حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 41؛ 42؛ 43؛ 44 و45
بيان أنَّ قولهم (وليس هو ترك المُكايسة) هو في المُسترسل الجاهل بالقيمة
يُتابع الباجي فيقول: <وَفِي الْوَاضِحَةِ تُسْتَحَبُّ الْمُسَامَحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ تَرْكَ الْمُكَايَسَةِ فِيهِ إنَّمَا هِيَ تَرْكُ الْمُوَارَبَةِ وَالْمُضَاجَرَةِ وَالْكَزَازَةِ وَالرِّضَا بِالْإِحْسَانِ وَيَسِيرِ الرِّبْحِ، وَحُسْنُ الطَّلَبِ بِالثَّمَنِ..> إلى أنْ قال: <وَالْمُسَامَحَةُ مِنْ الْمُبْتَاعِ فِي أَنْ يَقْضِيَ أَفْضَلَ ما يَجِدُ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّ أَفْضَلَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) وَيُعَجِّلُ الْقَضَاءَ وَلَا يَبْلُغُ الْمَطْلَ فَهُوَ قَوْلُهُ سَمْحًا إنْ قَضَى، وَلَا يُعَنِّفُ فِي سُرْعَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ> انتهى.
فانظر قوله أوَّلًا: <تُسْتَحَبُّ الْمُسَامَحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ> وتذكَّر كلامَه آنفًا حيث قال: <يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّمَاحَةِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الْمُسَامَحَةَ فِي الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ وَلَا يُشْطِطْ بِطَلَبِ أَكْثَرَ مِنْهَا> وتأمَّل قوله أخيرًا: <إنَّمَا هِيَ تَرْكُ الْمُوَارَبَةِ وَالْمُضَاجَرَةِ وَالْكَزَازَةِ وَالرِّضَا بِالْإِحْسَانِ وَيَسِيرِ الرِّبْحِ> ثُمَّ تابع القراءة. وهُنا قد تسأل ألَا تتناقض المُماكسة الَّتي هي استحطاطُ سِعرٍ ومُضايقةٌ وطمعٌ في مزيدٍ مِن الرِّبح مع ما ذَكَرَه مِن استحباب ترك الطَّمع والسُّهولة والمُسامحة!؟
والجواب: أنَّ الَّذي يُلاحظ سِياق الكلام يجد أنَّهم يبنون على ما سبق الكلام عنه مِن المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع كثُر بين النَّاس الدُّخول في المُعاملة فيها على سبيل الغَشِّ والظُّلم -ولم يكن الكلام على إطلاقه- فكأنَّه يقول: وليس معنى المُسامحة في البَيع والشِّراء ترك المُكايسة حتَّى للمُسترسِل الجاهل بالقيمة مع مَن يُريد أنْ يغشَّه وأنْ يغبنه الغُبْن الفاحش، وإلَّا فقد علمتَ أنَّ الشُّحَّ نقيض الكرم وأنَّ المُضايقة نقيض السُّهولة وبهذا يزول الإشكال والحمدلله.
بيان أنَّ قول أحمد (اشترِ وماكس) هو في المُسترسل الجاهل بالقيمة
فإذَا انكشف لك -أخي القارئ- ما سبق بيانه؛ فاقرأ ما قاله بعض فُقهاء الحنابلة في ذلك في أثناء كلامهم عن المُفاضلة بين تلك الأنواع مِن البُيوع؛ لأنَّك متى علمتَ محلَّ الكلام سهُل عليك فهم قيده وأنَّه ليس على إطلاقه كما قد يتوهَّم مَن لا بصيرة عنده.
قول ابن مفلح الحنبليِّ في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع
قال ابن مفلح الحنبليُّ في [الْمُبْدِعِ فِي شَرْحِ الْمُقْنِعِ]: <قَالَ أَحْمَدُ: اشْتَرِ وَمَاكِسْ قَالَ: وَالْمُسَاوَمَةُ أَسْهَلُ مِنَ الْمُرَابَحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَا يَأْمَنُ الْهَوَى> انتهى؛ وهو واضح في بيان أنَّ قول أحمد رضي الله عنه اشترِ وماكس هو في المُسترسل الجاهل بالقيمة.
قول البُهوتيِّ الحنبليِّ في المُسترسل والمغبون
وقال البُهُوتيُّ الحنبليُّ في [كَشَّافَ الْقِنَاعِ عَنْ الْإِقْنَاع]: <(الْمُسْتَرْسِلُ وَهُوَ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ اسْتَرْسَلَ إذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ وَالْمُرَادُ هُنَا (الْجَاهِلُ بِالْقِيمَةِ مِنْ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُمَاكِسَ فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ) أَيْ الَّذِي يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ لِأَنَّهُ حَصَلَ لِجَهْلِهِ الْخِيَارَ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ> انتهى.
فهو صريح فيما قدَّمنا له مِن أنَّ قول أحمد إنَّما هو في المُسترسل أي الجاهل بالقيمة؛ ألَا ترى كيف قال: <وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَاهِلُ بِالْقِيمَةِ> فهذا واضح في أنَّ المُراد بكلام أحمد هو الجاهل بالقيمة إذَا أُريد له الغُبن الفاحش وليس المُراد على الإطلاق في كُلِّ حال كما توهَّم البعض أصلحهم الله.
