في بيان كُفر مَن جَرَّ غيرَه إلى الكفر أو حثَّه عليه أو أمره به أو رضِيَه له

مُناظرة بين قول السُّنِّيِّ وبين قول المُخالف

في بيان كُفر مَن جَرَّ غيرَه إلى الكفر

أو حثَّه عليه أو أمره به أو رضِيَه له

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

القاعدة:

– يقول السُّنِّيُّ: وبعدُ قال الله تعالى: {ولاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ}، وأجمعت الأمة على أنَّ الرِّضى بالكفر كفر. وقال الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء [ج/2؛ ص/67]: <ومَن أراد مِن خلق الله أنْ يكفروا بالله فهو لا محالة كافر وعلى هذا يُخرَّج قوله تعالى: {ولا تسبُّوا الَّذين يدعون مِن دون الله فيسبُّوا اللهَ عدوًا بغير علم}، ثم إنَّه مَن سبَّ أحدًا منهم على معنى ما يجد له مِن العداوة والبغضاء قيل له: أخطأت وأثمت؛ من غير تكفير، وإنْ كان إنَّما فعل ذلك ليسمع سبَّ الله وسبَّ رسوله فهو كافر بالإجماع> انتهَى. وقال الأُصوليُّ الشَّيخ سمير بن سامي القاضي في <جلاء الفوائد من ثنايا القواعد> ما نصُّه: <ويلتحقُ بالأمرِ ما يحصُلُ أحيانًا مِنْ أنَّ الشَّخصَ يسألُ الكافرَ سؤالًا وهو مُتيقِّنٌ مِنْ أنَّهُ سيجيبُ بالكفرِ فيكفرُ بذلكَ لأنَّ سؤالَه في الحقيقةِ هو طلبُ جوابٍ منهُ وهو يعلمُ أنَّ جوابَهُ كفرٌ فكأنَّهُ يقولُ لهُ اكفُرْ> انتهى.

وقد خالف هذا بعضُ مَن لم يوفِّقهم الله إلى الصَّواب؛ دون أنْ يكون لهم في ذلك سلفٌ أو سماعٌ عن عالِم مُعتبَر أو دليلٌ واحد صحيح ثابت وإنَّما اعتمدوا على شبهات لا يصحُّ الاعتماد عليها؛ والحقُّ أنَّ مَن سأل كافرًا عن دينه (إنْ كان مُتيقِّنًا أنَّ المسؤول سيجيب بالكفر) يكفر؛ ولا يكفر (لو غلب على ظنِّه أنَّ المسؤول يسكت أو أنَّه يجيب جوابًا ليس فيه كفر)؛ وقول الكافر “أنا كافر” أو “أنا مجوسيٌّ” أو “أنا أعبد الصَّنم” معناه يرضى بأنْ يكون على الكفر أو يقبل بذلك وكلُّ هذا كفر منه والعياذ بالله.

وفيما يلي خُلاصة ما جرى بين أهل السُّنَّة وبين المُخالفين الَّذين زعموا أنَّ الأنبياء والملائكة يستنطقون الأحياء والأموات بالكفر! والعياذ بالله.

النُّقطة الأولى

1- يقول المُخالف: كيف تُكفِّرون مَن سأل الكافر: ما دينك؟

2- يقول السُّنِّيُّ: نحن لا نطلق تكفير مَن سأل الكافر: “ما دينك؟” إلَّا لو كان السَّائل مُتيقِّنًا أنَّ المسؤول يجيبه بالكفر. راجع القاعدة وتعلَّم.

النُّقطة الثَّانية

3- يقول المُخالف: أليس ورد أنَّ النَّبيَّ سأل الحُصين: “كم تعبد اليومَ إلهًا؟”؟

4- يقول السُّنِّيُّ: قال الكوثريُّ في هامش <السَّيف الصَّقيل> عن سند هذه الرِّواية: <وبمثل هذا السَّند لا يُستدلُّ في الأعمال فضلًا عن الاستدلال به في المُعتقد> انتهى.

النُّقطة الثَّالثة

5- يقول المُخالف: أليس ورد أنَّ النَّبيَّ سأل عديَّ بن حاتم: “ألست ركوسيًّا؟”؟

6- يقول السُّنِّيُّ: السُّؤال تقريريٌّ بعد أنْ تعجَّب عديٌّ مِن قول نبيِّنا: “أنا أعلم بدينِك منك” فكأنَّ النَّبيَّ قال له: أنا أعلم بدينك منك فأنت ركوسيٌّ ومع ذلك تأكل مرباع قومك وهذا لا يحلُّ لك في دينك فانقطع عديٌّ. والرِّواية بهذه الحروف غير صحيحة فكيف تحتجُّون بها في هذا الأمر العظيم

النُّقطة الرَّابعة

7- يقول المُخالف: أليس ورد أنَّ عمر بن الخطَّاب قال ليهوديٍّ: “مِن أيِّ أهل الكتاب أنت؟”؟

8- يقول السُّنِّيُّ: هذا لو ثبت فليس فيه أنَّه كان مُتيقِّنًا أنَّه يجيب بالكفر فلعلَّه سأل تعجُّبًا أو أراده أنْ يسكت. والخبر لم يروِه إلَّا عمر بن نافع ولا يُستدل برواية الواحد في المُعتقد؛ وفوق ذلك فقد ضعَّفه الحُفَّاظ والرِّواية ضعيفة؛ فكيف تحتجُّون برواية ضعيفة في هذا الأمر العظيم!؟

النُّقطة الخامسة

9- يقول المُخالف: أليس مُجرَّد رواية أبي يوسف للخبر يعني أنَّه يستحسنه؟

10- يقول السُّنِّيُّ: هذا قول ابتدعه يوسف ميناوي في أصول الدِّين وعلم المُصطلح لا أظنُّه سُبق إليه! الطَّبرانيُّ روى ما نصُّه: “لمَّا قضى خلقه استلقى فوضع إحدى رجليه على الأُخرى” ولم ينبِّه إلى شيء. فهل كان الطَّبرانيُّ يستحسن ذلك! نعوذ بالله.

