تأنيب المُفترين في مسألة عصمة الأنبياء والمُرسلين

تأنيب المُفترين في مسألة عصمة الأنبياء والمُرسلين

 مقال مُكرَّر

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فإنَّ أهل الفتنة تكلَّموا قبل أنْ يتعلَّموا ولهذا فإنَّك تجد واحدهم قد ملأ مقالات جهله بغبيِّ الدَّسائس وسوَّد وجه نفسه بالتُّرَّهات البَسابِس وأقحم رأسه في عتمة المجهول ضاربًا عُرْضَ الحائط بقواعد عِلم الأصول هجم على الفتوى بغير عِلم على طريقة اللُّصوص فكان آخِرُ همِّه مُوافقةَ النُّصوص فصال وجال لكن لا كالرِّجال؛ فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم.

2

هذا ولا زال أهل الفتنة يتحرَّكون على اختلافهم في مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فترى مَن يزعم أنَّه لا يأخذ بالتَّكفير لمُجرَّد إضافة لفظ ذنب بحقِّ نبيٍّ في غير سياق تلاوة أو حديث لكنَّه يجتهد في نشر فتاوى تقول بذلك والعياذ بالله ويُعجبه أنَّ في متون تلك الفتاوى طعنٌ بإمامنا الهرريِّ رضي الله عنه ممَّا يكشف تمويههم على أهل السُّنَّة.

3

وترى منهم مَن يُخالفهم فيقول إنَّ الجُمهور على تقرير الجواز لكنَّه يُحرِّف فيزعُم أنَّ قول الجُمهور ليس في تقرير الوقوع حقيقةً! وسبب تحريفه هذا جهله بأنَّ حُجَّة الجمهور في ظواهر النُّصوص؛ بشهادة النَّوويِّ فيما نقله عن عياض ونصُّه: <فذهب مُعظم الفُقهاء والمُحدِّثين والمُتكلِّمين مِن السَّلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحُجَّتهم ظواهر القرآن والأخبار> اهـ.

4

فلمَّا ثبتَ -بشهادة النَّوويِّ والقاضي عياض- أنَّ ظواهر النُّصوص هي محلُّ احتجاج الجُمهور وكانت النُّصوص المذكورة ظواهرُها تُفيد تقريرَ الوقوع لا مُجرَّد القول بالجواز؛ ثبت أنَّ الجُمهور على تقرير الوقوع حقيقة وإلَّا فكيف يُقال إنَّهم احتجُّوا بظواهر تُفيد الوقوع لكنَّهم لا يُقرِّرونه! وأهل الفتنة يقرأون بألسنتهم كلام النَّوويِّ والقاضي عياض ثُمَّ لا يفقهون ما يقرأون.

5

والقاضي عياض مع أنَّه كان يرى امتناع الصَّغائر مُطلقًا مِن الأنبياء إلَّا أنَّه نقل في [الشِّفا] وغيره أنَّ الجمهور على تقرير الوقوع؛ أمَّا أهل الفتنة ولأنَّهم لا يُحسنون قراءة كتُب العُلماء ولا يرقون إلى فهم عباراتهم ودلائل إشاراتهم فقد أنكروا أنْ يكون ذلك مُراد عياض لقُصور أفهامهم! ويُكذِّبهم فيما زعموه شهادة اثنين مِن مشاهير عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة:

6

فالشَّاهد الأوَّل بدر الدِّين الزَّركشيُّ؛ قال في [البحر المُحيط]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها> إلى قوله: <وقالَ في الإكمال إنَّه مذهب جماهير العُلماء>، والشَّاهد الثَّاني هو عليٌّ القاري؛ قال في [شرح الشِّفا]: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووقوعها>، فانظر كيف صرَّحا معًا أنَّ ما نقله عياض عن الجُمهور هو في الوقوع فضلًا عن التَّجويز.

7

وقد لجأ بعض أهل الفتنة إلى القياس وليس لعامِّيٍّ مثله أنْ يقيس؛ فقاس ما ورد فيه نصٌّ قُرآنيٌّ على ما لم يرد فيه نصٌّ؛ وخرج بخُلاصة تقول إنَّ القُرآنَ ولمُجرَّد احتماله التَّأويل يصير تأويله مشروعًا لغير ضرورة! قياسًا بزعمه على أنَّ الأَوْلى تحسين الظَّنِّ بمُسلم قال كلمة ظاهرها أنَّه عصى ولها تأويل لا يُفيد ذلك فنحمل كلامه على ما ليس فيه نسبة المعصية إليه!

8

فهو لم ينتبه أنَّ كلام عامَّة النَّاس ليس نصًّا يمتنع إخراجه عن ظاهره لغير ضرورة ودليل؛ بخلاف ما لو كان نصًّا قُرآنيًّا أو حديثيًّا فيمتنع ذلك إلَّا لسبب شرعيٍّ. أمَّا كلام العامَّة فلا يمتنع إخراجه عن ظاهره لغةً وشرعًا ما لم يكن المعنى المُراد بعيدًا جدًّا وهذا لا يخفى على صِغار طَلَبَة العلم ولكنَّ الجاهل المفتون برأيه لا يتأنَّى في ما يذهب إليه بقوله المذكور.

