مختارات من لطائف التنبيهات على بعض ما في صحيحَيْ البخاري ومسلم من الروايات
[1] الاستهلال
– الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعد فإن [لطائف التنبيهات] كتاب من تصنيف الشيخ الشريف الدكتور جميل حليم الأشعري الشافعي؛ وقد صنَّف حفظه الله هذا الكتاب للتنبيه [على بعض ما في صحيحَيْ البخاري ومسلم من الروايات] وبَيَّنَ حفظه الله أن كتابَي البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز وأنَّ البخاري ومسلم هما القمران النَّيِّران رضي الله عنهما؛ وبَيَّنَ أن الحُفَّاظ والعلماء وضعوا تنبيهات على بعض الروايات وضعَّفوا بعض الروايات الأخرى -على قلتها- إتمامًا لحسن صنيع هذين الإمامين الجليلين فكان ما عمله المصنِّف أن جمع أقوال الحُفَّاظ والمحدِّثين والعلماء العارفين في بيان ذلك فمنهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح 643هـ والحافظ النووي الشافعي 676هـ والكمال بن الهمام الحنفي 681هـ وتاج الدين السبكي 771هـ ومحمد بن يوسف الكرماني 786هـ وبدر الدين الزركشي 794هـ والحافظ ابن رجب الحنبلي 795هـ والحافظ زين الدين العراقي 806هـ والحافظ بن حجر العسقلاني 852هـ والحافظ بدر الدين العيني الحنفي 855هـ والحافظ السخاوي 902هـ والحافظ السيوطي 911هـ وشهاب الدين القسطلاني الشافعي 923هـ وعلي القاري 1014هـ والعجلوني 1162هـ واللكنوي الهندي 1304هـ وأحمد بن محمد بن الصديق الغماري 1380 وغيرهم. ونحن بدورنا ننشر [مختارات] من هذا الكتاب الجليل النفع وأول ما نستهل به هذه السلسلة المباركة من المقالات الشرعية فهرس لأهم أبوابه مع زيادة حروف قليلة تُعرِّف ما في الباب لكي لا يشتبه الصواب على القارئ؛ عسى أن يكون هذا التبويب مرجعا لمن أراد الرجوع إلى كتابه؛ وهذه الحروف القليلة لا تغني عما احتواه الكتاب من الدرر العلمية النفيسة، والله من وراء القصد هو يهدي السبيل.
– يتبع في المداخلات الثلاثة الأولى فلا يفوتكم:
Nov 7, 2017, 10:38 AM
لطائف التنبيهات [23]
الحديث التاسع [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التربةَ يومَ السبتِ)
روى مسلم في صحيحه في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ابتداء الخلقِ وخلقِ ءادمَ عليه السَّلام [1]: حدَّثَني سُرَيجُ بنُ يونُسَ وهارونَ بنُ عبدِ اللهِ قالا حدَّثنا حجَّاجُ بنُ محمدٍ قالَ قالَ ابنُ جُريجٍ أخبرني إسماعيلُ بنُ أميةَ عنْ أيوبَ بنِ خالدٍ عن عبدِ اللهِ بن رافع مَولى أمّ سلَمَةَ عن أبي هُريرة قالَ: أخذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقالَ: (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ التُّربةَ يومَ السبتِ وخلقَ فيها الجبالَ يومَ الأحدِ وخلقَ الشجرَ يومَ الاثنين وخلقَ المكروهَ يومَ الثلاثاء وخلقَ النورَ يومَ الأربعاء وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميس وخلقَ ءادمَ عليه السلام بعدَ العصرِ من يومِ الجمعةِ في ءاخر الخلقِ في آخر ساعةٍ من ساعاتِ الجُمُعةِ فيما بينَ العصرِ إلى الليلِ) قالَ إبراهيمُ حدثنا البسطانيُّ وهُوَ الحُسينُ بنُ عيسى وسهلُ بنُ عمَّار وإبراهيمُ بنُ بنتِ حفصٍ وغيرُهُم عن حجاج بهذا الحديث.