النُّقطة السَّادسة

11- يقول المُخالف: أليس جاء في <الفقيه والمتفقِّه> أنَّه يجوز السُّؤال التَّفويضيُّ؟

12- يقول السُّنِّيُّ: لو قرأتَ ما تتوهَّم منه خلاف الآية: {وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} فلا تعتقد ما يخالف القرآن. أمَّا ما في <الفقيه والمُتفقِّه> فيُحمل في مُخاطبة الكافر على مَا ظاهره التَّفويض وحقيقتُه الإنكار وهو ما مثَّل به المُصنِّف مِن قوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم في قوله لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} فالإنكار فيه واضح جليٌّ.

النُّقطة السَّابعة

13- يقول المُخالف: أليس منكر ونكير يسألان الميِّت الكافر عن دينه وهما يعلمان جوابه؟

14- يقول السُّنِّيُّ: هما يعلمان أنَّه يقول “لا أدري” لا عن اعتقاد إنَّما يقولها عن دهشة وسبقِ لسانٍ مِن شدَّة الفزع مِن غير ضبط ثمَّ بعد ذلك هو يجيب مُخْبِرًا عمَّا كان يعتقده في الماضي قبلَ الموت مِن غير أنْ يعتقد الآنَ أنَّه حقٌّ وبهذا زال الإشكال. وبنحو هذا أجاب الإمام الهرريُّ في <الشَّرح القويم في حلِّ ألفاظ الصِّراط المُستقيم>.

النُّقطة الثَّامنة

15- يقول المُخالف: فماذَا تقولون في الآية: {ما تعبدون}؟

16- يقول السُّنِّيُّ: قال القونويُّ في حاشيته على البيضاويِّ: <وحاصله أنَّ الاستفهام هنا للإنكار لا للاستعلام> وقال الإيجيُّ: <أنكرَ عليهم عبادة الأصنام> وقال القرطبيُّ: <وعيبُه على قومه ما يعبدون وإنَّما قال ذلك مُلزمًا لهم الحُجَّة>؛ وقال أبو حيَّان: <وما: استفهام بمعنى التَّحقير والتَّقرير>. وقد يُشكل عليكم قول بعض المُفسِّرين كان السُّؤال عن المعبود فوقعت الإجابة على العبادة؛ ولو أنَّكم طلَّاب حقٍّ لأصغيتم عندما قلنا لكم إنَّ هذا مُختلِف عن أنْ يجرَّهم إلى أنْ يقولوا <إنَّهم يعبدون الأصنام> بل معناه أنَّه سألهم عن ماهيَّة ذلك الشَّيء ليُظهر لهم فساد عبادتهم له أي سؤاله مداره الإنكار بدليل قول المُفسِّرين إنَّ: {أتعبدونَ ما تنحِتونَ واللهُ خلقَكم وما تعملونَ} و: {إذْ قالَ لأبيهِ وقومهِ ما هذهِ التَّماثيلُ الَّتي أنتُم لها عاكفونَ} مع قوله عليه السَّلام: {ماذا تعبدون} كلَّها ألفاظ مُختلِفة لمعنى واحد. فتأمَّل!

خاتمة:

وهكذا نرى كيف استدلَّ المُخالف بالضَّعيف الَّذي لا يُعمَل به في فروع الأحكام الفقهيَّة بل ولا في فضائل الأعمال فما بالك في أمور اعتقاديَّة عظيمة! وهل تراه لجأ إلى الاستعانة بما لا يثبت ولا يُحتجُّ به لو كان بين يديه دليل واحد صحيح ثابت! وكيف تجرَّأ على الجنوح إلى الطَّعن بالأنبياء والملائكة اعتمادًا على فهم سقيم وفكر عقيم وليس في كتاب الله تعالى أو في نصوص التَّفاسير ما يدعوه إلى ذلك ولا هو أخذه بشرح إمام مُعتبَر له بل لو أنصف وتأمَّل وطلب الحقَّ لانتبه كيف أنَّ المفسِّرين وعلماء الإسلام شرقًا وغربًا سلفًا وخلفًا حرَصوا على إيضاح كون السُّؤالِ إنكاريًّا ليس استنطاقًا للكفَّار بالكفر؛ فعل علماؤنا ذلك مِن باب حماية عقائد المسلمينَ وصيانتِها مِن الطَّعن بمقام النُّبوَّة؛ وفعل المُخالف نقيضَ فعلِهم فشذَّ ودعا غيره إلى الالتحاق به في المخاطرة بالدين والعقيدة؛ فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله؛ والآخرة الموعد واللهُ مِن وراء القصد وهو يهدي السَّبيل.

Sep 2, 2018, 3:23 AM

أضف تعليق