9

وهذه منه عجيبة مِن العجائب فقد جعل إخراج النَّصِّ الشَّرعيِّ عن ظاهره أمرًا مُتاحًا لمُجرَّد الرَّأي ولو لم يكن ضرورة أو دليل على ذلك فنادى على نفسه بالجهل وقلَّة الفهم لأنَّه خالف القاعدة الأُصوليَّة الَّتي تقول: إنَّ ترك الحقيقة والعدولَ إلى المجاز مِن غير دليلٍ مُمتنِعٌ فلا يجوز العدول عن الظَّاهر أي عن المعنى المُتبادر من إطلاق اللَّفظ إلى غيره إلَّا لضرورة.

10

فلو كان على شيء مِن العِلم لَمَا قاس ما جاء في كتاب الله على ما جاء في كلام عامَّة النَّاس ولانتبه أنَّ مِن العبث إخراج النُّصوص الشَّرعيَّة عن ظاهرها لغير ضرورة ولذلك فإنَّ العُلماء الَّذين قالوا بجواز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء تركوا تأويل بعض الآيات لأنَّه لم تكن ضرورة لذلك إذ لم يخرج ظاهر تلك الآيات عمَّا يرونَ أنَّ الشَّرع الشَّريف يُجوِّزه.

11

ولذلك أرجع المُفسِّرون حَمْلَ المعنى على الصَّغائر -وهي ذنوب حقيقيَّة ولا شكَّ- إلى الَّذين قالوا بجواز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؛ فقال القرطبيُّ في [الجامع]: <وَقِيلَ: لِذَنْبِ نَفْسِكَ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> اهـ؛ وقال الكلبيُّ في [التَّسهيل لعلوم التَّنزيل]: <وقيل أكل عمدًا وهي معصية صُغرى وهذا عند مَن أجاز على الأنبياء الصَّغائر> اهـ.

12

وأوَّل غيرُهم مِن العُلماء ما ورد في النُّصوص مِن ذلك لضرورة أنَّهم كانوا يرَون أنَّ الشَّرع لا يُجوِّز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؛ هذا منشأ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر ولكُلِّ مدرسة مِن المدرستَين قواعد يرجع أهلها إليها واستدلالات يقبلون بها ولكنَّهم لا يُكفِّرون ويُبدِّعون ويُضلِّلون إخوانهم لمُجرَّد الاختلاف معهم في هذه المسألة.

13

واختصر القرطبيُّ في الجامع طريقتَي أهل السُّنَّة في العصمة فقال: <وقيل: (لذنب نفسك) على مَن يجوِّز الصَّغائر على الأنبياء. ومَن قال لا تجوز قال: (هذا تعبُّد للنَّبيِّ عليه السَّلام بدُعاء)> إلى قوله: <فاستغفرِ اللهَ مِن ذنبٍ صدر منك قبل النُّبوَّة> اهـ ومَن فهم هذه السُّطور فهم مذهب أهل الحقِّ.

14

وقد قال العُلماء: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُختلف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا انتهى؛ فلماذا يُقال إنَّ تكرار الصَّغائر وكثرتها مُمتنع عن الأنبياء إلَّا لأنَّ العُلماء قالوا بوقوع بعض الصَّغائر منهم حقيقةً؛ ولهذا قال الذَّهبي في [المُنتقى مِن منهاج الاعتدال]: <وَعَامَّة الْجُمْهُور الَّذين يُجوِّزون عَلَيْهِم الصَّغَائِر يَقُولُونَ إِنَّهُم معصومون مِن الإقرار عَلَيْهَا> انتهى.

15

ولا أدري مَن أخبر أهل الفتنة أنَّ مَن كان يعتقد وقوع النَّبيِّ في ذنب صغير -ليس فيه خسَّة غفره الله له- لن يستطيع الرَّدَّ لو قال له كافرٌ: (إنَّ أفعال نبيِّك ليست كلُّها حسنة)! ولو كان ذَا عِلم لقال: إنَّ الأنبياء معصومون عن الإصرار على ذنب على تقدير وقوعهم فيه ولهذا فكُلُّ أفعالهم الَّتي يُقِرُّون عليها حَسَنَةٌ؛ وبهذا يزول الإشكال الَّذي لم يفطن الجَهَلَة إلى جوابه.

16

وقد قدَّمنا أنَّ عصمة الأنبياء عليهم السَّلام لا تقتضي امتناع الصَّغائر الَّتي لا تُزري بالأنبياء كما بيَّن ذلك إمامنا أبو الحسن الأشعريُّ بقوله: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> اهـ؛ وقال: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اهـ.

17

وقد عجبتُ لأهل الفتنة يقولون إنَّه لا يوجد دليل قطعيٌّ على أنَّ المُراد هو ظاهر الآيات: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولو سألتَه ما الدَّليل على ضرورة تأويل ظاهرها عند الجُمهور وهو جائز عنده؟ لانقطع، إذ لم يكن تكلَّم عن عِلم إنَّما عن فهم أمثاله مِن الجَهَلَة المُتصولحة الَّذين تعلَّموا في كُلِّ فنٍّ كلمتَين فظنُّوا أنَّهم تجاوزوا الفرقدَين!