قول الزرقانيِّ المالكيِّ في استحباب الرِّضا بقليل الرِّبح
وهاك المزيد مِن أقوال العُلماء يُؤكِّد ما قلناه وشرحناه لك مِن العبارة:
قال الزرقانيُّ المالكيُّ في شرحه على المُوطَّأ: <أَحَبَّ اللَّهُ (عَبْدًا) أَيْ إِنْسَانًا (سَمْحًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مِنَ السَّمَاحَةِ وَهِيَ الْجُودُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ (إِنْ بَاعَ) بِأَنْ يَرْضَى بِقَلِيلِ الرِّبْحِ (سَمْحًا إِنِ ابْتَاعَ سَمْحًا إِنْ قَضَى) أَيْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ وَيَقْضِي أَفْضَلَ مَا يَجِدُ وَيُعَجِّلُ الْقَضَاءَ> انتهى.
قول ابن المُلقِّن الشَّافعيِّ في استحباب الرِّضا بقليل الرِّبح
وأختم لك بما قاله ابن المُلقِّن الشَّافعيُّ في [التَّوضيح لشرح الجامع الصَّحيح]: <وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا اقْتَضَى) جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: <وَإِذَا أَقْضَى> وَفِي أُخْرَى: <خُذْ حَقَّكَ فِي عَفَافٍ وَافِيًا أَوْ غَيْرَ وَافٍ> وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مَرْفُوعًا. وَفِي رِوَايَةٍ: <إِذَا اقْتُضِيَ لَهُ> وَفِيهِ: الْحَضُّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ -كَمَا تَرْجَمَ لَهُ- وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالِ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَمَكَارِمِهَا، وَتَرْكِ الْمُشَاحَّةِ فِي الْبَيْعِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْبَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحُضُّ أُمَّتَهُ إِلَّاَ عَلَى مَا فِيهِ النَّفْعُ لَهُمْ دِينًا وَدُنْيَا. فَأَمَّا فَضْلُهُ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ دَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ لِفَاعِلِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ تَنَالَهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ فَلْيَقْتَدِ بِهِ وَيَعْمَلْ بِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (وَإِذَا اقْتَضَى) حَضَّ عَلَى تَرْكِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ طَلَبِ الْحُقُوقِ وَأَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ السَّالِفُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَفِيهِ الْأَمْرُ بِحُسْنِ الْمُطَالَبَةِ وَإِنْ قُبِضَ دُونَ حَقِّهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ مِنَ الْفَضْلِ مَا سَتَعْلَمُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ> انتهى فلا يبقى إلَّا أنْ يكون معنى <وكانوا يُحبُّون المُكايسة في الشِّراء> تجنُّب الوقوع في الغُبْن الفاحش لأنَّ المغبون لا أجر له فيما يدفع مِن زيادة على سعر المِثل.
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
Jul 26, 2019, 7:45 PM
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 36؛ 37؛ 38؛ 39 و40
بيان كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع
وقد تكلَّم بعض المالكيَّة على بَيع المُماكسة والمُضايقة وكونه أحسن مِن أنواع أُخرى مِن بُيوع شاع بَين العامَّة طرقها أبوابها على سبيل الغَشِّ وظُلم المُشتري؛ فاستحسنوا الأوَّل على الثَّاني ولم يستحسنوا الأوَّل على الإطلاق بل كان الكلام في قيد محلُّه (((المُفاضلة))) بين المُضايقة أو المُماكسة وبين أنواع مِن البُيوع ذكرت صفتها آنفًا؛ فعلى القارئ أنْ يكون نبيهًا إذَا أراد القراءة في كُتُب العُلماء كي لا يُوقعه فهمه -القاصر عن بلوغ المعنى وإدراك المُراد- في تحريف شرع الله وهو لا يشعر؛ ونحن إنْ شاء الله تعالى نشرع في ذكر كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع لنُبيِّن ما أشكل على البعض بإذن الواحد القهَّار.
جواب شبهة في كلام بعض المالكيَّة
هذا وقد توهَّم البعض -أصلحهم الله- أنَّ المالكيَّة يقولون إنَّ المُماكسة شيء مُستحَبٌّ أو مندوب أو سُنَّة؛ وقد توهَّموا ذلك مِن نُقول نقلوها عن بعض أعلام المذهب المالكيِّ لم يفهموا محلَّ الكلام عليها فأدَّاهم ذلك إلى عدم فهم خُلاصتها. وحِرصًا منَّا على الإنصاف وإصابة الحقِّ ننقل بعض النُّصوص ونقف على بيان ما جاء فيها:
بيان محلِّ كلام ابن رُشد الجدِّ في المُماكسة
وأنَّه في تفضيلها على الاسترسال لا في استحسانها مُطلقًا
قال أبو الوليد القُرطبيُّ -وهو ابنُ رُشد الجَدُّ- في [المُقدِّمات المُمهِّدات]: <فصل وأمَّا بيع الاستئمانة والاسترسال، فهو أنْ يقول الرَّجُل: اشترِ منِّي سِلعتي كما تشتري مِن النَّاس، فإنِّي لا أعلم القيمة، فيشتري منه بما يُعطيه مِن الثَّمن، وقال ابن حبيب: إنَّ الاسترسال إنَّما يكون في البَيع أنْ يقول الرَّجُل للرَّجُل: بِعْ منِّي كما تبيع مِن النَّاس وأمَّا في الشِّراء فلا، ولا فرقَ بَين الشِّراء والبَيع في هذا، والله أعلم. [فصل] فالبَيع والشِّراء على هذا الوجه جائز، إلَّا أنَّ البَيع على المُكايسة أحَبُّ إلى أهل العِلم وأحسن عندهم والقيام بالغُبن في البَيع والشِّراء إذَا كان على الاسترسال والاستئمانة واجب بإجماع؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (غُبْن المُسترسل ظُلم) وبالله سُبحانه وتعالى التَّوفيق>.
