة لخواطر أولي قربى في إفساح المجال إلى كفِّ الأذى ومنع الكذب المُفترى بالنصيحة والموعظة الحسنة، فلم يكن ردُّ أهل الفتنة إلَّا مزيدًا من التعنُّت والعناد ورد الحق يدفعهم الغرور والحُمْقُ تغريهم بذلك شياطينهم.
وقد دأب أولئك المغرضون على التهجُّم على علماء أهل السنة متهمين إياهم بخيانة العلم والمغرضون الجهلة أولى بهذه التهمة من غيرهم إنما ساقهم إليها: اتكاؤُهم على جهل العامة بأساليب التحقيق عند محقِّقي المصنفين؛ وقصورُهم عن إدراك وجوه الاستدلال في مقامات البيان العلمي الذي ينبغي للمحقق سلوكه؛ وليس كل مصنِّفٍ محقِّقٌ وليس كل من فكَّ حروف الكلمات قارئًا وليس كل قارئٍ مدركٌ لما تحمله السطور من المعاني.
وزعموا -في بعض ما زعموا- أن بعض المصنفين من أهل السنة والجماعة يجمع المؤلفات فيقتطع ما يعجبه ويخفي ما لا يعجبه من كلام العلماء وهذه فرية كبيرة ومظنة سوء بالثقات الأتقياء ثم يدَّعون أن الآخرين هم من يأخذونهم بسوء الظن فيا للعجب؛ ثم ليت شعري مَن علَّم أولئك الجاهلين كيف يكون التحقيق وهل هو: بنقلِ ما يتناقض في كتب التراث مما نُسِبَ للعلماء من أقوال؛ وتركِ القُرَّاء والطلبة في حيرة وعَمَهٍ لم يستفيدوا مسألةً ولم يتعلَّموا حُكمًا؛ أم يكون بتقرير ما تحصَّل من العلم بضوابط التحصيل العلمي والسماع من أفواه العلماء العاملين والانتصار لذلك من كتب التراث!
وإنك أخي القارئ لتجد هؤلاء الأغرار لا على منهج؛ فتارةً يتخيَّرون من الأقوال على أهوائهم وعلى ما يتناسب وأهواء بعض العامة فيثبتون ويردُّون بحسب ذلك؛ بينما لا يقبلون من غيرهم إثباتًا ولا ردًّا مهما كان ذلك مؤيَّدًا بالسماع منتصًرًا له بالتلقي والضوابط الشرعية المعروفة عند أهل العلم فما لهم كيف يحكمون على من هم فوقهم في الرتبة والدرجة العلمية وهم أقل من أن يكونوا قارئين بل غاية ما بلغوه فك الحروف من الكتب واستفتاء من هو في رتبتهم، فمن هو على زيغ ومن هو على نور وهدى!؟
ومن هنا كان افتتاحنا الرد عليهم بهذا المقال والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصر.
Jan 14, 2018, 5:00 AM