قال الحافظ أبو عبد الله البخاري [256ه] في كتابه [التاريخ الكبير] [2]: (عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خلق الله التربة يوم السبت” وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح) اهـ.
وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي [578ه] في كتابه [المفهم لِما أشكل من تلخيص كتاب مسلم] [3]: (قلتُ: وهذه الرواية ليست بشيء، لأن الأرض خُلقت بعد الماء كما قال تعالى {وهُوَ الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ وكانَ عرشُهُ على الماءِ} [سورة هود/7]، أي: قبل خلق السموات والأرض) ثم قال: (وتحقيق هذا أنه لم يُذكر في هذا الحديث نصًّا على خلقِ السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق اللهُ تعالى فيها، فلو خلقَ السماوات في يومٍ زائدٍ على أيام الأسبوع كلها لكان خلقُ السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرءان، ولا صائر إليه. وقد رُويَ هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها: أنه خلق الأرضَ يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسماوات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وءادم يوم الجمعة. فهذه أخبارُ آحادٍ مضطربةٌ فيما لا يقتضي عملًا، فلا يُعتمد على ما تضمَّنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام) اهـ.
Dec 20, 2017, 10:23 AM
لطائف التنبيهات [22]
الحديث الثامن [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ عز وجل إلى كلِّ مسلمٍ يهُوديًّا أو نصرانِيًّا فيقولُ هذا فِكاكُكَ منَ النار)
روى مسلم في صحيحه في كتاب التوبة، باب قَبول توبة القاتل وإن كثُرَ قتله [1]: حدَّثَنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ حدثنا أبو أسامةَ عنْ طلحةَ بنِ يحيى عن أبي بُردةَ عن أبي موسى قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى كلِّ مسلمٍ يَهوديًّا أو نصرانيًّا فيقولُ هذا فِكاكُكَ منَ النارِ”.
قال البيهقي في [البعث والنشور] ما نصه [2]: (رواه مسلم عن محمد بن عمرو بن جبلة. إلا أن اللفظ الذي تفرد به شداد أبو طلحة بروايته في هذا الحديث وهو قوله ويضيعها على اليهود والنصارى مع شك الراوي فيه لا أراه محفوظًا. والكافر لا يعاقب بذنب غيره. قال الله عز وجل: {ولا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وإنما لفظ الحديث على ما رواه سعيد بن أبي بردة وغيره عن أبي بردة ووجهه ما ذكرناه، وقد علل البخاري حديث أبي بردة باختلاف الرواة عليه في إسناده والله أعلم).
وذكر أيضًا [3] في [شعب الإيمان] بأن أبا طلحة متكلم فيه مع كونه من رجال مسلم وقد خالف في حديثه هذا عدد ممن هم أحفظ منه ثم قال فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيح الممهدة في {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخرَى}.
وقال الحافظ النووي الشافعي [676ه] في كتابه [صحيح مسلم بشرح النووي] [4]: (ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى “فكاكك من النار” أنك كنت معرَّضًا لدخول النار وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدَّر لها عددًا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين، وأما رواية “يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب” فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ولا بد من هذا التأويل لقوله تعلى {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزرَ أخرى}) اهـ. ونقله عنه الحافظ جلال الدين السيوطي [911ه] في كتابه [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج] دار الأرقم بن أبي الأرقم [5].
_____هامش_____
[1]: كتاب التوبة: باب: قبولِ توبة القاتل وإن كثُرَ قتله [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه، ص/1061، رقم الحديث 2767].
[2]: البعث والنشور [الطبعة الأولى ص/96-97].
[3]: شعب الإيمان [1/343].
[4]: صحيح مسلم بشرح النووي [دار الكتاب العربي 1407ه، الجزء السابع عشر ص/85].
