شَنُّ الغَارَة على مَن خَلَطَ في الإشَارَة مُختصر مقالات دفع شُبُهات الجاهل

شَنُّ الغَارَة

على مَن خَلَطَ في الإشَارَة

مُختصر مقالات دفع شُبُهات الجاهل

1

وبعدُ فيا أيُّها المُتكبِّر كُنتَ بنيتَ اعتراضك على فتوى إمامنا الهرريِّ رحمه الله لِتَوَهُّمك أنَّ الصُّورة المطبوعة على ورق أو نحوه تقع في باب الإشارة الَّتي هي مِن الدَّوالِّ الأربع. وتلك إنَّما تكون باليد ونحوها فثبتَ أنَّك بنيتَ فتواك على وهم فاسد باطل. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 1.

2

ثُمَّ جئتَ إلى حديث نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام: <(بُعثت أنا والسَّاعة كهاتَين) ويُشير بإصبعَيه فيمُدُّ بهما> انتهى؛ ولم تكن تعلم أنَّ مثل هذه الإشارة لا تكون إلَّا بعد كلام تامٍّ مُفيد. فكانت النَّتيجة أنَّك وضعتَ حديث النَّبيِّ للاستدلال به في غير محلِّه. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 2.

3

وقُلنا لك إنَّ لازم مذهبك بتصحيح اعتبار الصُّوَر المطبوعة ممزوجة برسم الحُروف العربيَّة في كلام النَّاس؛ يُلزمك منه تصحيح مثل ذلك في كتابة الحديث النَّبويِّ الشَّريف وذلك لجواز روايته بالمعنى في كلامهم. فانقطعتَ ولم تجد جوابًا مُفيدًا مَخرجًا. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 3.

4

ففي مذهبك يصحُّ كتابة: (يا مُقلِّب ❤❤❤ ثبِّت ❤ي على دينك)! وكتابة: (لا يُؤمن أحدكم حتَّى ❤ لأخيه ما ❤ لنفسه)! للتَّعبير عن حديث: (يا مُقلِّب القُلوب ثبِّت قلبي على دينك) وعن حديث: (لا يُؤمن أحدكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه)؛ فتأمَّل!

5

وأنكرتَ أنَّ في الدِّلالات الوضعيَّة فاسد مع أنَّ كثيرًا مِن النَّاس اصطلحوا فيما بينهم على رسم (ص) وحدها أو (صلعم) بعد ذكر اسم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يُوافق العُلماء على ذلك واعتبروه بدعة قبيحة مع أنَّهم زادوُها بحروف عربيَّة. فكيف تهرُب من هذه؟ 4.

6

قال الحافظ العراقيُّ المُتوفَّى سنة 806ه في [فتح المغيث شرح ألفيَّة الحديث ص/238]: <قال النَّوويُّ: ويُكره أنْ يُرمز للصَّلاة على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الخطِّ بأنْ يُقتَصَر مِن ذلك على حرفَين ونحو ذلك مِن كَتَب صلعم يُشير بذلك إلى الصَّلاة والتَّسليم> انتهى.

7

وقال الحافظ جلال الدِّين السُّيوطيُّ المُتوفَّى سنة 911 في [تدريب الرَّاوي شرح تقريب النَّواويِّ ص/507]: <(و) يُكره (الرَّمز إليهما في الكتابة) بحرف أو حرفَين كمَن يكتُب صلعم (بل يكتبُهما بكمالهما) ويُقال إنَّ أوَّل مَن رمزهما بصلعم قُطعت يده> انتهى.

8

وقُلنا لك إنَّ لازم مذهبك بتصحيح اعتبار الصُّور المطبوعة ممزوجة بالحُروف العربيَّة يُلزمك تصحيح كتابة <لا حَول ولا قُوَّة إلَّا بالله> على الصُّورة التَّالية: (لا حول ولا 💪🏻 إلَّا بالله) وهُو ظاهر البُطلان. فانقطعتَ ولم تجد جوابًا مُفيدًا. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 5.