فتلاحظ -أخي القارئ- أنَّ كلام ابن رُشد إنَّما هو محصور في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع يدخل بعضها ما يدخل مِن الغُبن والكذب والخِداع ممَّا يُؤدِّي لظُلم المُشتري ولذلك عبَّر أبو الوليد القرطبيُّ بقوله: <فالبَيع والشِّراء على هذا الوجه جائز، إلَّا أنَّ البَيع على المُكايسة أحَبُّ إلى أهل العِلم وأحسنُ عندهم> أي مِن البُيوع الأُخرى الَّتي ذكرها لا مُطلقًا. وأترك لك أخي القارئ أنْ تتأمَّل ما قاله الخرشيُّ والعَدوي -فيما يلي- لتلحظ صدق ما حقَّقناه:
قول الخرشيِّ في أنَّ الكلام في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع
قال الخرشيُّ في شرحه على [مُختصر خليل]: <وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَالْأَحَبُّ خِلَافُهُ) يُرِيدُ الْمُسَاوَمَةَ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْبَيْعُ عَلَى الْمُكَايَسَةِ، وَالْمُمَاكَسَةُ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَحْسَنُ عِنْدَهُمْ>، قال المُحشِّي وهو العَدوي: <وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَابَحَةَ جَائِزَةٌ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهَةٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِاصْطِلَاحِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ (يُرِيدُ الْمُسَاوَمَةَ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسَاوَمَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُرَابَحَةِ وَالْمُزَايَدَةِ، وَالِاسْتِيمَان> انتهى.
فأنت -اخي القارئ- ترى أنَّ الأمر محصور في المُفاضلة بين أنواع من البُيوع ولم يقصدوا أنَّ المُكايسة والمُماكسة سُنَّة نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام.
قول عِلِّيش في أنَّ الكلام في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع
يُؤكِّد لك ذلك ما ورد في [منح الجليل] شرح [مُختصر خليل]: <(وَالْأَحَبُّ) أَيْ الْأَحْسَنُ الْأَوْلَى (خِلَافُهُ) أَيْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَالْمُرَادُ بِخِلَافِهِ بَيْعُ الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُسَاوَمَةِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْبَيْعُ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُكَايَسَةِ أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَحْسَنُ عِنْدَهُمْ وَعِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْبُيُوعُ بِاعْتِبَارِ صُوَرِهَا أَرْبَعَةٌ، بَيْعُ مُسَاوِمَةٍ وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَبَيْعُ مُزَايَدَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ وَهُوَ أَضْيَقُهَا، وَبَيْعُ اسْتِرْسَالٍ وَاسْتِمَالَةٍ> انتهى فانظر كيف وضع عبارة ابن رُشد في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع ولم يجعله عامًّا ولا مطلقًا.
وانظر -أخي القارئ- بعين المُنصف وتأمَّلِ النَّقْل التَّالي:
قول الباجي في استحباب المُسامحة في الثَّمن
قال أبو الوليد الباجي في [المُنتقى]: <قَوْلُهُ (أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إنْ بَاعَ سَمْحًا إنْ ابْتَاعَ) يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّمَاحَةِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ الْمُسَامَحَةَ فِي الثَّمَنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ وَلَا يُشْطِطْ بِطَلَبِ أَكْثَرَ مِنْهَا وَيَتَجَاوَزُ فِي النَّقْدِ وَأَنْ يُنْظِرَ بِالثَّمَن> انتهى كلامه؛ فتعلَمُ بذلك صحَّة ما نحن بصدده مِن معنى السَّماحة في البَيع وأنَّها ترك المُماكسة والمُضايقة والمُشاحَّة فيه.
مقال الغد: بيان أنَّ قولهم (وليس هو ترك المُكايسة) هو في المُسترسل الجاهل بالقيمة
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
Jul 22, 2019, 5:40 PM
أبيات في محبَّة الشَّيخ مُحمَّد صابونة رحمه الله في ذكرى رحيله. #
1. أُوْتِيْتَ خُلْقَ التَّهَنِّيْ ~ وَخَاطِرَ الْمُطْمَئِنِّ
2. وَكُنْتَ أَقْرَبَ خَيْرًا ~ إِلَيَّ يَا شَيْخُ مِنِّيْ
3. لَمَّا رَأَيْتُكَ يَوْمًا ~ فَالْهَمُّ قَدْ زَالَ عَنِّيْ
4. يَا شَيْخَنَا لَكَ طُوْبَىْ ~ بَرِئْتَ مِنْ سُوْءِ ظَنِّ
5. فِيْكَ الصَّفَا كَانَ طَبْعًا ~ لَا بِالْهَوَىْ وَالتَّمَنِّيْ
6. أَنَا شَدَوْتُكَ حُبًّا ~ وَفِيْكَ صَحَّ التَّغَنِّيْ
7. وَلَا أُرِيْدُ بُكَاءً ~ وَاللهِ لَكِنْ كَأَنِّيْ..
– شعر لطيف الشَّامي.
