دفع الاغترار بشبهة الثَّرثار في مسألة استنطاق الكُفَّار
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد تمسَّك رأس الفتنة ولد ميناوي برواية شَرِيك وهو مُتكلَّمٌ فيه عند الحُفَّاظ عن سِماك وهو مُتكلَّمٌ فيه كذلك والَّتي فيها أنَّ عليًّا رضي الله عنه سأل المُستورِد -وكان مُسلمًا فتنصَّر- عن دينه وأنَّه ترك ماله لورثته المُسلمين ويكفي لمعرفة كونها ضعيفة قول البيهقيِّ في السُّنن الكُبرى: <عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ> انتهى.
وروى الحديث جماعة مِن الرُّواة فلم يوجد أنَّه سأله عن دينه لا في رواية شعُبة عن سِماك، ولا في رواية سُفيان مِن طريق سُليمان عن أبي عمرو الشَّيبانيِّ؛ ولا في رواية أبي مُعاوية مِن طريق الأعمش عن أبي عمرو كذلك، ولا في رواية عبدالملك بن عُمَير، بل جاءت كلُّها خالية مِن أنَّه سأله عن دينه وتفرَّد بذلك شَرِيك وهو مُتكلَّمٌ فيه وليس بأحفظ منهم كما بيَّن ذلك الحُفّاظ أهل الجرح والتَّعديل وفيما يلي مزيد بيان:
قال الذَّهبي في السِّيَر عن شَرِيك: <تَوَقَّفَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِمَفَارِيدِهِ> أبو إسحق: <لَيْسَ بِالْمَتِينِ عِنْدَهُمْ>. الجَوْزَجانيُّ: <سَيِّئُ الْحِفْظِ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ مَائِلٌ>. الفضل بن زياد: <كَانَ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِالتَّوَهُّمِ>. وضعَّفه يحيى القطَّان. وقال أحمد: <شَرِيكٌ لَا يُبَالِي كَيْفَ حَدَّثَ>. ابن مَعين: <يَغْلَطُ وَلَا يُتْقِنُ>. الدَّارَقطنيُّ: <لَيْسَ شَرِيكٌ بِقَوِيٍّ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ>. فلماذا يتمسَّك رأس الفتنة بما تفرَّد به شَرِيك ويترك غيره!
وفوق ذلك فشَرِيك يرويها عن سِماك وسِماك مثلُه مُتَكَلَّمٌ فيه كذلك فقد قال أحمد عنه: <مُضْطَرِبُ الْحَدِيث> ونقل الذَّهبيُّ عن ابن مَعين: <وَكَانَ شُعْبَةُ يُضَعِّفُهُ> وذكر أنَّ الثوريَّ: <يُضَعِّفُهُ بَعْضَ الضَّعْفِ> وقال الذَّهبيُّ: <وَلِهَذَا تَجَنَّبَ الْبُخَارِيُّ إِخْرَاجَ حَدِيثِهِ، وَقَدْ عَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ اسْتِشْهَادًا بِهِ> وقال ابن المُبارك: <سِمَاكٌ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ>. واذكر أخي القارئ ما قدَّمته لك مِن أنَّ رواية شعبة عن سِماك ليس فيها أنَّه سأله عن دينه.
ففي رواية شعبة: <فَسَأَلَهُ عَنْ كَلِمَةٍ فَقَالَ لَهُ، فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيٌّ فَرَفَسَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ النَّاسُ إلَيْهِ..> انتهى وفي رواية سفيان: <أنَّ عليًّا استتاب مُرتدًّا فأبى فقتله> وفي رواية أبي معاوية: <أُتِيَ بِمُسْتَوْرِدٍ الْعِجْلِيِّ، وَقَدِ ارْتَدَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَبَى، قَالَ: فَقَتَلَهُ> وفي رواية عبدالملك بن عُمَير: <فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا حُدِّثْتُ عَنْكَ؟ قَالَ: مَا حُدِّثْتَ عَنِّي؟ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْكَ أَنَّكَ تَنَصَّرْتَ. قَالَ: أَنَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَأَنَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا تَقُولُ فِيهِ؟ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ. فَقَالَ عَلِيٌّ: طَئُوهُ فَوُطِئَ حَتَّى مَاتَ. فَقُلْتُ لِلَّذِي يَلِينِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: الْمَسِيحُ رَبُّهُ>.
