عبدالنَّاصر حدَّارة يفضح جهله بأُصول أهل السُّنَّة بيان أنَّ الأنبياء لا يُعذَّبون على ترك الأَولى [2]

بيان أنَّ الأنبياء لا يُعذَّبون على ترك الأَولى [2]

والرَّدُّ على مَن أنكر قول الجُمهور في العصمة

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ نشرنا في الجُزء الأوَّل قول الماتُريديِّ: <وقال تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولو لم يكن لله تعالى أنْ يُعذِّب على الصَّغائر أحدًا، لم يكن له على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ موضع الامتنان بما غفر له ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر> وقوله: <وفي قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} دلالة أنَّ لله تعالى أنْ يُعذِّب على الصَّغائر> انتهى.

وبيَّنَّا أنَّه أراد المعصيةَ الحقيقيَّة؛ لأنَّ الله تعالى لا يُعذِّب على ترك الأولى ولا على مُجرَّد جواز ذلك في حقِّ الرَّسول عليه السَّلام. فمِن هُنا يُعلم أنَّ القول بمعصية حقيقيَّة لا خسَّة فيها في حقِّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أُمر بالاستغفار منها فاستغفر؛ لا يَخرج عمَّا قاله أئمَّة أهل السُّنَّة بمَن فيهم الماتُريديُّ هُنا مع أنَّه يقول بالقول الثَّاني لأهل السُّنَّة في هذه المسألة.

ولم يكن للخصم أنْ يقترح أنَّ الماتُريديَّ أراد المعاصيَ المجازيَّة (تركَ الأولى)، لأنَّ الماتُريديَّ قال: <وفي قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} دلالة أنَّ لله تعالى أنْ يُعذِّب على الصَّغائر> انتهى ووجه الدَّليل أنَّ الامتنان هو على ترك التَّعذيب على الصَّغائر هُنا لا على مُجرَّد حفظه منها. فظهر بُطلان قول المدعو عبدالنَّاصر حدَّارة.

ونقلنا كلام المازريِّ ونصُّه: <وجنح المُجيزون لها [للصَّغائر] إلى أنْ وردت في الشَّرع أخبار تُشير إلى أنَّها قد وقعت مِن الأنبياء كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}> انتهى واستشهاده على وقوع الصَّغائر بآية خطاب للنَّبيِّ عليه السَّلام دليل على أنَّ مِن العُلماء مَن قال بذنب في حقِّ الرَّسول. وطلبنا مِن المدعو حدَّارة التَّوقُّف عن التَّضليل بغير حقٍّ.

ولمَّا ألزمنا المدعو عبدالنَّاصر حدَّارة بأنَّ العُلماء بقولهم <الصَّغائر> أرادوا المعاصيَ الحقيقيَّة الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها ولا دناءة؛ حاول الهرب فقال والعياذ بالله: (ترك الأَولى الَّذي هو خطأ في الاجتهاد قد يترتَّب عليه عقاب في حقِّ الأنبياء) انتهى بحروفه وهُو مُخالف لأُصول أهل السُّنَّة. ثُمَّ استدل برواية مُسلم في أسرى بدر فلم يكن مع الخاطئ سهم صائب!

فأمَّا ادِّعاؤه احتمال أنْ يكون ترك الأَولى ممَّا يلزم منه عذاب في حقِّ الأنبياء عليهم السَّلام ففِرية عظيمة وقع فيها؛ إذ الخلاف بيننا وبينه في تعيين مُراد ساداتنا العُلماء وهُم قد بيَّنوا أنَّهم لا يعتقدون المُؤاخذة عند الله سُبحانه وتعالى في ترك الأَولى لا في حقِّ نبيٍّ مِن الأنبياء ولا في حقِّ أُممهم. فكيف يحتمل عنده ما ردَّه أهل السُّنَّة بل وممَّا يُناقض أُصولهم!

وقال القاضي عياض في [الشِّفا]: <هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً، وَيَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا مَا يَكُونُ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ، كَالسَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا تَقَرَّرَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ، وَتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ، فَأَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، وَكَوْنِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ لَهُمْ مَعَ أُمَمِهِمْ سَوَاءٌ> إلخ..

وهو واضح في أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لا يُؤاخذون فيما كان مِن نحو الخطإ والنِّسيان؛ وأنَّهم في ترك المُؤاخذة فيه شأنهم شأن أُممهم؛ لا الأنبياء يُؤاخذون ولا أُممهم تؤاخذ بمثل ذلك لأنَّهم لم يُخطئوا فيه مع قصد المُخالفة وهو حال المُجتهد الَّذي بذل جهده. فإنْ زعم الخصم أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام لم يبذل جهده في ذلك فقد أتى ببُهتان عظيم والعياذ بالله.

والقاضي عياض صاحب الكلمات الآنفة الذِّكر هو نفسه مَن نقل في وُجوه تفسير أهل السُّنَّة لقوله تعالى في مخاطبة نبيِّه المُصطفى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ومنها القول بأنَّ المُراد الصَّغيرة -شأنه في ذلك العشرات مِن العُلماء- والأنبياء عنده <مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ> فتعيَّن أنَّه أراد الصَّغيرة الحقيقيَّة.

أمَّا استدلال المدعو حدَّارة بالرِّواية الَّتي انفرد بها مُسلم في أسرى بدر فلم يكن له أنْ يحتجَّ بها لأنَّها مُشكلة كما قال أبو العبَّاس الأنصاريُّ القُرطبيُّ في [المُفهم] وقد عدَّد بعض الوُجوه الفاسدة المُناقضة لأُصول أهل السُّنَّة ومنها الوجه الفاسد الَّذي توهَّمه حدَّارة هداه الله. فليس مِن أهل السُّنَّة مَن توهَّم أنَّ النَّبيَّ دخل فيمَن توعَّدهُمُ الله بالعذاب، نسأل الله السَّلامة.

