ردًّا على مَن كفَّر الأئمَّة
وبيان جواز قول <وعصى آدم> مُوافقة للقُرآن الكريم
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
أمَّا بعدُ فقد عاد أهل الفتنة إلى التَّرويج لفكرة تكفير أهل السُّنَّة والجماعة لمُجرَّد نسبة ذنب أو معصية إلى نبيٍّ مِن الأنبياء في غير سياق التِّلاوة والحديث مع أنَّ القُرآن الكريم كتاب الله الَّذي لا يأتيه الباطل مِن بَين يدَيه ولا مِن خلفه نطق بذلك ونحن مأمورون باتِّباع القُرآن الكريم وبتدبُّر معانيه لتثبيت معاني آياته في الصُّدور والنُّفوس ممَّا يُورث السَّكينة وحُضور القلب.
فلازم مذهب أهل الفتنة أنَّ مُجرَّد ذكر ما جاء به القُرآن الكريم إنْ لم يكن في تلاوة أو حديث فهو كُفر عندهم؛ نعوذ بالله ممَّا يفترون ويُجرمون؛ ألسنا مأمورين بتدبُّر القُرآن بنصِّ القُرآن بدليل قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ومعناه لتتدبَّره أنت يا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وأتباعك فيعتبروا بحُجج الله فيه وليتَّعظوا بذلك.
ويحتجُّ أهل الفتنة بما ذكره ابن الحاجِّ المالكيُّ في [المدخل] ونصُّه: <قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: (إِنَّ مَنْ قَالَ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالحَدِيثِ: “إِنّهُ عَصَى أَوْ خَالَفَ” فَقَدْ كَفَرَ)> انتهى وغفل الجاهل محلَّ ذلك وهُو أنْ يقوله مُريدًا النَّيل مِن النَّبيِّ أو تنقيصه أو مسبَّته أو الطَّعن به أو القدح بنبوَّته لا مُجرد قول ما يُوافق كتاب الله.
والمالكيَّة فصَّلوا فقال علِّيش المالكيُّ: <(أَوْ أَضَافَ) أَيْ نَسَبَ (لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ) مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي غَيْرِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ> انتهى فمَن نسب للنَّبي ما لا يجوز عليه بالإجماع كالكُفر والكبائر وترك التَّبليغ فهذا يكفُر. أمَّا مَن نسب لنبيٍّ ما نسبه له القُرآن ممَّا يجوز بحقِّه فمُجرَّد هذا ليس كُفرًا لأنَّ القُرآن لا يدلُّ على الكُفر كما يزعم أهل الفتنة.
ويزيد كلامنا وضوحًا ما قاله الدُّسوقيُّ في [شرحه الكبير] ونصُّه: <(أو أضاف له ما لا يجوز عليه) كعدم التَّبليغ (أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذَّمِّ)> انتهى فترك التَّبليغ ممَّا أجمعت الأُمَّة على عصمة الأنبياء عنه؛ ولاحظ قيده <على طريق الذَّمِّ> لتعلم أنَّه لا يُطلق بتكفير مَن نسب نبيًّا إلى ذنب أو معصية كما افترى أهل الفتنة والعياذ بالله.
وانظر في كلام علِّيش التالي؛ قال: <قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فَتَمْثِيلُ النُّحَاةِ لِلَمْ وَلَمَّا بِقَوْلِهِمْ: (وَلَمَّا عَصَى آدَم رَبَّهُ وَلَمْ يَنْدَمْ) كُفِّرَ وَكُفْرُهُ أُخْرَوِيٌّ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى نَصِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَنْدَمْ وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْقَدْحِ> انتهى فهل لاحظتَ كيف جعل علَّة التَّكفير أنَّه زاد ما يُخالف القُرآن ويقدح بنُبوَّة آدم عليه السَّلام ولذلك كُفِّر لا لمُجرَّد قوله: (عصى آدم).