[5]: الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج [دار الأرقم بن أبي الأرقم، المجلد السادس ص/182-183].
Dec 18, 2017, 4:51 AM
لطائف التنبيهات [21]
الحديث السابع [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث أن بعض الصحابة كأبي بكر رضي الله عنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفداء يوم بدر ثم إنه رأى العذاب قد نزل ودنا واقترب منهم فبكى
روى مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم [1]: حدَّثَنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ حدَّثَنا ابنُ المُباركِ عَنْ عِكرِمَةَ بنِ عمَّارٍ حدثَني سِماكٌ الحنفيُّ قالَ: سمِعتُ ابنُ عباسٍ يقولُ: حدثني عمرُ بنُ الخطابِ قالَ: لمَّا كانَ يوم بدرٍ. [ح] وحدثنا زُهيرُ بنُ حرْبٍ –واللفظُ لهُ- حدثنا عُمرُ بنُ يونسَ الحنفيُّ حدثنا عِكرمةُ بنُ عمَّارٍ حدثني أبو زُمَيلٍ هُوَ سماكٌ الحنفيُّ حدثني عبدُ اللهِ بنُ عباس قالَ: حدثني عمرُ بنُ الخطاب قال: (لمَّا كانَ يومُ بدرٍ نظرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المُشركينَ وهُم ألفٌ وأصحابُهُ ثلاثُ مائةٍ وتسعةَ عشرَ رجُلاً فاستقبلَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم القِبلةَ ثمَّ مدَّ يدَيهِ، فجعلَ يهتِفُ برَبِّهِ: اللهمَّ أنجِزْ لي ما وعَدْتَني، اللهمَّ آتِ ما وعَدتني، اللهم إنْ تُهلكْ هذهِ العصابةَ من أهلِ الإسلامِ لا تُعبَدْ في الأرضِ، فما زالَ يهتِفُ بربِّهِ مادًّا يدَيهِ مُستَقبلَ القبلةِ حتى سقطَ رِداؤُهُ عنْ مَنْكِبَيهِ، فأتاهُ أبو بكرٍ فأخذَ رِداءَهُ فألقاهُ على مَنْكِبَيهِ، ثمَّ التَزَمَهُ مِنْ ورائِهِ وقالَ: يا نبيَّ اللهِ كفاكَ مُناشَدَتُكَ ربَّكَ فإنهُ سيُنْجِزُ لكَ ما وعدكَ، فأنزلَ اللهُ عز وجل {إذْ تسْتَغيثُونَ ربَّكُمْ فاستَجابَ لكُمْ أنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ منَ الملائكةِ مُرْدِفينَ} فأمدَّهُ اللهُ بالملائكةِ، قالَ أبو زُمَيل: فحدَّثني ابنُ عباسٍ قالَ: بينَما رجلٌ منَ المسلمينَ يومئذٍ يشتَدُّ في أثرِ رجلٍ منَ المُشرِكينَ أمامَهُ إذْ سمِعَ ضربةً بالسَّوطِ فوقَهُ وصوتَ الفارِسِ يقولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، فنظرَ إلى المُشركِ أمامَهُ فخرَّ مُستَلقِيًا فنظرَ إليهِ فإذا هُوَ قدْ خَطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضربةِ السوطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجمَعُ، فجاءَ الأنصاريُّ فحدَّثَ بذلكَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: صدَقْتَ ذلكَ مِنْ مَدَدِ السماءِ الثالثةِ، فقَتلُوا يومئذٍ سبعينَ وأسَرُوا سبعينَ، قالَ أبو زُمَيلٍ: قال ابنُ عباسٍ فلمَّا أسَرُوا الأسارَى قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعُمرَ: ما ترَونَ في هؤلاءِ الأُسارَى؟ فقالَ أبو بكر: يا نبيَّ اللهِ هُمْ بَنُو العمِّ والعشيرةِ أرى أن تأخذَ منهُم فديةً فتكونُ لنا قوةً على الكفارِ فعسى اللهُ أنْ يَهْدِيَهُم للإسلامِ، فقالَ رسولُ الله ما ترى يا ابنَ الخطابِ؟ قلتُ: لا واللهِ يا رسولَ الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ ولكني أرى أن تُمَكِّنَّا فنضربَ أعناقَهُم فتُمَكِّنَ عليًّا مِنْ عقيلٍ فيضربَ عُنُقهُ، وتُمَكِّنِّي من فلانٍ نَسيبًا لعُمَرَ فأضربَ عُنُقَهُ، فإنَّ هؤلاءِ أئمةُ الكفرِ وصناديدُها، فهَوِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قالَ أبو بكرٍ ولمْ يهْوَ ما قلتُ، فلمَّا كانَ منَ الغدِ جئتُ، فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعِدينَ يبكِيانِ، قلتُ: يا رسولَ الله أخبرني من أيِّ شئ تبكي أنتَ وصاحبُكَ فإنْ وجدْتُ بكاءً بكيتُ وإن لم أجِدْ بُكاءً تباكَيتُ لبُكائِكُما؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرضَ عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذِهِمْ الفِداءَ لقدْ عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدنى مِنْ هذهِ الشجرةِ شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنزلَ اللهُ عزَّ وجل {ما كانَ لنبيٍّ أن يكونَ لهُ أسرَى حتى يُثْخِنَ في الأرضِ} إلى قوله {فكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالًا طيِّبًا} فأحلَّ اللهُ الغنيمةَ لهُم).
التتمة في المداخلة التالية –
Dec 17, 2017, 7:03 AM
لطائف التنبيهات [20]
الحديث السادس [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (كانَ الطلاقُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسَنَتينِ من خلافةِ عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً)
روى مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق [1]: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ رافع واللفظُ لابنِ رافع قالَ إسحاقُ أخبرَنا وقالَ ابنُ رافعٍ حدثنا عبدُ الرزاقِ أخبرَنا مَعْمرٌ عن ابنِ طاوس عن أبيهِ عن ابنِ عباس قالَ: (كانَ الطلاقُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسَنَتَينِ من خلافةِ عُمَرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ إنَّ الناسَ قد استَعْجَلوا في أمرٍ قدْ كانت لهم فيهِ أناةٌ فلو أمضيناهُ عليهم فأمضاهُ عليهم).
قال الإمام أحمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي [321ه] في كتابه [شرح معاني الآثار] [2]: (حدثنا بذلكَ ابنُ أبي عمران، قالَ: ثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قالَ: أخبرنا عبدُ الرزاقِ .ح. وحدثنا عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ العزيزِ، قالَ: ثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرماديُّ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ عن مَعمَرٍ عن طاوس عن أبيهِ عن ابن عباس، مثلَ الحديثِ الذي ذكرناهُ في أولِ هذا البابِ، غيرَ أنهُما لم يذكُرا أبا الصهباءِ ولا سُؤالهُ ابنَ عباس رضيَ اللهُ تعالى عنهُما، وإنما ذكرا مثلَ جوابِ ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهُما الذي في ذلكَ الحديثِ، وذكرا بعدَ ذلكَ من كلامِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ، ما قد ذكرناهُ قبلَ هذا الحديثِ. فخَاطبَ عمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ بذلكَ الناسَ جميعًا، وفيهم أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ورضيَ عنهُم، الذينَ قدْ علِمُوا ما تقدَّمَ من ذلكَ، في ذلكَ، في زمنِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمْ يُنكِرْهُ عليهِ منهُم منكِرٌ، ولمْ يدفَعْهُ دافِعٌ، فكانَ ذلكَ أكبرَ الحجَّةِ في نسْخِ ما تقدَّمَ من ذلكَ. لأنهُ لمَّا كانَ فِعْلُ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جميعًا، فِعلاً يجبُ بهِ الحجَّةُ، كانَ كذلكَ أيضًا إجماعُهُم على القولِ إجماعًا يجبُ بهِ الحُجَّةُ. وكما كانَ إجماعُهُم على النقلِ بريئًا منَ الوهمِ والزللِ، كانَ كذلكَ إجماعُهُم على الرأيِ بريئًا منَ الوهمِ والزللِ) اهـ.