18

ولا يُؤيِّدهم في تحريفهم مذهبَ الجُمهور ما ذكره بعض العُلماء مِن تأويلات لهذه الآيات؛ ومتى كان أمثال هذا العامِّيِّ أعلم -بأحسن المعاني الَّتي تُحمل عليها آيات كتاب الله- مِن المُجتهدين مِن أئمَّة السَّلف الصَّالح كمالك والشَّافعيِّ وأحمد والطَّبريِّ والأشعريِّ؛ وهل يُرَدُّ قول كُلِّ أولئك أو يُبدَّع ويُضلَّل مَن أخذ بأقوالهم لأجل كلام ينقله غير الثِّقة عن مثله! نعوذ بالله.

19

فإنْ أخذ بعض العُلماء بغير قول الجُمهور فهذا لا يعني أنْ نُوافق على سوق كلامهم في سياق إبطال قول الجُمهور والطَّعن بدين مَن أخذ به أو تبديعه وتضليله وتكفيره بل وهؤلاء لا يبلغون رُتَب مَن قدَّمنا أسماءهم مِن المُجتهدين فالمسألة لا تقف عند حسن الظَّنِّ كما قال بعض أهل الفتنة بل العبرة بموافقة النُّصوص على قواعد علم الأُصول عند أهل السُّنَّة والجماعة.

20

إنَّ المُتنطِّعين إلى الكلام في أصل الخلاف بين عُلماء أهل السُّنَّة حرَّفوا المبحث مِن بيان مذاهبهم في المسألة إلى نزاع يُراد منه إبطال قول الجمهور حتَّى وصل الغلوُّ بهم إلى التَّكفير بغير حقٍّ والعياذ بالله؛ فإيَّاكم وما ينقله أهل الفتنة عن مشايخ في موريتانيا لأنَّ كُلَّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مئة شرط كما أنَّ النَّاقل ليس بثقة ليُؤتمن في نقله عنهم.

21

وزعم بعض أهل الفتنة أنَّ كُفَّار قريش ما نسبوا للنَّبيِّ ذنبًا وهذه أُغلوطة كبيرة بل لمَّا دعاهم إلى الحقِّ حاربوه وكذَّبوا بدعوته وردُّوه وقالوا يُفرِّق بين الرَّجُل وزوجه وغير ذلك فلمَّا خطَّأناه وأنكرنا عليه كيف يُبرِّئُهم ممَّا افترَوا به على نبيِّنا عليه السَّلام أراد تدارُك السَّقْطة بأنْ يقلبَها عن جهتها ويصرفَها إلى غير معناها، فرضيَ الله عن سيِّدنا عُمرَ لمَّا قال لبعض مَن فَعَل مِثل ذلك: <اِقْلِبْ قَلَّابُ>.

22

وكان الصَّواب أنْ يقول كما علَّمنا مشايخُنا أنْ نقول: إنَّ كُفَّار قريش ما جرَّبوا على النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام إلَّا صدقًا وأمانة؛ لم يُجرِّبوا عليه كذبة واحدة ولا خيانة ولا رذيلة قطُّ ليطعنوا بها فيه فلجأوا إلى الكذب عليه فاتَّهموه بذلك كاذبين مُفترين، وبين عبارة ذلك المُتسرِّع وبين عبارة المشايخ فرق كبير لمَن رزقه الله فهمَ اللُّغة وأعطاه التَّعبير السَّليم المُوافق لدين الله.

23

واعجَبْ مِن قول بعض أهل الفتنة: (لو فهم كُفَّار قريش أنَّ مُحمَّدا عصى ربَّه لطاروا فرحًا)؛ وهذا رأيٌ عجيب لا يصدر إلَّا عمَّن لم يسأل نفسه ولم يتفكَّر كيف يفرحون بالذَّنب والآية تُخبر عن غُفرانه بل ولا يصدر إلَّا عمَّن ظنَّ أنَّ كُفَّار قريشٍ عندهم اعتقاد بعصمة الأنبياء مِن الذُّنوب! فهل انتبهتَ أخي القارئ كيف أنَّ العامِّيَّ إنْ تنطَّعَ لغير رُتبته يصرخ على نفسه بالجهل!

24

ولو كان كُفَّار قريشٍ يفرحون بنسبة ذنب أو معصية لنبيٍّ أو رسول لطاروا فرحًا بنسبة المعصية لآدم عليه وعلى نبيِّنا الصَّلاة والسَّلام؛ أم أنَّ المُتسرِّع ظنَّ أنَّهم حملوها على ترك الأَوْلى لقولهم بعصمة الأنبياء حتَّى مِن كُلِّ صغيرة لا خسَّة فيها؟ أم قد عَلِم المُتسرِّع علمًا لم يخالطْه شكٌّ أنَّ كُفَّار قريشٍ كانوا يعتقدون استحقاق العذاب على المُذنب ولو تاب وأناب!