ولو تفكَّر أهل الفتنة بما يفترونه لعلموا أنَّهم بإطلاقهم تكفير مَن قال عن نبيٍّ عصى لصار عندهم الصَّحابة كُفارًا وكذلك التَّابعون وأتباع التَّابعين وغالب المُفسِّرين وعُلماء الأُصول الَّذين تكلَّموا في اختلاف الأُمَّة في العصمة مِن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فأهل الفتنة عاملهم الله بما يستحقون بلازم قولهم كفَّروا الأُمَّة كُلَّ الأُمة سلفها وخلفها والعياذ بالله.
قال المُفسِّر السَّمعانيُّ في تفسيره: <فإنْ قيل كيف أَمَرَه بالاستغفار وكان معصومًا مِن الذُّنوب والجواب أنَّه كان لا يخلو مِن الخطإ والزَّلل وبعض الذُّنوب الَّتي هي مِن الصَّغائر> انتهى وقال: <فإنْ قال قائل: وأيُّ ذنب كان له؟ قُلنا الصَّغائر وقد كان معصومًا مِن الكبائر> انتهى.
وقال المازريُّ رئيس مالكيَّة زمانه في [إيضاح المحصول مِن بُرهان الأُصول]: <فبَيْن أئمَّتنا اختلاف في وقوع الصَّغائر فمنهم مَن منعها ومنهم مَن أجازها. وجنح المُجيزون لها إلى أنْ وردت في الشَّرع أخبار تُشير إلى أنَّها قد وقعت مِن الأنبياء كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}> انتهى.
وقال سيف الدِّين الآمديُّ الحنبليُّ ثم الشَّافعيُّ الأشعريُّ في [أبكار الأفكار]: <آدم عليه السَّلام عصى وارتكب الذَّنب> انتهى وقال: <قوله تعالى مُخاطِبًا لمُحمَّد عليه صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وهو صريح في أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له ذنوب> انتهى.
والقاضي عياض ملأ كتابه [الشِّفا] بما فيه نسبة لفظ الذَّنب والمعصية إلى الأنبياء في غير تلاوة وحديث فقال: <وَتَصْرِيحُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ> وعن يونس: <فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِذَنْبِهِ> وقال في حقِّ الأنبياء: <وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَوْقِفِ ذُنُوبَهُمْ> وقال: <فَالْجَوَابُ عَنْهُ: كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ> وقال: <وَهِيَ ذُنُوبٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ مَنْصِبِهِمْ، وَمَعَاصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ> فكيف ينجو عياض مِن تكفير أهل الفتنة.
وقال ابن نُجيم في [الأشباه والنَّظائر]: <ولو قال قائل إنَّ الأنبياء لم يعصوا حالَ النُّبوَّة ولا قبلَها كَفَرَ؛ لأنَّه ردَّ النُّصوص> انتهى وقال مثله في [البحر الرَّائق] ومراده تكفير مَن نفى اسم المعصية عنهم بالإطلاق لثُبوت اللَّفظ في القُرآن الكريم بقوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ}.
وقال أبو مُحمَّد البغويُّ الشَّافعيُّ في تفسيره المشهور [معالِم التَّنزيل] في تفسير قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه فغوى}: <يعني فعل ما لم يكن له فعله> انتهى.