وقال القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي [494ه] في كتابه [المُنتقى شرح موطأ مالك] [3]: (فمن أوقعَ الطلاقَ الثلاثَ بلفظةٍ واحدةٍ لزِمَهُ ما أوقَعَهُ منَ الثلاثِ وبهِ قالَ جماعةُ الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمدٍ في إشرافهِ عنْ بعضِ المُبتدعةِ يلزَمُهُ طلقةٌ واحدةٌ، وعنْ بعضِ أهلِ الظاهرِ هل لا يلزَمُهُ شيء، إنما يُروَى هذا عن الحجاجِ بنِ أرطأةَ ومحمدِ بن إسحاق، والدليلُ على ما نقولهُ إجماعُ الصحابةِ، لأنَّ هذا مَروِيٌّ عن ابنِ عمرَ وعِمرانَ بنِ حُصَينٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعائشةَ رضيَ اللهُ عنهُم ولا مُخالِفَ لهم وما روِيَ عن ابن عباسٍ في ذلك من روايةِ طاوُسٍ قالَ فيهِ بعضُ المُحدثينَ: هُوَ وهمٌ، وقد روى ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ عن ابن وهبٍ خلافَ ذلكَ، إنما وقعَ الوهمُ في التأويلِ) اهـ.
وقال الحافظ النووي الشافعي [676ه] في شرحه على صحيح مسلم [4]: (وهو معدود من الأحاديث المشكلة) اهـ.
وقال الحافظ أبو الفرج ابن رجب الحنبلي [795ه] في كتابه [شرح علل الترمذي] [5]: (كذلك حديث طاوس عن ابن عباس في الطلاق الثلاث، وقد تقدم في كتاب الطلاق كلام أحمد وغيره من الأئمة فيه وأنه شاذ مطّرَح. قال إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلماء حمل شرًا كثيرًا) اهـ.
وقال محمد بن خليفة الوشتاني الأُبيّ [728 أو 828ه] في شرحه على صحيح مسلم المسمى [إكمالُ إكمالِ المُعَلّم] [6]: (قال المازري: مذهب الكافة أن المطلق ثلاثًا في كلمة واحدة تلزمه الثلاث) اهـ.
Dec 16, 2017, 6:41 AM
دين الله ليس الكومبيوتر! #
1. خَبَّرُوْنِيْ عَنْ جَهُوْلٍ ~ ضَلَّ سَعْيًا وَتَعَثَّرْ
2. يَطْلُبُ الزَّيْغَ حَثِيْثًا ~ وَبِقَوْلِ الزَّيْغِ يَجْهَرْ
3. شَيْخُهُ الْحَاسُوْبُ فِيْمَا ~ لِلْوَرَىْ وَالنَّاسِ يَظْهَرْ
4. يَتَلَقَّى الدِّيْنَ عَمَّا ابْتَدَعُوْا لَا يَتَفَكَّرْ
5. زَاغَ فِيْ عُجْبٍ وَحُمْقٍ ~ فَهْوَ دُوْنٌ يَتَكَبَّرْ
6. نَفْسَهُ جَرَّحَ لَمَّا قَدْ بَغَىْ فَاللهُ أَكْبَرْ
7. عَلِّمُوْهُ أَنَّ دِيْنَ اللهِ نُوْرٌ يَتَفَجَّرْ
8. فِيْ قُلُوْبِ الْعُلَمَا لَا ~ فِيْ جَهُوْلٍ يَتَحَزَّرْ
9. إِنَّمَا عَنْ عَالِمٍ أَوْ ~ ضَابِطٍ لِلْعِلْمِ يُؤْثَرْ
10. عَلِّمُوْهُ أَنَّ دِيْنَ اللهِ لَيْسَ الْكُومْبِيُوْتَرْ
Dec 14, 2017, 4:58 AM
سلام على المختار #
1. سَلامٌ على المُختارِ مَنْ جاءَ هَادِيَا # أَعَزَّ الْهُدى حَقًّا وشَادَ الْمَعالِيَا
2. رَسولٌ لهُ قدرٌ وجَاهٌ ورِفعَةٌ # سَمَا فوقَ مَنْ يأتي ومَنْ كانَ ماضِيَا
3. دَعانا إلى خيرٍ ولِلْخيرِ دَلَّنا # ولستَ لهُ في الخيرِ تلقى مُبارِيَا
4. وذكَّرَنا بالموتِ والبَعثِ بَعدَهُ # فتابَ إلى الرَّحمَنِ مَنْ كانَ ناسِيَا
5. فلا الشَّمسُ تحكي نورَ فَجرِ مُحَمَّدٍ # إذا ما أضاءَ النُّورُ منهُ النَّواحِيَا