Jul 21, 2019, 4:10 AM
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 31؛ 32؛ 33؛ 34 35
دفع شُبهة مِن المدخل لابن الحاجِّ
هذا وقد توهَّم بعضهم حُكمًا مغلوطًا لدى قراءته في [المدخل] لابن الحاجِّ المالكيِّ؛ فإنَّه قال: <فلا حرج في المُساومة بالزِّيادة والنُّقصان فلا كراهة في ذلك بل هو مشروع مُستحبٌّ لِمَا ورد في الحديث (مَاكِسُوا الْبَاعَةَ فَإِنَّ فِيهِمْ الْأَرْذَلِينَ)> انتهى وهذا الكلام لا يصحُّ هكذا على إطلاقه ولكنَّ كلام ابن الحاجِّ كان في معاملة التُّجَّار الَّذين يغُشُّون النَّاس في البَيع والشِّراء.
مِن هُنا فيُحمَل كلام ابن الحاجِّ على مُعاملة التجار الذين يغبنون الناس ويغشونهم بدليل أنه قبل سطور كان ذكر حديث النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام <مَن غشَّنا فليس مِنَّا> ثُمَّ قال: <فإن هو غش في شيء مما ذكر أو ما أشبهه فقد دخل والعياذ بالله في القسم الذي تبرأ منه صاحب الشريعة..> انتهى ثُمَّ عكف على ذِكر بعض أساليب الغَشِّ الَّذي يستعملونه.
ومتى قرأتَ حديث <ماكسوا الباعة> فاعلم أنَّه ضعيف وأنَّ محلَّه في الكلام عمَّن يُريد أنْ يغبِن ويخدع النَّاس في البَيع والشِّراء لا مُطلقًا؛ فإيَّاكم أنْ تهجموا على القراءة بدون مُعلِّم؛ ويكفي في فهم محلِّ الحديث المذكور قول الهيتميِّ: <يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ مُحَابَاةً لِلَّهِ فَهَذَا يَنْبَغِي لَهُ مُمَاكَسَتُهُمْ دُونَ مَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ لَكِنْ الْأَوْجَهُ أَنَّ قَصْدَ الْمُحَابَاةِ سُنَّةٌ مُطْلَقًا..> انتهى.
دفع شُبهة في خبر يُروى عن مُحمَّد بن واسع
فلمَّا ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم النَّهيُ عن المُماكسة عَلِمنا أنَّه لا حُجَّة بعد ذلك في فِعل تابعيٍّ ولا في قوله إذَا خالف مَا جاء عن النَّبيِّ عليه السَّلام. وما جاء عن التَّابعيِّ مُحمَّد بن واسع أنَّه ماكس بقَّالًا وقال: (تركُ المِكَاسِ غُبْنٌ) فهذا -لو كان ثابتًا- يحتمل أنَّه فيمَن يقصد غُبن المُشتري وخداعه فكيف لو لم يكن ثابتًا بالمرَّة؛ وثبوته يحتاج إلى شهادة حافظ.
واعلم -أخي القارئ- إنَّ أحكام الشَّرع لا تُؤخَذ مِن أفواه القصَّاصِين فلا ينبغي على طالب الحقِّ أن يترك ما ثبت عن النَبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام ليأخذ بخبر عن تابعيٍّ لا هو علِم صحَّة الرِّواية إليه ولا هو عرف سياق ما يُنقل مِن قوله وفعله؛ بل وحيث وجدتَهم يذكرون الغُبن فاعلم أنَّ محلَّ الكلام ليس على إطلاقه وإنَّما بقيد مُعاملة المُخادعِين والظَّالمين.
وعلى مثل ما قدَّمنا له حمل الماوردي الشَّافعيُّ ما جاء عن السَّلف وأهل المُروءة في القَصَص والحكايات الَّتي لم تُنقل بأسانيد صحيحة فقال: <وهذا إنَّما يسوغ مِن أهل المُروءة في دفع ما يُخادعهم به الأدنياء ويُغابنهم به الأشحَّاء؛ وهكذا كانت حال عبدالله بن جعفر؛ فأمَّا مُماكسة الاستنزال والاستسماح؛ فكلَّا؛ لأنَّه مُنافٍ للكرم ومُباين للمُروءة> انتهى.
بيان أنَّ أهل العلم كانوا يرَون ترك المُماكسة فضيلة ومكرمة
واعلم -أخي القارئ- أنَّ فعل المُجتهد ليس حُجَّة فكيف بخبر ضعيف في كتاب لا يشترط مُصنِّفه الصِّحَّة فيما ينقل فيه مِن الرِّوايات والقَصَص والحكايات؛ بل المُعتمَد ما صحَّ عن رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام فكيف يُرى في خبر ابن واسع رحمه الله حُجَّة وفي مُقابله ما ينقضه مِن أخبار التَّابعين ممَّا قدمناه؛ فهذا مُحمَّد بن زياد -وكان مِن الطَّبقة الأُولى في التَّابعين- يقول عنه الثِّقة بقيَّة: <أَعْطَانِي مُحمَّد بن زياد دِينَارًا فَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ زَيْتًا وَلَا تُمَاكِسْ، فَإِنِّي أَدْرَكْتُ الْقَوْمَ فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمُ الْبِضَاعَةَ لَمْ يُمَاكِسْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِيهِ> انتهى من [حلية الأولياء] وغيره.
بيان سبب اختبار رشد الصَّبيِّ ولد التَّاجر في المُماكسة
واعلم أنَّ الرُّشْد يكون في الدِّين وفي المال ولذلك قال بعض الفُقهاء: <يُعرف رُشد الصَّبيِّ وَلَدِ التَّاجر باختباره في البَيع والشِّراء والمُماكسة فيهما> انتهى وهذا منهم ليحزروا عقله في الكسب وتحقيق المنفعة والقيام بعمل أبيه أو وليِّه لا ليحزروا فضله وتقواه ومكارم أخلاقه كما توهَّم البعض؛ ذكر الآبي في [نثر الدُّرِّ]: <أنَّ رجُلًا رأى ابنه يُماكِس في شراء سلعة ويُلِحُّ في المُماكسة فقال له: يا بُنَيَّ، كُن سَمْحًا واعلم أنَّ ما تُضيِّعه مِن كرامتك وأنت تُلِحُّ في المُماكسة لا يُعوِّضه المال> انتهى.