25

وليتَ المُتسرِّع تفكَّر في الزَّمان الَّذي نزلت فيه هذه الآيات فرُبَّما اختلفوا في زمان نزولها وأقلُّ ما يدعوه إلى ذلك قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فقد قيل إنَّها نزلت لمَّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الحُديبية في سنة ستٍّ مِن الهجرة ولا يخفى ما كانت فيه قريش مِن الهوان والضَّعف بعد ذلك حتَّى كان فتح مكَّة سنة ثمانٍّ مِن الهجرة.

26

ثُمَّ هل كان كُفَّار قريش فقهاءَ مُجتهدين حتَّى يُحيطوا علمًا بكُلِّ ما هو حرام وليُميِّزوا بين المعصية وغيرها ممَّا هو دون الشِّرك بالله! وهل يزعم عاقل أنَّه فُتِح على كُفَّار قريش بفهم كتاب الله وتدبُّره! أم هل يزعم صاحب فهم سليم أنَّ فهم كُفَّار قريش للعربيَّة جعلهم يفطنون إلى تفاصيل الشَّريعة وفروع العقيدة الَّتي لم يفطن له جُمهور العُلماء وفيهم المُجتهدون الكبار!

27

فمَن أراد السَّلامة لا يطعن بقولٍ صحَّ عن مثل الشَّافعيِّ ليلتحق بقول مُعاصر مُتنطِّع ومَن أراد السَّلامة لا يقول بما مُؤدَّاه تكفير ما لا يُحصى مِن العُلماء بل فليلزم ما تلقَّاه مِن العِلم وليثبُتْ عليه ولا يظنَّن أنَّ كثرة النُّقول مِن هُنا وهُنا تجعل الخلاف إجماعًا أو الضَّعيف قويًّا أو المرجوح راجحًا، وليذكر دائمًا أنَّ كُلَّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مئة شرط.

نهاية المقال.

Apr 10, 2019, 8:00 AM

تأنيب المُفترين في مسألة عصمة الأنبياء والمُرسلين

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فإنَّ أهل الفتنة تكلَّموا قبل أنْ يتعلَّموا ولهذا فإنَّك تجد واحدهم قد ملأ مقالات جهله بغبيِّ الدَّسائس وسوَّد وجه نفسه بالتُّرَّهات البَسابِس وأقحم رأسه في عتمة المجهول ضاربًا عُرْضَ الحائط بقواعد عِلم الأصول هجم على الفتوى بغير عِلم على طريقة اللُّصوص فكان آخِرُ همِّه مُوافقةَ النُّصوص فصال وجال لكن لا كالرِّجال؛ فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم.

2

هذا ولا زال أهل الفتنة يتحرَّكون على اختلافهم في مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فترى مَن يزعم أنَّه لا يأخذ بالتَّكفير لمُجرَّد إضافة لفظ ذنب بحقِّ نبيٍّ في غير سياق تلاوة أو حديث لكنَّه يجتهد في نشر فتاوى تقول بذلك والعياذ بالله ويُعجبه أنَّ في متون تلك الفتاوى طعنٌ بإمامنا الهرريِّ رضي الله عنه ممَّا يكشف تمويههم على أهل السُّنَّة.

3

وترى منهم مَن يُخالفهم فيقول إنَّ الجُمهور على تقرير الجواز لكنَّه يُحرِّف فيزعُم أنَّ قول الجُمهور ليس في تقرير الوقوع حقيقةً! وسبب تحريفه هذا جهله بأنَّ حُجَّة الجمهور في ظواهر النُّصوص؛ بشهادة النَّوويِّ فيما نقله عن عياض ونصُّه: <فذهب مُعظم الفُقهاء والمُحدِّثين والمُتكلِّمين مِن السَّلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم وحُجَّتهم ظواهر القرآن والأخبار> اهـ.

4

فلمَّا ثبتَ -بشهادة النَّوويِّ والقاضي عياض- أنَّ ظواهر النُّصوص هي محلُّ احتجاج الجُمهور وكانت النُّصوص المذكورة ظواهرُها تُفيد تقريرَ الوقوع لا مُجرَّد القول بالجواز؛ ثبت أنَّ الجُمهور على تقرير الوقوع حقيقة وإلَّا فكيف يُقال إنَّهم احتجُّوا بظواهر تُفيد الوقوع لكنَّهم لا يُقرِّرونه! وأهل الفتنة يقرأون بألسنتهم كلام النَّوويِّ والقاضي عياض ثُمَّ لا يفقهون ما يقرأون.