وزعم المُتفيهق أنَّ الشَّافعيَّ صحَّح رواية شَرِيك! وقول البيهقيِّ <جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ لِخَصْمِهِ ثَابِتًا> ولا يلزم ذلك؛ وإلَّا لَمَا تركه وقال أي الشَّافعيُّ: <قَدْ يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْكُمْ أَنَّهُ غَلَطٌ> و: <مِنْكُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْحُفَّاظَ لَمْ يَحْفَظُوا عَنْ عَلِيٍّ (فَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ) وَنَخَافُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي زَادَ هَذَا غَلِطَ> اهـ فكيف يصححه وقد احتمل عنده غلط راويه! بل ولو فعل فأين على تصحيحه رواية شَرِيك الدَّليل! والله المُوفِّق إلى سواء السَّبيل.
وكنَّا بيَّنا لرأس الفتنة أنَّ مُجرَّد هذا السُّؤال لا يكون كُفرًا ما لم يقترن بأنْ يكون السَّائل مُتيقِّنًا أنَّ المسؤول يُجيب بالكُفر، فحتَّى على تقدير صحَّة هذا الحديث -ولا يصحُّ- فليس فيه أنَّ الإمام عليَّا رضي الله عنه كان مُتيقِّنًا أنَّ المُستورِد يُجيب بأنَّه كافر بل وليس في الرِّواية أنَّ المُستورِد قال أنا كافر فكيف عرف المُتفيهق أنَّ سيِّدنا عليًّا كان مُتيقِّنًا أنَّ المسؤول يجيب بكفر أم أنَّه شقَّ عن قلبه! بل خسئ الكذَّاب والله يهدي إلى الصَّواب.
وختامًا فالرِّواية الضَّعيفة لم يصرِّح فيها المُستورِد بالكفر تصريحًا إلَّا لمَّا قال عن عيسى عليه السَّلام (إنَّه ربُّه) فكيف يُريدنا هذا المُتفيهق أنْ نُصدِّق أنَّ الإمام عليًّا كان يعرف أنَّ المُستورِد سيجيب بقوله عن عيسى (إنَّه ربُّه) ومع ذلك سأله عن ذلك ليُجيب بمثل هذا الكُفر القبيح! أهذا ظنُّه بمَن تمظهر بالدِّفاع عنه وسمَّاه أمير المؤمنين وصهر رسول ربِّ العالمين! بل خسئ المُتصولح الكذَّاب وفاز لو أناب والله الهادي إلى الأسباب.
ولتكن هذه الرِّسالة نصيحة تقرع طبول الخطر في آذان البُسطاء الَّذين أخذوا بشُبهات رأس الفتنة ولد ميناوي وإلَّا فقد يسبق الموت إليهم ويتوب هو مِن بعدهم فينجو ولا ينجون ويخسرون الآخرة وهي أمامهم. ما للجاهل ومعاندة الشَّرع الشَّريف! وما له وللطَّعن في العُلماء العاملين الَّذين بارك الله في أعمارهم وجهودهم فبلغت آثارهم مشارق الأرض ومغاربها! والله المُستعان وعليه التُّكلان هو نِعم المَولى ونِعم النَّصير.
نهاية المقال.
أرسلوها إلى كُلِّ مَن تعرفون أنَّ رأس الفتنة يتواصل معه فلا ندري أيّهم يسبق إلى التَّوبة.
Feb 16, 2019, 8:48 AM