براءة الفُقهاء مِن القول باستحباب المُماكسة
فكيف -بعد كُلِّ ما تقدَّم- يتوهَّم مُتوهِّم أنَّ أحدًا مِن فُقهاء الأُمَّة سيُطلق القول باستحباب المُماكسة أو أنَّه قد يدَّعي أنَّها سُنَّةٌ مُحمَّديَّة وخُلُقٌ نبويٌّ! نعوذ بالله مِن الزَّيغ والجهل ومِن أفعال وأقوال المُتكبِّرين عن قبول الحقِّ والأخذ به. وكان العُلماء يُطلقون اسم المُماكسة على هذا النَّوع مِن البُيوع وأحيانًا يُطلقون عليه اسم المُضايقة -وهذا مِن باب تسمية الشَّيء بما فيه- ورُبَّما أطلقوا عليه اسم المُشاحَّة مِن الشُّحِّ أي البُخل؛ فمتى كان فُقهاؤنا يُطلقون القول باستحباب مُضايقة المُؤمن لإخوانه المُؤمنين في بَيع أو شراء!؟ ومتى كانوا يُطلقون القول بمندوبيَّة ما اشتمل على البُخل!
مقال الغد: بيان كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
Jul 16, 2019, 10:35 AM
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 26؛ 27؛ 28؛ 29 و30
ابن حجر ينقل أنَّ قصَّة جابر جَرَتْ كلُّها على وجه الرِّفق به
ونقل الحافظ في [الفتح] أنَّ: <الْقِصَّةَ جَرَتْ كُلُّهَا عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ وَالرِّفْقِ بِجَابِرٍ> وقال: <وَسَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى نَحْوِ هَذَا وَزَعَمَ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِ الْبَيْعِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَبَرَّ جَابِرًا عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ طَمَعٌ فِي مِثْلِهِ فَبَايَعَهُ فِي جَمَلِهِ عَلَى اسْمِ الْبَيْعِ لِيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ بِرُّهُ وَيَبْقَى الْبَعِيرُ قَائِمًا عَلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَهْنَأَ لِمَعْرُوفِهِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَمْرُهُ بِلَالًا أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى الثَّمَنِ زِيَادَةً مُهِمَّةً فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ زِيَادَةَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِهِ تَأْمِيلٌ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ> انتهى.
فوائد لطيفة للحافظ السُّهَيليِّ في قصة جابر
وقال الحافظ في [الفتح] كذلك: <وَأَبْدَى السُّهَيْلِيُّ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ مُنَاسَبَةً لَطِيفَةً غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُلَخَّصُهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَ جَابِرًا بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ بِأُحُدٍ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ وَقَالَ: (مَا تَشْتَهِي فَأَزِيدُكَ) أَكَّدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ بِمَا يَشْتَهِيهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْجَمَلَ وَهُوَ مَطِيَّتُهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ وَفَّرَ عَلَيْهِ الْجَمَلَ وَالثَّمَنَ وَزَادَهُ عَلَى الثَّمَنِ كَمَا اشْتَرَى اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ بِثَمَنٍ هُوَ الْجَنَّةُ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَزَادَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}> انتهى. وفي شرح القسطلانيِّ: <أكد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر بما يُشْبِهُه> وفي [الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام]: <فأكَّد الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الخبر بما يَشْتَبِهُهُ>.
السُّهيليُّ يُوضح أنَّ أعمال النَّبيِّ مقرونة بالحكمة
والخبرُ أنَّ جابرًا كان أبوه عبدُالله قد قُتِلَ يومَ أُحُد فأخبر رسولُ الله جابرًا أنَّ الله قال له: <يا عبدي تمنَّ عليَّ> -ابن ماجهْ- فجمع الحافظ أبو القاسم السُّهَيليُّ المُتوفَّى سنة 581هـ بَين هذا الخبر وبَين حديث جابر؛ فجعل الخبر الثَّاني عَمَلًا على مُقتضى الخبر الأوَّل؛ فقال في [الرَّوض الأُنُف والمَشْرع الرِّوَى فيما اشتمل عليه كتاب السِّيرة واحتوى] ما نصُّه:
<(فصل) ومِن لطيف العِلم في حديث جابر بعد أنْ تعلَم قطعًا أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن يفعل شيئًا عبَثًا بل كانت أفعاله مقرونة بالحكمة ومُؤيَّدة بالعصمة فاشتراؤه الجملَ مِن جابر رضي الله عنه ثُمَّ أعطاه الثَّمن وزاده عليه زيادة؛ ثُمَّ ردَّ الجمل عليه وقد كان يُمكن أنْ يعطيه ذلك العطاء دون مُساومة في الجمَل ولا اشتراءٍ ولا شرطٍ ولا توصيلٍ فالحكمة في ذلك بديعة جدًّا فلتُنظر بعين الاعتبار وذلك أنَّه سألَه: <هل تزوَّجت؟> ثُمَّ قال له: <هلَّا بِكرًا> فذكر له مقتل أبيه؛ وما خلَّف مِن البنات؛ وقد كان عليه السَّلام قد أخبر جابرًا بأنَّ الله قد أحيا أباه وردَّ عليه روحه وقال: (ما تشتهي فأزيدك). فأكَّد عليه السَّلام هذا الخبر بمثل ما يُشبهه فاشترى منه الجمَل وهو مطيَّته؛ كما اشترى اللهُ تعالى مِن أبيه ومِن الشُّهداء أنفسَهم بثمن هو الجنَّة -ونفسُ الإنسان مطيَّته كما قال عُمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه (إنَّ نفسي مطيَّتي)- ثُمَّ زادهم زيادة فقال: {لِّلَّذِين أحسنوا الحُسنى وزيادةٌ} ثُمَّ ردَّ عليهم أنفسَهم الَّتي اشترى منهم فقال: {ولا تحسبنَّ الَّذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا}؛ الآية؛ فأشار عليه السَّلام باشترائه الجمَل مِن جابر وإعطائه الثَّمن وزيادتِه على الثَّمن ثُمَّ ردَّ الجمَل المُشترى عليه؛ أشار بذلك كُلِّه إلى تأكيد الخبر الَّذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه؛ فتشاكل الفعل مع الخبر كما تراه؛ وحاشا لأفعاله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ تخلوَ مِن حكمة بل هي كُلُّها ناظرة إلى القُرآن ومُنتزَعة منه> انتهى كلام السُّهَيليِّ.