5

والقاضي عياض مع أنَّه كان يرى امتناع الصَّغائر مُطلقًا مِن الأنبياء إلَّا أنَّه نقل في [الشِّفا] وغيره أنَّ الجمهور على تقرير الوقوع؛ أمَّا أهل الفتنة ولأنَّهم لا يُحسنون قراءة كتُب العُلماء ولا يرقون إلى فهم عباراتهم ودلائل إشاراتهم فقد أنكروا أنْ يكون ذلك مُراد عياض لقُصور أفهامهم! ويُكذِّبهم فيما زعموه شهادة اثنين مِن مشاهير عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة:

6

فالشَّاهد الأوَّل بدر الدِّين الزَّركشيُّ؛ قال في [البحر المُحيط]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها> إلى قوله: <وقالَ في الإكمال إنَّه مذهب جماهير العُلماء>، والشَّاهد الثَّاني هو عليٌّ القاري؛ قال في [شرح الشِّفا]: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووقوعها>، فانظر كيف صرَّحا معًا أنَّ ما نقله عياض عن الجُمهور هو في الوقوع فضلًا عن التَّجويز.

7

وقد لجأ بعض أهل الفتنة إلى القياس وليس لعامِّيٍّ مثله أنْ يقيس؛ فقاس ما ورد فيه نصٌّ قُرآنيٌّ على ما لم يرد فيه نصٌّ؛ وخرج بخُلاصة تقول إنَّ القُرآنَ ولمُجرَّد احتماله التَّأويل يصير تأويله مشروعًا لغير ضرورة! قياسًا بزعمه على أنَّ الأَوْلى تحسين الظَّنِّ بمُسلم قال كلمة ظاهرها أنَّه عصى ولها تأويل لا يُفيد ذلك فنحمل كلامه على ما ليس فيه نسبة المعصية إليه!

8

فهو لم ينتبه أنَّ كلام عامَّة النَّاس ليس نصًّا يمتنع إخراجه عن ظاهره لغير ضرورة ودليل؛ بخلاف ما لو كان نصًّا قُرآنيًّا أو حديثيًّا فيمتنع ذلك إلَّا لسبب شرعيٍّ. أمَّا كلام العامَّة فلا يمتنع إخراجه عن ظاهره لغةً وشرعًا ما لم يكن المعنى المُراد بعيدًا جدًّا وهذا لا يخفى على صِغار طَلَبَة العلم ولكنَّ الجاهل المفتون برأيه لا يتأنَّى في ما يذهب إليه بقوله المذكور.

9

وهذه منه عجيبة مِن العجائب فقد جعل إخراج النَّصِّ الشَّرعيِّ عن ظاهره أمرًا مُتاحًا لمُجرَّد الرَّأي ولو لم يكن ضرورة أو دليل على ذلك فنادى على نفسه بالجهل وقلَّة الفهم لأنَّه خالف القاعدة الأُصوليَّة الَّتي تقول: إنَّ ترك الحقيقة والعدولَ إلى المجاز مِن غير دليلٍ مُمتنِعٌ فلا يجوز العدول عن الظَّاهر أي عن المعنى المُتبادر من إطلاق اللَّفظ إلى غيره إلَّا لضرورة.

10

فلو كان على شيء مِن العِلم لَمَا قاس ما جاء في كتاب الله على ما جاء في كلام عامَّة النَّاس ولانتبه أنَّ مِن العبث إخراج النُّصوص الشَّرعيَّة عن ظاهرها لغير ضرورة ولذلك فإنَّ العُلماء الَّذين قالوا بجواز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء تركوا تأويل بعض الآيات لأنَّه لم تكن ضرورة لذلك إذ لم يخرج ظاهر تلك الآيات عمَّا يرونَ أنَّ الشَّرع الشَّريف يُجوِّزه.

11

ولذلك أرجع المُفسِّرون حَمْلَ المعنى على الصَّغائر -وهي ذنوب حقيقيَّة ولا شكَّ- إلى الَّذين قالوا بجواز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؛ فقال القرطبيُّ في [الجامع]: <وَقِيلَ: لِذَنْبِ نَفْسِكَ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ الصَّغَائِرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ> اهـ؛ وقال الكلبيُّ في [التَّسهيل لعلوم التَّنزيل]: <وقيل أكل عمدًا وهي معصية صُغرى وهذا عند مَن أجاز على الأنبياء الصَّغائر> اهـ.

12

وأوَّل غيرُهم مِن العُلماء ما ورد في النُّصوص مِن ذلك لضرورة أنَّهم كانوا يرَون أنَّ الشَّرع لا يُجوِّز الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؛ هذا منشأ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر ولكُلِّ مدرسة مِن المدرستَين قواعد يرجع أهلها إليها واستدلالات يقبلون بها ولكنَّهم لا يُكفِّرون ويُبدِّعون ويُضلِّلون إخوانهم لمُجرَّد الاختلاف معهم في هذه المسألة.

13

واختصر القرطبيُّ في الجامع طريقتَي أهل السُّنَّة في العصمة فقال: <وقيل: (لذنب نفسك) على مَن يجوِّز الصَّغائر على الأنبياء. ومَن قال لا تجوز قال: (هذا تعبُّد للنَّبيِّ عليه السَّلام بدُعاء)> إلى قوله: <فاستغفرِ اللهَ مِن ذنبٍ صدر منك قبل النُّبوَّة> اهـ ومَن فهم هذه السُّطور فهم مذهب أهل الحقِّ.