9

ثُمَّ استدلَّيت بقول عائشة: (“فقال” بيده هكذا) انتهى. فنقلنا لك عن العُلماء واللُّغويِّين كابن الأثير أنَّه <عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ> ليس على الحقيقة ومعنى نحو ذلك: <يعني به أنَّه أشار إليه بيده فقام> انتهى. فانقطعتَ ولم يكن لك أنْ تُفتي. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 6.

10

وللتَّقريب فقد بيَّنَّا لك أنَّ قول الشَّاعر: <وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً> انتهى؛ معناه أومَأَتْ؛ وليس معناه أنَّ عينَيه تكلَّمتَا على الحقيقة. بينما يصحُّ في مذهبك أنْ يُرسم قوله على الصُّورة التَّالية: <وَقَالَتْ لَهُ 👀 سَمْعًا وَطَاعَةً>! فهل يقبل منك أهل الخطِّ مثل هذا!؟

11

ثُمَّ نقلتَ لنا قول الجاحظ: <فأمَّا الإشارة فباليد وبالرَّأس وبالعين> إلخ. فاتَّفق قوله مع قولنا ولم يأتِ فيه أنَّ الإشارة تكون في الصُّور المطبوعة ممزوجة برسم الحُروف العربيَّة كما زعمتَ أنتَ؛ فإذَا بك تستدلُّ بما يقطعك ويُبطل مذهبك وينصرنا. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 7.

12

وتكرَّر مثل هذا منك كما في نقلك عن الخطيب البغداديِّ والسَّخاويِّ والرامهرمزي وابن الموَّاق، فهم قالوا: <إمَّا بكتاب وإمَّا بإشارة وإمَّا بغير ذلك> انتهى. فمع زعمك أنَّ (إمَّا) هنا للإباحة فإنَّه لا يتأتَّى لك المُراد لأنَّ الجمع فيها ليس على معنى الخلط والمزج والخبط.

13

وكذا لو قلتُ: (اخطُ إمَّا شرقًا وإمَّا غربًا) وأردتُ (إمَّا) بمعنى الإباحة فيصير المعنى عندك أنْ تجمع بين الشَّرق والغرب في خُطوة واحدة! وهُو ظاهر البُطلان مُمتنع، والصَّواب أنَّ المعنى اخطُ شرقًا تارة واخطُ غربًا تارة أُخرى؛ فتكون جمعتَ بين الخطو إلى كُلٍّ؛ لا بين الشَّرق والغرب!

14

هذا لو سلَّمنا أنَّ (إمَّا) هنا للإباحة ليست للتَّخيير؛ ولكنَّهم قالوا: <وإمَّا بغير ذلك ممَّا يقوم مقامه> انتهى. فدلَّ أنَّ المُراد التَّخيير لأنَّ الكلام وقع على العبارة <فإذَا وقعتِ العبارةُ> إلخ.. وليس على مُطلَق التَّعبير، فمَا أبعدك عن الحقِّ والصَّواب وما أقلَّ انصياعك إلى الرَّشاد.

15

وقالوا: <وإمَّا بغير ذلك ممَّا يقوم مقامه>. ولا ضابط عندك في قياس ما يقوم مقامه. وإنَّ مَن رجعتَ إليهم مُصطلحون على تغيير بعض حُروف الكلمة العربيَّة إلى أرقام فيصحُّ عندك أنْ تكتب (حبيبي مُحمَّد) على ما صُورته: (❤ي مُ7مَّد)! فكيف تهرُب مِن هذه؟ 8.

16

فمَا هو ذلك الفنُّ الَّذي قُرِّر فيه ما تتحدَّثون فيه مِن المُصطلحات الوضعيَّة؟ أهُو فنُّ الخطِّ؟ فأين مُواضعة أهل الخطِّ على ما قرَّرتموه مِن دلالات أم لستَ أنت مَن صار ينقُل عن الباقلَّانيِّ قوله: (بعد مُواضعة أهله على دلالته) انتهى. ولكنَّك تترك القيد وتخلط الحابل بالنَّابل.