جواز سَوم السِّلعة بما لا يُشبه أنْ يكون ثمنًا لها
فانظر رحمك الله كيف تكلَّف السُّهَيليُّ بديع الأفكار في شرح كيف أنَّ النَّبيَّ لم يفعل ذلك على وجه البُخل بما لا يضرُّه الاستغناء عنه، وأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يقصد انتقاص الثَّمن ليذهب بالجمل، وكيف أنَّ النَّبيَّ لم يُرِد أنْ يغبِنَ جابرًا حتَّى على تقدير أنَّ النَّبيَّ أعطاه الدِّرهم وهو يعلم أنَّ الدِّرهم لا يُشبه أنْ يكون ثمنًا للجمل وأنَّه إنْ كان الأمر كذلك أي على تقدير ذلك فيُفهم منه جواز المُماكسة ولو شديدة؛ جوازها وليس استحبابها؛ طالما كان البائع والمُشتري عالمَين بسعر المِثل ولم يكن في البَيع تدليس؛ فقال: <فإنْ كان أعطاه الدِّرهم مازحًا فقد كان يمزح ولا يقول إلَّا حقًّا..> إلى آخره.
فائدة نفيسة ثانية للسُّهَيليِّ في بيان حديث جابر
وقال السُّهَيليُّ: <ورُوِيَ مِن وجه صحيح: أنَّه كان يقول له كُلَّما زاد له درهمًا: (قد أخذته بكذا واللهُ يغفر لك) فكأنَّه عليه السَّلام أراد بإعطائه إيَّاه درهمًا درهمًا أنْ يُكثِر استغفاره له> انتهى وهي فائدة نفيسة لو تأمَّلتَ. فأنتَ ترى -أخي القارئ- كيف أنَّ هؤلاء العُلماء ليس بينهم مَن رأى في الحديث مُماكسةَ استنزال مِن النَّبيِّ بقصد أنْ يذهب بجمَل جابر بل هو أكرم الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم بل وكلُّهم يَرَون أنَّه زاد له في العطاء مُحاباة وكرَمًا وتفضُّلًا ومُروءة أو مساعدةً في صُورة مُعاوضة أو تطييبًا لخاطره.
ابن خلدون: المُماكسة بعيدة عن المُروءة
وقال ابن خلدون في مُقدِّمته: <التُّجار في غالب أحوالهم إنَّما يُعانون في البَيع والشِّراء ولا بدَّ فيه مِن المُماكسة ضرورة فإنِ اقتصر عليها اقتصرت به على خُلُقِها وهي أعني خُلُق المماكسة بعيدة عن المُروءة الَّتي تتخلَّق بها المُلوك والأشراف> إلى قوله: <ولذلك تجد أهل الرِّئاسة يتحامَون الاحتراف بهذه الحِرفة لأجل ما يُكسب مِن هذا الخُلُق وقد يُوجد منهم من يَسلم مِن هذا الخُلُق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلَّا أنَّه في النَّادر بين الوجود واللهُ يهدي مَن يشاء بفضله وكرمه وهو ربُّ الأوَّلِين والآخِرين> انتهى.
فانظر -أخي القارئ يرحمك الله- كيف اتَّفق كلام ابن خلدون -المالكيِّ- مع كلام الماوردي -الشَّافعيِّ- في أنَّ المُماكسة مِن خوارم المُروءة وأنَّها خُلُق يتحاشاه أهل الشَّرف لأنَّه مُنافٍ للكَرَم ومُباين للمُروءة؛ فكيف يتجرَّأ مُسلم بعد هذا البيان أنْ يُطلق القول في استحباب المُماكسة! وهُنا قد يلتبس معنى بعض النُّقول في كُتُب العُلماء على مَن يقرأون في كُتُب العِلم مِن غير تلقٍّ مُعتبَر ودون أنْ تُسعفهم أفهامهم إلى إدراك المُراد فنقف على ذلك إنْ شاء الله لقصد بيانه، فمِن ذلك:
تضعيف العُلماء لحديث: ماكسوا الباعة
لا ينبغي أخي المُسلم أن يُشكِل عليك ما رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: <حاكُّوا الباعَة فإنَّه لا ذمَّةَ لهم> فقد ضعَّفه أهل الحديث فقال السَّخاويُّ: <قال شيخنا إنَّه ورد بسنَد ضعيف لكن بلفظ: ماكسوا الباعة فإنَّه لا خَلاق لهم، قال: (وورد بسند قويٍّ عن سُفيان الثَّوريِّ أنَّه قال: كان يُقال: وذكره)> [المقاصد]، وقال السُّيوطيُّ: <(حديث) (حاككوا الباعة فإنَّهم لا ذمَّة لهم) لا أصل له> [زيادة الجامع الصَّغير]، وقد يُقال: لو صحَّ سنده لوجب تأويله بحيث لا يتعارض مع حديث البُخاريِّ الصَّحيح: <رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى>.
