بيان مذهب أبي منصور البغداديِّ في [الفَرْق بَين الفِرَق] وأنَّه نقل الإجماع على ما يُفيد القول بتأثيم البُغاة

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة 10

بيان مذهب أبي منصور البغداديِّ في [الفَرْق بَين الفِرَق]

وأنَّه نقل الإجماع على ما يُفيد القول بتأثيم البُغاة

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

أمَّا بعد فقد قال أبو منصور البغداديُّ في [الفَرْق بَين الفِرَق] في باب [الأُصول الَّتي اجتمع عليها أهل السُّنَّة]: <وقالوا إنَّ طلحةَ والزُّبَير تابَا ورَجَعَا عن قتال عليٍّ> انتهى. فإذَا كان طلحة والزُّبَير -وهُما مِن العَشَرَة المُبشَّرِين بالجنَّة- يحتاجانِ إلى التَّوبة لأنَّ خروجهما على الإمام العادل معصية؛ فكيف لا يكون خروج مُعاوية معصية كذلك وهما أفضل منه!؟

وقد أكثر ### هداه الله مِن الكلام عن الأدب في حقِّ الكِبار إذَا أخطأوا، وغَفَل <أبو إجماع> أنَّ العُلماء وإنْ دلَّ قولهم <تاب طلحة والزُّبَير> على وقوع هذين المُبشَّرَيْنِ بالجنَّة في المعصية فإنَّه لا يكون تركًا للأدب في حقِّ كُلٍّ منهما لأنَّ كلام العُلماء في مقام بيان حُكم الشَّرع الشَّريف في الخروج على الإمام العادل وهو حُكم جاء به النَّصُّ وأطبقتِ الأُمَّة عليه.

فهل ترضى يا ### أنْ نحتكم وإيَّاك إلى أبي منصور البغداديِّ وأنْ نلتزم ألفاظه في كلامه عن فتنة البُغاة الَّتي تحوَّلت معها الأُمَّة مِن عهد الخلافة الرَّاشدة إلى مُلك يكثر فيه الظُّلم وتُسفَك فيه دماء الأبرار والصَّالحين؟ أم أنَّك ستُنكر حُكم الشَّرع في الخروج على الإمام العادل بحُجَّة أنَّ فهمَك للشَّريعة مُختلف عمَّا فهمه أبو منصور حتَّى قال ما قال!؟

وليت شعري هل علم <أبو إجماع> أنَّ (إجماع الأُمَّة على توبة طلحة والزُّبَير) فيها رفعُ عَلَم نبويٍّ؛ وذلك لسابق تبشير النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حياته لهُما بالجنَّة؛ ومَن بشَّره نبيُّنا بالجنَّة لا يليق به إلَّا أنْ يتوبَ إلى الله فيما لو وقع في معصية؛ ولهذا قال إمامنا الأشعريُّ كما في [المُجرَّد]: <وإنَّهما رَجَعَا عن ذلك وندمَا (وأظهرَا التَّوبة) وماتَا تائبَيْنِ> انتهى.

وفي قوله <وأظهرَا التَّوبة> زيادة على مُجرَّد التَّوبة. وقال الأشعريُّ عن خطإ طلحة والزُّبَير: <إنَّه وقع مغفورًا للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حَكَم لهما بالجنَّة فيما رُوِيَ في خبر بِشارة عَشَرَةٍ مِن أصحابة بالجنَّة فذكر فيهم طلحة والزُّبَير وأمَّا خطأ مَن لم يُبَشِّرْهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفو عنه> [المُجرَّد].

فهل تكره يا ### ما قاله أبو منصور البغداديُّ في [الفَرْق بين الفِرَق] فيما نقل مِن إجماع الأُمَّة وما قاله الإمام الأشعريُّ في [المُجرَّد] لأنَّه لا يُوافق هواك بل ولعلَّك ترى فيه مِن سُوء الأدب ما قد وصفتَ في (دردشاتك) أم أنَّك لا زلتَ في شكٍّ مِن أمرك.. فتعالَ نتبيَّن معًا زيادةً مذهب أبي منصور البغداديِّ في كُلِّ مَن خرج على الإمام العادل.

قال البغداديُّ في [أُصول الدِّين]: <وقالوا في عائشة وفي طلحةَ والزُّبَير: إنَّهم أخطؤوا ولم يفسقوا، لأنَّ عائشة قصدت الإصلاح بَين الفَريقَين فغلبها بنو ضَبَّة وبنو الأَزد على رأيها، فقاتلوا عليًّا فهُم الَّذين فسقوا دونها> انتهى ونحن نقول: انتفى الفسق عن سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها لأنَّها لم تخرج للقتال وقد رجعت عن خروجها؛ وخرج بنو ضَبَّة والأزد للقتال ففسقوا بذلك.

وقال البغداديُّ في [أُصول الدِّين]: <وأمَّا الزُّبير فإنَّه لمَّا كلَّمه عليٌّ يومَ الجَمَل عَرَف أنَّه على الحقِّ فترك قتاله وهرَب مِن المعركة راجعًا إلى مكَّة> وقال: <وأمَّا طلحةُ فإنَّه لمَّا رأى القتال بَين الفَريقَين همَّ بالرُّجوع إلى مكَّة> انتهى وهو نصٌّ أفاد انتفاء الفسق عن طلحة والزُّبَير رضي الله عنهما لرجوعهما وتوبتهما ممَّا أقدمَا عليه مِن الخروج على الإمام العادل.

ثُمَّ قال: <فهؤلاءِ الثَّلاثة بريئون مِن الفِسق، والباقون مِن أتباعهمُ الَّذين قاتلوا عليًّا فسَقة> انتهى فنفى الفسق عن هؤلاء الثَّلاثة -لا لأنَّهم اجتهدوا وأخطأوا كما يزعم أهل الفتنة بل- لأنَّ عائشة لم تقصد القتال ورجعت عن خروجها ولأنَّ طلحة والزُّبَير تابَا مِن المعصية؛ ولو كانوا مُجتهدِين اجتهادًا شرعيًّا لَمَا حَكَمَ بالفسق على سائر أتباعهمُ الَّذين قاتلوا عليًّا رضي الله عنه.

ثُمَّ في تتمَّة كلام البغداديِّ: <وأمَّا أصحاب مُعاويةَ فإنَّهم بَغَوا، وسمَّاهم النَّبيُّ صلَّى الله علَيه وسلَّم بُغاةً في قوله لعمَّار: (تقتلك الفئة الباغية) ولم يكفُروا بهذا البغي> انتهى. فأثبت على مُعاوية مِثْلَ الَّذي أثبته على مَن حَكَم بفسقهم مِن أهل الجَمَل؛ ولم يُثبت له رجوعًا ولا توبة ولا ما ينتفي به عنه الفسق كما فعل في كلامه عن طلحة والزُّبَير رضي الله عنهما.

وكان يكفيك لتبيان مذهب أبي منصور البغداديِّ في تأثيم مُعاوية وأصحابه قوله: <وسمَّاهم النَّبيُّ صلَّى الله علَيه وسلَّم بُغاةً في قوله لعمَّار: (تقتلك الفئة الباغية)> لأنَّه نسب إليهم بغيًا مذمومًا بدليل قوله: <ولم يكفُروا بهذا البغي> فيتعيَّن بذلك أنَّه حَمَل البغي على معنى الظلم فهم عنده بُغاة ظالمون. فهل علمتَ أنَّ قولنا هو المُوافق لمذاهب العُلماء يا ### !؟

نهاية المقال.

Aug 17, 2019, 1:12 AM

أضف تعليق