17

ونقلتَ عن الإمام أحمد أنَّه قال: <فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا (وضمَّ يدَيه وأقام أصابعه الإبهامَين)> انتهى. فكيف قستَ ما كان باليدين معًا على ما هو بيد واحدة؛ وكيف قست ما كان باليد على صورة مطبوعة؛ وكيف قست فعل الفرد الواحد على الاصطلاح.

18

وأنتَ في كُلِّ ذلك تُجري مُصطلح أهل العلم على ما أَلِفتَه مِن أفهام الكُسالى اللَّاعبين فأردتَ تصحيح هذيانهم مذهبًا في الكتابة لم تُسبق إليه؛ تخلط فيه الصُّور المطبوعة برسم الحُروف العربيَّة وهُو ما لا يتَّفق وجوده في لُغة ولا سبيل إليه لأنَّ الإشارة ليست كلامًا حقيقيًّا.

19

فلمَّا بيَّنَّا لك أنَّ الإشارة ليست كلامًا حقيقيًّا وإنَّما يُقال فيها كلام مجازًا؛ كذبتَ بخلط تعريف الكلام عند أهل اللُّغة بتعريفه عند مُتكلِّمي العقائد قبل أنْ تنكسر فتقول: “الدَّوالُّ الأربع ليست كلامًا حقيقيًا وهذا صحيح” انتهى كلامك بحروفه. واقرأ التَّالي لتفهم وجه إفحامك.

20

فلمَّا نسيتَ قولك المذكور أخيرًا؛ قلتَ: “وصريح كلامه أنَّ المُصحف الَّذي هو كتابة على الورق ليس كلامًا حقيقيًّا، لأنَّ الخطَّ ليس لفظًا بل هُو مِن الدَّوالِّ الأربع هذه عاقبة المُتكبِّرين” انتهى. فوصفتَ نفسك بالتَّكبُّر وقطعناك بقولك فانقطعتَ. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 9.

21

وقد خلطتَ بَين الحُكم على صُورة مطبوعة مخلوطة برسم الحُروف العربيَّة وبَين صُورة مطبوعة أُخرى مُستقلَّة لم تُخلط مع رسم الحُروف العربيَّة في بناء جُملة لها معنًى تامٌّ مُفيد. فتحدَّيناك أنْ تأتيَ بدليل على قياسك فانقطعتَ عن الجواب المُفيد. فكيف تهرُب مِن هذه؟ 10.

22

ولتقريب ذلك نقول: فرق بين كتابة <أنا ❤ مُحمَّد>؛ وبين طبع القلب بعد كلام تامٍّ مُفيد على الصُّورة التَّالية: <أنا أُحبُّ مُحمَّدًا ❤>. وإنَّما تكلَّمنا في الأُولى ولم نخُض في الثَّانية أبدًا. فالأُولى لا تصحُّ للتَّعبير عن (أنا أحب مُحمَّدا) بينما المعنى جليٌّ في الثَّانية.

23

وأصل العلَّة عندك أيُّها الجاهل البناء على الخلط؛ ثُمَّ كُلَّما نقضنا عليك مذهبًا مبنيًّا على خلط فاسد هربتَ إلى خلط آخَرَ جديد؛ فكان أنْ خلطتَ بين الإشارة مِن الدَّوالِّ الأربع بما تُسمِّيه إشارة وهُو رمز مطبوع؛ ثُمَّ خلطتَ مُصطلح عُلماء التَّوحيد بمُصطلح عُلماء اللُّغة!

24

وخلطتَ بين الرَّمز وبين ما دلالته صريحة؛ وبين ما امتزج برسم الحُروف وبَين ما كان مُستقلًّا (لا ينوب عن الألفاظ الَّتي يتركَّب منها الكلام)، وبين ما سبق وبين مُصطلحات عُلوم أُخرى؛ وبين الخطِّ وبين النُّصُب وهي علامات تُرفع على الطُّرق لتعيين الاتِّجاه وحدود الأراضي.