14

وقد قال العُلماء: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُختلف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا اهـ؛ فلماذا يُقال إنَّ تكرار الصَّغائر وكثرتها مُمتنع عن الأنبياء إلَّا لأنَّ العُلماء قالوا بوقوع بعض الصَّغائر منهم حقيقةً؛ ولهذا قال الذَّهبي في [المُنتقى مِن منهاج الاعتدال]: <وَعَامَّة الْجُمْهُور الَّذين يُجوِّزون عَلَيْهِم الصَّغَائِر يَقُولُونَ إِنَّهُم معصومون مِن الإقرار عَلَيْهَا> اهـ.

15

ولا أدري مَن أخبر أهل الفتنة أنَّ مَن كان يعتقد وقوع النَّبيِّ في ذنب صغير -ليس فيه خسَّة غفره الله له- لن يستطيع الرَّدَّ لو قال له كافرٌ: <إنَّ أفعال نبيِّك ليست كلُّها حسنة>! ولو كان ذَا عِلم لقال: إنَّ الأنبياء معصومون عن الإصرار على ذنب على تقدير وقوعهم فيه ولهذا فكُلُّ أفعالهم الَّتي يُقِرُّون عليها حَسَنَةٌ؛ وبهذا يزول الإشكال الَّذي لم يفطن الجَهَلَة إلى جوابه.

16

وقد قدَّمنا أنَّ عصمة الأنبياء عليهم السَّلام لا تقتضي امتناع الصَّغائر الَّتي لا تُزري بالأنبياء كما بيَّن ذلك إمامنا أبو الحسن الأشعريُّ بقوله: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> اهـ؛ وقال: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اهـ.

17

وقد عجبتُ لأهل الفتنة يقولون إنَّه لا يوجد دليل قطعيٌّ على أنَّ المُراد هو ظاهر الآيات: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولو سألتَه ما الدَّليل على ضرورة تأويل ظاهرها عند الجُمهور وهو جائز عنده؟ لانقطع، إذ لم يكن تكلَّم عن عِلم إنَّما عن فهم أمثاله مِن الجَهَلَة المُتصولحة الَّذين تعلَّموا في كُلِّ فنٍّ كلمتَين فظنُّوا أنَّهم تجاوزوا الفرقدَين!

18

ولا يُؤيِّدهم في تحريفهم مذهبَ الجُمهور ما ذكره بعض العُلماء مِن تأويلات لهذه الآيات؛ ومتى كان أمثال هذا العامِّيِّ أعلم -بأحسن المعاني الَّتي تُحمل عليها آيات كتاب الله- مِن المُجتهدين مِن أئمَّة السَّلف الصَّالح كمالك والشَّافعيِّ وأحمد والطَّبريِّ والأشعريِّ؛ وهل يُرَدُّ قول كُلِّ أولئك أو يُبدَّع ويُضلَّل مَن أخذ بأقوالهم لأجل كلام ينقله غير الثِّقة عن مثله! نعوذ بالله.

19

فإنْ أخذ بعض العُلماء بغير قول الجُمهور فهذا لا يعني أنْ نُوافق على سوق كلامهم في سياق إبطال قول الجُمهور والطَّعن بدين مَن أخذ به أو تبديعه وتضليله وتكفيره بل وهؤلاء لا يبلغون رُتَب مَن قدَّمنا أسماءهم مِن المُجتهدين فالمسألة لا تقف عند حسن الظَّنِّ كما قال بعض أهل الفتنة بل العبرة بموافقة النُّصوص على قواعد علم الأُصول عند أهل السُّنَّة والجماعة.

20

إنَّ المُتنطِّعين إلى الكلام في أصل الخلاف بين عُلماء أهل السُّنَّة حرَّفوا المبحث مِن بيان مذاهبهم في المسألة إلى نزاع يُراد منه إبطال قول الجمهور حتَّى وصل الغلوُّ بهم إلى التَّكفير بغير حقٍّ والعياذ بالله؛ فإيَّاكم وما ينقله أهل الفتنة عن مشايخ في موريتانيا لأنَّ كُلَّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مئة شرط كما أنَّ النَّاقل ليس بثقة ليُؤتمن في نقله عنهم.

21

وزعم بعض أهل الفتنة أنَّ كُفَّار قريش ما نسبوا للنَّبيِّ ذنبًا وهذه أُغلوطة كبيرة بل لمَّا دعاهم إلى الحقِّ حاربوه وكذَّبوا بدعوته وردُّوه وقالوا يُفرِّق بين الرَّجُل وزوجه وغير ذلك فلمَّا خطَّأناه وأنكرنا عليه كيف يُبرِّئُهم ممَّا افترَوا به على نبيِّنا عليه السَّلام أراد تدارُك السَّقْطة بأنْ يقلبَها عن جهتها ويصرفَها إلى غير معناها، فرضيَ الله عن سيِّدنا عُمرَ لمَّا قال لبعض مَن فَعَل مِثل ذلك: <اِقْلِبْ قَلَّابُ>.