وللبيان ألفت نظرك أخي القارئ إلى قول السَّخاويِّ: <وورد بسنَد قويٍّ عن سُفيان الثَّوريِّ أنَّه قال: كان يُقال: وذكره> انتهى، لاحظ قوله: <كان يُقال> لتعرف أنَّه مع صِحَّة السَّنَد إلى سُفيان رضي الله عنه إلَّا أنَّه لم يرفع هذا اللَّفظ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وليس فيه حُجَّة تُقاوِم أو تُعارِض ما مرَّ مِن حَثِّ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام على سماحة البَيع والشِّراء؛ بل وحتَّى على تقدير صحَّته -وليس صحيحًا- فيُحمَل على المُسترسِل الجاهل بالقيمة عند مَن يُريد أنْ يغبنه غُبْنًا فاحشًا.
بيان أفضليَّة التَّسامح في كلام العدْوي الحمزاوي
قال الشَّيخ حسن العدْوي الحمزاويِّ: <وينبغي له أيضًا عدم الشُّحِّ وعدم المُماكسة في البَيع والشِّراء لِمَا ورد إنَّ النَّفقة في الحجِّ كالنَّفقة في الجهاد بسبعين ضِعفًا قال بعضهم اللَّهم إلَّا أنْ يخشى عدم الكفاية. قال العلَّامة خليل في مناسكه وأمَّا في غير الحجِّ فيجوز له المُماكسة مع الباعة لِمَا ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم (ماكِسوا الباعة فإنَّ فيهم الأرذلين) انتهى. قلتُ وهذا منه صلَّى الله عليه وسلَّم إرشاد وبيان للجواز فلا يُنافي أفضليَّة التَّسامح مِن كُلٍّ مِن البائع والمُشتري لصاحبه لِمَا ورد (بارك الله في رجُل إذَا باع باع سمحًا وإذَا اشترى اشترى سمحًا)> انتهى من [كنز المَطالب].
فكلام العدوي صريح في بيان أفضليَّة التَّسامح في البَيع والشِّراء حتَّى إنَّه ما رأى في إمرار المُصنِّف حديث <ماكسوا الباعة> إلَّا بيانًا وإرشادًا لجواز المُماكسة لا إلى استحبابها؛ فكأنَّه يقول لو صحَّ حديث <ماكسوا الباعة> لدلَّ على الجواز وحسب وتبقى الأفضليَّة للتَّسامح ولكنَّك -أخي القارئ- علمتَ أنَّ حديث <ماكسوا الباعة> ضعيف كما بيَّنَّا لك مِن أقوال العُلماء في المقال السَّابق، والضَّعيف لا يردُّ الصَّحيحَ الثَّابتَ روايةً ومعنًى وإنَّما خُصَّ الكلام في استحباب ترك المُماكسة فيما يتعلَّق بعبادة لأنَّه أكثر تأكيدًا كما نقلنا مِن كلام الهيتميِّ في المقال الثاني مِن هذه السِّلسلة المُباركة.
مقال الغد: دفع شُبهة مِن المدخل لابن الحاجِّ
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
Jul 11, 2019, 2:54 PM
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الأجزاء 21؛ 22؛ 23؛ 24 و25
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله. نسأل اللهَ أنْ يرزقنا حُسن النَّوايا.
حديث جابر ليس فيه أنَّ نبيَّنا ماكس بقصد انتقاص الثَّمن
ففي رواية أنَّ النَّبيَّ عليه السَّلام قال لجابر: (أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)؛ وفي رواية: (أَتُرَانِي إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ). وفي رواية: (أَظَنَنْتَ حِينَ مَاكَسْتُكَ أَذْهَبُ بِجَمَلِكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَثَمَنَهُ فَهُمَا لَكَ) وهذه الرِّواية نقلها ابن حجر ثُمَّ قال: <وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ تُوَضِّحُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ (لِآخُذَ) لِلتَّعْلِيلِ> انتهى؛ فما أبعد ما فعله النَّبيُّ عليه السَّلام برفقه بجابر وإكرامه له مِن المُماكسة الَّتي يبخل فيها المُشتري بما لا يضرُّه الاستغناء عنه مِن متاع الدُّنيا.