25

هذا مِن وجه؛ ومِن آخَرَ فإنَّ تلك الصُّوَر المطبوعة -حتَّى لو كانت مُستقلة عن الخلط برسم الحُروف- فإنَّها ليست مُوحَّدة الدِّلالات عند مُستعمليها؛ ولا يتعيَّن عندهم للصُّورة الواحدة مُفردة في مقابلها مِن حيث المعنى، فليت شعري كيف يكون مثل ذلك صريحًا في الدِّلالة!

26

ثُمَّ خلطتَ بين الدَّليل الحقِّ وبَين استعمالات برنامج واتساب؛ وخلطتَ فجمعتَ بَين الشَّيء وبَين ما يقوم عنه في قولهم: <إمَّا بكتاب وإمَّا بإشارة وإمَّا بغير ذلك ممَّا يقوم مقامه> انتهى. ولو تركناك لخلطتَ في مزيد! حتَّى قُلنا إنَّك غاط بن باط لكثرة ما اقتحمت مِن الأخلاط!

27

وهكذا؛ فإنَّ مدار الأمر عندك على الخلط المُتجدِّد كُلَّما قطعناك احتجتَ خلطًا جديدًا مِن خارج السِّياق فكان في (ميكي ماوس) لك حُجَّة لُغويَّة وفي (السَّنافر) مشايخ وهُداة! وهذا فيك مِن أبشع الشَّغْب وتهييج الشَّرِّ والدَّعوة إلى الفتنة وكانت نائمة فلعنة الله على مَن أيقظها.

28

وبنيتَ يا جاهل على تصوُّر فاسد أنَّنا نُبيح استعمال تلك الصُّوَر المطبوعة في شتم المُسلمين؛ لمُجرَّد قولنا إنَّه لا تصحُّ الكتابة بخلط الصُّوَر المطبوعة برسم الحُروف العربيَّة، وشتَّانَ بَين قولنا (لا تصحُّ تلك الكتابة) وبَين أنْ يُقال (إنَّه يجوز استعمالها في شتم المُسلمين).

29

متى كان القول بفساد (كتابةٍ ما) تقريرًا لكونها (جائزة مُباحة) إلَّا في قياسك وقياس أصحابك مِن أهل الفتنة الَّذين كفَّروا المُسلمين بغير حقٍّ؛ والعياذ بالله تعالى. وقد شرحنا لكم ما لا يحتاج إلى شرح فلم تفهموا؛ فأنتم قوم لا يردعُهم عن الشَّرِّ وسُوء الفهم: زجر زاجر.

30

وليت شعري كيف تُفتي في مسائل لا تُحسن نطق مُفرداتها وأنت تنصب الفعل المُضارع ب(لا) النَّافية فتقول: “(لا يصطلحوا) ولم يتعارفوا” وتنصب خبر (أنَّ) فتقول: “ليعلم أنَّ كلام النَّاس (كلامًا)” فإنْ كنتَ لا تُحسن مثل هذا فكيف تتجرَّأ على تخطئة العُلماء العاملين!؟

31

ثُمَّ كيف تُطلق أحكام التَّكفير بحقِّ المُسلمين لمُجرَّد أنَّهُم قدَّروا فيك الخطأ في النَّحو ولعلَّهم كانوا على صواب في تقديرهم.. وكيف ترى أنَّ المُستهزئ بكَ صار كالمُستهزئ بحديث رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام؛ وهذا يدلُّ أنَّ مَن قدَّر فيك الخطأ كان مُحقًّا في تقديره.

32

وافتراؤك أيُّها الجاهل في هذا الباب وإصرارك عليه كثيرًا هو مصداق ما جاء في الخبر: <أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا: (يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) قَالَ: (فَمَنْ)> انتهى.

33

فلو أردتَ خيرًا فاعلم أنَّ ترك الذَّنب أيسر مِن طلب التَّوبة؛ وأنَّ التَّوبة أيسر مِن تحمُّل العذاب يومَ يتمنَّى المُضيِّع التَّوبة والظَّالم الرَّجعة؛ يوم يُنادي الخاسر ربِّ ارجعونِ لعلِّي أعمل صالحًا فيما تركت!

نهاية المقال. ‏٠٣‏/١٢‏/٢٠١٩ ٨:٥٢ ص‏

أضف تعليق