22

وكان الصَّواب أنْ يقول كما علَّمنا مشايخُنا أنْ نقول: إنَّ كُفَّار قريش ما جرَّبوا على النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام إلَّا صدقًا وأمانة؛ لم يُجرِّبوا عليه كذبة واحدة ولا خيانة ولا رذيلة قطُّ ليطعنوا بها فيه فلجأوا إلى الكذب عليه فاتَّهموه بذلك كاذبين مُفترين، وبين عبارة ذلك المُتسرِّع وبين عبارة المشايخ فرق كبير لمَن رزقه الله فهمَ اللُّغة وأعطاه التَّعبير السَّليم المُوافق لدين الله.

23

واعجَبْ مِن قول بعض أهل الفتنة: (لو فهم كُفَّار قريش أنَّ مُحمَّدا عصى ربَّه لطاروا فرحًا)؛ وهذا رأيٌ عجيب لا يصدر إلَّا عمَّن لم يسأل نفسه ولم يتفكَّر كيف يفرحون بالذَّنب والآية تُخبر عن غُفرانه بل ولا يصدر إلَّا عمَّن ظنَّ أنَّ كُفَّار قريشٍ عندهم اعتقاد بعصمة الأنبياء مِن الذُّنوب! فهل انتبهتَ أخي القارئ كيف أنَّ العامِّيَّ إنْ تنطَّعَ لغير رُتبته يصرخ على نفسه بالجهل!

24

ولو كان كُفَّار قريشٍ يفرحون بنسبة ذنب أو معصية لنبيٍّ أو رسول لطاروا فرحًا بنسبة المعصية لآدم عليه وعلى نبيِّنا الصَّلاة والسَّلام؛ أم أنَّ المُتسرِّع ظنَّ أنَّهم حملوها على ترك الأَوْلى لقولهم بعصمة الأنبياء حتَّى مِن كُلِّ صغيرة لا خسَّة فيها؟ أم قد عَلِم المُتسرِّع علمًا لم يخالطْه شكٌّ أنَّ كُفَّار قريشٍ كانوا يعتقدون استحقاق العذاب على المُذنب ولو تاب وأناب!

25

وليتَ المُتسرِّع تفكَّر في الزَّمان الَّذي نزلت فيه هذه الآيات فرُبَّما اختلفوا في زمان نزولها وأقلُّ ما يدعوه إلى ذلك قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فقد قيل إنَّها نزلت لمَّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الحُديبية في سنة ستٍّ مِن الهجرة ولا يخفى ما كانت فيه قريش مِن الهوان والضَّعف بعد ذلك حتَّى كان فتح مكَّة سنة ثمانٍّ مِن الهجرة.

26

ثُمَّ هل كان كُفَّار قريش فقهاءَ مُجتهدين حتَّى يُحيطوا علمًا بكُلِّ ما هو حرام وليُميِّزوا بين المعصية وغيرها ممَّا هو دون الشِّرك بالله! وهل يزعم عاقل أنَّه فُتِح على كُفَّار قريش بفهم كتاب الله وتدبُّره! أم هل يزعم صاحب فهم سليم أنَّ فهم كُفَّار قريش للعربيَّة جعلهم يفطنون إلى تفاصيل الشَّريعة وفروع العقيدة الَّتي لم يفطن له جُمهور العُلماء وفيهم المُجتهدون الكبار!

27

فمَن أراد السَّلامة لا يطعن بقولٍ صحَّ عن مثل الشَّافعيِّ ليلتحق بقول مُعاصر مُتنطِّع ومَن أراد السَّلامة لا يقول بما مُؤدَّاه تكفير ما لا يُحصى مِن العُلماء بل فليلزم ما تلقَّاه مِن العِلم وليثبُتْ عليه ولا يظنَّن أنَّ كثرة النُّقول مِن هُنا وهُنا تجعل الخلاف إجماعًا أو الضَّعيف قويًّا أو المرجوح راجحًا، وليذكر دائمًا أنَّ كُلَّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مئة شرط.

نهاية المقال.

Apr 10, 2019, 1:31 AM

رأس الفتنة يُكفِّر عُلماء الإسلام الجزء 20:

يوسف الدَّنمركيُّ يُكفِّر أُمَّ المؤمنين سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فقد زعم يوسف ميناوي أنَّ مِن الكُفر المُخرج مِن المِلَّة عند بعض الأئمَّة (مُجرَّد) إضافة لفظ الذَّنب بحقِّ نبيٍّ مِن الأنبياء في غير سياق تلاوة وحديث؛ فصار عنده ما لا يُحصى من العُلماء مِن السَّلف والخلف كُفَّارًا بلازم قوله الجائر والعياذ بالله، وفيهم مِن أتباع التَّابعين ومِن التَّابعين ومِن الصَّحابة بل وفيهم بعض أُمَّهات المُؤمنين فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.

روى البُخاريُّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقوم مِن اللَّيل حتَّى تتفطَّر قدماه فقالت عائشة رضي الله عنها: <لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّم مِن ذنبك وما تأخَّر> قال: <أفلا أُحِبُّ أنْ أكون عبدًا شكورًا> الحديث. فقولها <ذنبك> فيه إضافة لفظ الذَّنب بحقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فهل صارت كافرة عند أئمَّة المالكيَّة يا مَن تكذبون وتفترون على المالكيَّة!