فمَن رُزق الفهم فَهِمَ أنَّ النَّبيَّ عليه السَّلام لم يُماكس جابرًا ليأخذ جَمَلَه كما قد يتوهَّم البعض وفهم أنَّ نبيَّنا عليه السَّلام لم يُماكس بقصد انتقاص السِّعر أي لم يُماكس مُماكسة الاستنزال ولذلك حرَص العُلماء على بيان أنَّ الحديث مبنيٌّ على غير طريقة المُماكسة الَّتي يقصد بها المُشتري استحطاط السِّعر وإنزاله؛ وهاكَ أخي القارئ بعض النُّصوص الَّتي تُؤيِّد ما نقول بإذن الله:
كلام السِّنديِّ في أنَّ حديث جابر لا يُبنى على المُماكسة المنهيِّ عنها
وقال السِّنْديِّ في [حاشيته] على حديث جابر في الجمل مِن [سُنن ابن ماجَه] ما نصُّه: <(فَتَبِيعُهُ بِدِينَارٍ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الشِّرَاءُ بِأَزْيَدَ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَهَكَذَا؛ لا أَنَّهُ أَرَادَ الشِّرَاءَ بِالزَّائِدِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ النَّاقِصَ أَوَّلًا ثُمَّ زَادَ كَمَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ..> انتهى كلام السِّنديِّ.
ومُراده بـ [الحديث المُتقدِّم] ما ورد عن النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام في نهي قَيْلَة عن المُماكسة لأنَّه كان قدَّم روايته في الباب قبل حديث جابر في الجمل. وفي حاشية المطبوع: <إلَّا أنَّه أراد> ولعلَّه تصحيف والصَّواب <لا أنَّه أراد> وإلَّا لناقض ما سبقه مِن كلام صاحب الحاشية.
ومعنى قول السِّنديِّ أنَّ الحديث لا يُحمَل على أنَّ النَّبيَّ أراد مِن الأوَّل أنْ يدفع ثمنًا لكنَّه سام الجمل بأقلَّ ممَّا يُريد أنْ يدفع؛ ونحن نقول إنَّه لا يليق بالمُسلم أنْ يُريد غُبن أخيه المُسلم؛ فما قولك -أخي القارئ- برسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام وهُو أبعدُ النَّاس عن الشُّحِّ والبُخل.
النَّوويُّ ينقل قول الشَّافعي وأبي حنيفة أنَّ حديث جابر لا يُحتجُّ به
وجاء في [شرح مُسلم] للإمام النَّوويِّ ما نصُّه: <وَأَجَابُوا –[أي الشَّافعيُّ وأبو حنيفة]- عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا احْتِمَالَاتٌ قَالُوا: (وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ)> انتهى كلام النَّوويِّ.
وبناءً عليه ففي أنَّه <لم يُرد حقيقة البَيع> مزيد بيان في أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُرد مُماكسة جابر مُماكسةَ الاستنزال ليذهب بجمله؛ فلا يبقى على هذا القول إلَّا أنَّه أراد إعانته في صورة مُعاوضة وهذا مُخالف لحقيقة انتقاص الثَّمن؛ فتأمَّل!
كلام ابن المُلقِّن في أنَّ حديث جابر في الجمل فيه إعانة على سبيل المُعاوضة
قال أبو حفص عمر بن عليِّ بن أحمد الأنصاريُّ الشَّافعيُّ المعروف بابن المُلَقِّن ت/804هـ في [الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام] ص/274 ما نصُّه: <وجاء ذلك لأنَّه لم يكن بيعًا مقصودًا وإنَّما منفعتُه لا مُبايعته> انتهى.
وفي ص/286 من الكتاب قال رحمه الله تعالى ما نصُّه: <فيه استعمال مكارم الأخلاق وذلك بأنْ يجعل ما يفعله مِن الإعانة على سبيل المُعاوضة لتطييب خاطر مَن يُفعل ذلك به ويكون قصدُه بذلك ثوابَ الآخرة> انتهى.
وترك المُماكسة هو إعانة في صُورة مُعاوضة لأنَّ دافع الزِّيادة يدفعها مِن ضمن عقد المُعاوضة -كالشِّراء مثلًا- قاصدًا القصدَ المحمود شرعًا لتطييب خاطر البائع أو تجنُّبًا للبخل بما لا يضرُّ الاستغناء عنه مُروءةً وكرَمًا.
ابن الجوزي يُبيِّن أنَّ ما فعله النَّبيُّ مع جابر مِن أحسن التَّكرُّم
وقال ابن الجوزيِّ: <هَذَا مِنْ أَحْسَنِ التَّكَرُّمِ، لِأَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا فَهُوَ فِي الْغَالِبِ مُحْتَاجٌ لِثَمَنِهِ فَإِذَا تَعَوَّضَ مِنَ الثَّمَنِ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمَبِيعِ أَسَفٌ عَلَى فِرَاقِهِ كَمَا قِيلَ: (وَقَدْ تُخْرِجُ الْحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكٍ نَفَائِسَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنِينُ) فَإِذَا رُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعُ مَعَ ثَمَنِهِ ذَهَبَ الْهَمُّ عَنْهُ وَثَبَتَ فَرَحُهُ وَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ فَكَيْفَ مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ> اهـ.
فلم يفهم ابن الجوزي مِن حديث جابر إلَّا تكرُّمَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على جابر بن عبدالله رضي الله عنهُما في شرائه الجمل منه أوَّلًا؛ ثُمَّ تكرُّمَه عليه في ردِّ المبيع عليه مع ثمنه ثانيًا؛ ثُمَّ تكرُّمَه عليه ثالثًا فيما زاد عن الثَّمن؛ فما أبعد هذه الزِّيادات مِن مُماكسة الاستنزال الَّتي إنَّما يريد المُشتري فيها انتقاص الثَّمن والبخلَ بما لا يضرُّه الاستغناء عنه.
مقال الغد: ابن حجر ينقل أنَّ قصَّة جابر جَرَتْ كلُّها على وجه الرِّفق به
يُتبع غدًا –
Jul 7, 2019, 6:01 AM