وعُلماء أهل السُّنَّة القائلون بوقوع صغائر لا خسَّة فيها مِن الأنبياء والقائلون بامتناع ذلك كُلُّ الفريقَين استعملوا لفظ الذَّنب والمعصية في حقِّ الأنبياء بعضهم بالمعنى الحقيقيِّ للمعصية وبعضهم بالمعنى المجازيِّ للمعصية وهم مئات سوى مَن ذكرنا فمنهم الإمام مالك بن أَنَس والإمام مُحمَّد بن إدريس الشَّافعيُّ والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبو جعفر الطَّبريُّ وأبو اللَّيث السَّمرقنديُّ والحافظ أبو بكر الكلاباذي والأُستاذ أبو إسحق الإسفرايينيُّ والإمام أبو إسحاق الثَّعلبيُّ وأبو العبَّاس أحمد بن عمَّار المهدويُّ وابن بَطَّال المالكيُّ والحافظ أبو بكر البيهقيُّ والمُتولِّي شيخ الشَّافعيَّة وأبو المعالي عبدالملك الجُوينيُّ وأبو اليُسر مُحمَّد البَزدَويُّ وأبو حامد الغزاليُّ والحافظ جمال الدِّين ابن الجوزيِّ وابن رشد الجَدُّ الفقيه وجمال الدِّين أحمد بن مُحمَّد الغزنويُّ الحنفيُّ وأبو الحَسَن الأبياريُّ وأبو الحَسَن ابن القطَّان وأحمد بن عُمر الأنصاريُّ القُرطبيُّ وأبو زكريا النَّوويُّ وصفيُّ الدِّين الأرمويُّ الهنديُّ وأبو الحَسَن اليفرنيُّ وعضد الدِّين الإيجيُّ وتاج الدِّين السُّبكيُّ وسعد الدِّين التَّفتازانيُّ وبدر الدِّين الزَّركشيُّ وابن عرفة التُّونسيُّ المالكيُّ وسراج الدِّين ابن المُلقِّن والشَّريف الجُرجانيُّ ومجد الدِّين الفيروزباديُّ وعلاء الدِّين المرداويُّ ومُحمَّد بن عبدالرَّحمن الإيجيُّ الشِّيرازيُّ وأحمد بن مُحمَّد بن زكري التِّلمسانِيُّ المانويُّ المغرانيُّ ومصلح الدِّين مُصطفى بن مُحمَّد الكستليُّ وزكريَّا الأنصاريُّ ومُحيي الدِّين شيخ زاده الحنفيُّ وزين الدِّين ابن نُجيم والمُلَّا عليُّ القاري وقاضي القضاة شهاب الدِّين الخفاجيِّ وخير الدِّين الرَّمليُّ
وابن عابدين الدِّمشقيُّ والمُفسِّر أبو النَّضر الكلبيُّ والمُفسِّر ابن عطيَّة الأندلسيُّ والمُفسِّر فخر الدِّين الرَّازيُّ والمُفسِّر جمال الدِّين المَوصليُّ والمُفسِّر المشهور أبو عبدالله القُرطبيُّ والمُفسِّر نظام الدِّين النَّيسابُوريُّ والمُفسِّر ابن علَّان الصِّدِّيقيُّ وإسمعيل حقِّي البُروسويِّ الحنفيِّ والشَّيخ داود القَرِصيُّ الحنفيُّ والشَّيخ مُحمَّد بخيت المُطيعي والشَّيخ مُحمَّد الطَّاهر ابن عاشور واللَّائحة تطول.
فاحذر أخي القارئ ممَّا يُروِّج له أهل الفتنة عاملهم الله بمَا يستحقُّون مِن تكفير أهل السُّنَّة والجماعة بما أساؤوا فهمه مِن كلام العُلماء فخالفوا القُرآن الكريم وكذَّبوا الشَّرع الشَّريف عندما أطلقوا القول بتكفير كُلِّ مَن عبَّر بلفظ المعصية منسوبًا لنبيٍّ على الإطلاق في غير سياق التِّلاوة والحديث ولو لم يقترن ذلك بإرادة التَّنقيص والذَّمِّ!
أفلا يستحي أهل الفتنة مِن الله وقد ابتدعوا بأفهامهم السَّقيمة ما لا سند لهم فيه إلَّا إلى إبليس فيُكفِّرون به العُلماء ويُموِّهون به على الجهَلَة فلا يستثنون مِن تكفيرهم أحدًا. وكُلُّ سُنِّيٍّ يُكذِّبهم. فكفاهم تكفيرًا لعُلماء المُسلمين وكفاهم كذِبًا وتدليسًا على البُسطاء.
ونحن ما خضنا في المسألة إلَّا بنقل كلام العُلماء ولله الحمد وقد اقتضت الضَّرورة الرَّدَّ على الدَّعوى الكاذبة الَّتي أطلقها أهل الفتنة عندما ادَّعوا الإجماع المكذوب في مسألة العصمة فأنكروا اختلاف الأُمَّة في وُقوع الصَّغائر مِن الأنبياء فإنَّهم طرقوا بابًا مِن أبواب الغُلُوِّ المشهور عند بعض أهل الأهواء فنسأل الله أنْ يُسلِّمنا ممَّا ابتلاهم به.
نهاية المقال.
Oct 24, 2019, 9:18 AM