بدعة قولهم: مُجرَّد التَّعبير.. إلخ

ونحن في أهل السُّنَّة طالبنا مَن قال بذلك بالتَّراجع عن فتواهم الجائرة، وقد بيَّنَّا لهم أنَّ قولهم (<مُجرَّد> التَّعبير بلفظ ذنب بحقِّ نبيٍّ كفر) معناه بدون أنْ يقترن ذلك بإرادة الطَّعن -أو التَّنقيص أو السَّبِّ أو الشَّتم أو القدح أو الذَّم- وهذا لا يقوله عاقل بخلاف ما لو أضاف الذَّنب مُريدًا التَّنقيص فإنَّه يكفر بلا شكٍّ، فمتى يترك ذلك القول مَن بقيَ عليه مِن قُساة القلوب!؟

بل وكيف يتمسَّكون بهذا القول ويرفضون التَّصريح بأنَّه قول فاسد لا يقول به أهل السُّنَّة والجماعة مع ما بيَّنَّاه لهم مِن مُؤدَّاه كتكفير الجمع الكبير مِن العُلماء وصولًا -والعياذ بالله- إلى تكفير أُمِّ المُؤمنين سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها والَّتي يدَّعون محبَّتها والدِّفاع عنها! فإلى متى هذا المُتفيهق المُتكبِّر عن قبول الحقِّ على المُسلمين يجور والله لا يُحبُّ كُلَّ مُختال فخور.

ويتساءل أهل الفتنة كيف يُنسب للأنبياء ذنبٌ والذَّنب عار؟ وجوابنا أنَّ العار لا يلحق الأنبياءَ لأنَّهم يتوبون فورًا ولا يُصِرُّون على ذنب؛ وقد بيَّن الإمام الأشعريِّ -الَّذي يدَّعون الانتساب إليه زورًا- ذلك فقال كما في [المُجرَّد]: <.. الألطافِ إذَا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اهـ.

نهاية المقال.

Apr 5, 2019, 9:12 AM

إلى أهل الفتنة: عُودوا إلى الحقِّ

فإنَّكم لن تتمكَّنوا مِن الإيقاع بين مشايخ أهل السُّنَّة

عُودوا إلى الحقِّ يا أهل الفتنة فقد تبيَّن لكُلِّ ذي لُبٍّ أنَّكم لستم طُلَّاب عِلم وإنَّما دعاة إلى الفتنة فقد افتريتم إجماعًا مكذوبًا في مسألة عصمة الأنبياء وكفَّرتمُ المُسلمين <<لمُجرَّد>> التَّعبير بلفظ ذنب بحقِّ نبيٍّ في غير سياق تلاوة أو حديث أي ولو على غير سبيل الذَّم فوقع تحت تكفيركم الجائر ما لا يُحصى من أئمَّة السَّلف والخلف الَّذين طَفَحَتْ كتبُهم بمثل ذلك في مقام بيان اختلاف عُلماء أهل السُّنَّة في عصمة الأنبياء مِن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها وكفى بذلك صارخًا بين النَّاس أنَّكم مِن الجَهَلَة على التَّحقيق.

عُودوا إلى الحقِّ يا أهل الفتنة فقد تبيَّن لكُلِّ ذي نظر كيف سحقت جيوش الأدلَّة السُّنِّيَّة شبهاتكم الواهية وأنَّكم مُتفرِّغون للكيد لأهل السُّنَّة مِن جماعة الإمام الهرريِّ رضي الله عنه؛ ذلك العالِم العامِل الَّذي تُخالفونه عامِدين ولو ادَّعيتم غير ذلك مكرًا بُغية إيقاع النَّاس في الزَّيغ والضَّلال والظُّلم والبغي، فكُلُّ أحدٍ يعرف أنَّكم تُخالفونه مِن حيث تُخالفون كبار المشايخ وهم ورثة عِلمه ورافعو لوائه في اتِّباع نبيِّنا عليه السَّلام في أربع جهات الأرض وهم عُمدة الدَّعوة المُحمَّديَّة اليومَ وغدًا بإذن الله تعالى ولو كره الكارهون.

عُودوا إلى الحقِّ يا أهل الفتنة فقد تبيَّن لكُلِّ أحد كيف تسكتون عن أهل الأهواء مِن الوهَّابيَّة والإخونجيَّة الَّذين يحرِّضونكم لضرب الأشاعرة والإيقاع بين مشايخ أهل السُّنَّة في الوطن العربيِّ وغيره ولهذا تخصَّصتم بإنكار أقوال الإمام الهرريِّ وخدعتم بعض المشايخ في مصر وغيرها بأسئلة افتقرت إلى البيان والتَّحقيق وموَّهتم بالأجوبة على البُسطاء؛ ولأنَّكم صرتم معروفين بهذه الفتنة فالكُلُّ ينتظر منكم جديدًا في السُّكوت عن التَّحذير مِن أهل الأهواء ومحاولة شقِّ صفوف الأشاعرة سيوف أهل السُّنَّة.

نهاية المقال.

Apr 3, 2019, 8:13 AM

أضف تعليق