قال أبو العبَّاس أحمد بن عُمر الأنصاريُّ القُرطبيُّ دفين الإسكندريَّة 656ه في كتاب [المُفهم لِمَا أشكل مِن تلخيص صحيح مُسلم] [عن نُسخة نادرة بخطِّ الرَّحالة ابن بطُّوطة وتحقيق د. عبدالهادي التَّازي منشورات وزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة في المملكة المغربيَّة – الجُزء الأوَّل ص/280-281-282] ما نصُّه: <وعند هذا يُشكل ما جاء في آخِر هذا الحديث مِن عتب الله لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم> انتهى.

ثُمَّ ذكر وُجوهًا فبيَّن فسادها وكان ممَّا بيَّن فساده منها أنْ يُقال إنَّهم أقدموا على ما يجوز لهم شرعًا في ذلك وأنَّ النَّبيَّ وافقهم في ذلك ثُمَّ قال: <وكُلُّ ذلك عليهم مُحال بما قدَّمناه مِن وُجوب عصمة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخطإ في الشَّريعة ومِن ظُهور الأُمور المُرجِّحة بما قدَّمناه> انتهى.

ثُمَّ ذكر الوجه الَّذي فيه إرادة الدُّنيا وردَّه فقال: <ولم يكن النَّبيُّ ولا أبو بكر ولا مَن نحا نحوهما ممَّن يُريد عَرَض الدُّنيا> انتهى وهكذا حتَّى نصَّ على الوجه المقبول فقال: <فالوعيد والتَّوبيخ مُتوجِّهانِ إلى غيرهم ممَّن أراد ذلك وهذا أحسنُها والله تعالى أعلم> انتهى كلامه. فأين فيه مثل الَّذي أراده حدَّارة ممَّا يُوهم دخول النَّبيِّ فيمَن توعَّده اللهُ بالعذاب والعياذ بالله!

ثُمَّ بيَّن سبب بُكاء النَّبيِّ فقال: <وبُكاء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكر لم يكن لأنَّهما دخلَا فيمن تُوعِّد بالعذاب بل شفقة على غيرهما ممَّن تُوعِّد بذلك> ..إلخ قبل أنْ يختم المبحث بقوله: <وأمَّا قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} فليس بتوبيخ ولا ذمٍّ وإنَّما هو مِن باب التَّنبيه> انتهى كلام أحمد بن عُمر الأنصاريِّ القُرطبيِّ.

كُلَّ هذا النَّقل ليعلم حدَّارة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يدخل فيمَن توعَّدهمُ اللهُ بالعذاب في خبر أسرى بدر. ولو كان يخاف اللهَ أو كان مِن أهل التَّحقيق بل لو وقف في أبواب أهل التَّحقيق لَمَا احتمل عنده أنْ يدخل رسولُ الله فيمَن توعَّدهم الله بالعذاب. وقد أدَّى الجهل بالمدعو عبدالنَّاصر حدَّارة إلى أنْ تزيد أخطاؤه كُلَّما زاد كلامُه في المسألة. فيا لفضيحته.

وحيث حقَّقنا أنَّ أهل السُّنَّة على أنَّ ترك الأَولى لا يُوجب العذاب في حقِّ الأنبياء تعيَّن أنَّ العُلماء القائلين بوُقوع الصَّغائر الَّتي ليست بترك أَولى إنَّما أرادوا المعاصيَ الحقيقيَّة بدلالة قولهم إنَّ تكرارها وكثرتها يُلحقها بالكبائر وبدلالة قولهم في احتمال التَّعرض للعذاب بسببها فبطل كلامُ مَن حرَّف قول الجُمهور وضلَّل العُلماء القائلين بالوقوع فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وكنَّا نصحنا المدعو عبدالنَّاصر حدَّارة بالكفِّ عمَّا هجم عليه مِن كلام بغير تحقيق مدفوعًا مِن أهل الفتنة الَّذين حرَصوا على استدامة الكلام في عصمة الأنبياء مع العامَّة لنحو سنتَين بقصد التَّشويش وبقصد تنفيرهم مِن أهل العلم باستعمال عاطفة بلا علم وتحقيق فأبى حدَّارة النُّصح؛ وأصرَّ على الاستجابة لنداء الفتنة؛ فوقعت عليه صواعق رُدود أهل السُّنَّة. فتأمَّل!

وانطبق على المدعو حدَّارة أنَّه مُتصولح على ما أخبر به الشَّيخ القرصيُّ الحنفيُّ بقوله: <وأمَّا صدور صغائر غير مُنفِّرة بعدَها فجوَّزه الجُمهور عمدًا وسهوًا> إلى قوله: <وزعم جمهور الشِّيعة والرَّوافض أنَّه لا يجوز عليهم ذنب أصلًا لا كبيرة ولا صغيرة لا عمدًا ولا سهوًا لا قبل النُّبوَّة ولا بعدها وهذا كما تَرى يُرى أنَّه تعظيم لهم ولذا اشتهر بين الجهَلة المُتصَولحة زعمًا منهم أنَّه هو التَّعظيم> انتهى.

ورحم الله امرءًا عرف حدَّه فوقف عنده.

نهاية المقال.

Oct 9, 2019, 12:11 PM

أضف تعليق