6. ولا الغيثُ غيثٌ لو قَرَنْتَ بجودِهِ # ولا النَّجمُ نجمٌ لو حَسَبْتَ المَراقِيَا
7. بهِ غُصْنُ دينِ اللهِ غَضٌّ مُنَضَّرٌ # وكانَ التُّقى لولا مُحَمَّدُ ذَاوِيَا
8. عَليهِ صَلاةُ اللهِ ما الشَّمسُ أشرقَتْ # وماءُ السَّما في الأرضِ يَسقي الأَقاحِيَا
Dec 12, 2017, 12:04 PM
لطائف التنبيهات [19]
الحديث الخامس [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (حتى لا تَعْلَمَ يَمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ)
روى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة [1]: حدَّثَني زُهيرُ بنُ حَربٍ ومُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى جميعًا عن يحيَى القطَّانِ قالَ زُهيرٌ حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ عنْ عُبيدِ اللهِ أخبَرَني خُبَيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ عنْ حفصِ بنِ عاصم عن أبي هُريرةَ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: سبعةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ الإمامُ العادِلُ وشابٌّ نَشَأَ بِعِبادةِ اللهِ ورجلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ في المساجدِ ورَجُلانِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعا عليهِ وتفرَّقا عليهِ ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمالٍ فقالَ إني أخافُ اللهَ ورجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ فأخْفاها حتى لا تعلمَ يَمينُهُ ما تُنفِقُ شِمالُهُ ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عيناهُ”.
قال القاضي عياض اليحصبي المالكي [544ه] في كتابه [إكمال المعلم بفوائد مسلم] في شرحه على صحيح مسلم [2]: (وقوله “ورجلٌ تصدَّقَ بصَدَقةٍ فأخْفاها حتى لا تعلمَ يمينُهُ ما تُنفِقُ شِمالُهُ” كذا روي عن مسلم هنا في جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” وكذا وقع في الموطأ والبخاري وهو وجه الكلام، لأن النفقة المعهود فيها باليمين ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، بدليل إدخاله بعده حديث مالك. وقال بمثل حديث عبيد الله وتحرّى الخلاف فيه في قوله) وقال [3]: (وقد ترجم البخاري على الحديث الصدقة باليمين) اهـ.
ومثله قال الحافظ النووي الشافعي [676ه] ونقلَ قول القاضي عياض، في [صحيح مسلم بشرح النووي] [4].
وقال الحافظ السخاوي [902ه] في كتابه [فتح المغيث شرح ألفية الحديث] بتعليق صلاح محمد عويضة [5]: (وأمثلته في المتن قليله كحديث “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” فإنه جاء مقلوبًا بلفظ “حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”) وفي الحاشية: (ونص الحديث كما في صحيح البخاري: “ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”) اهـ.
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي [911ه] في كتابه [تدريب الراوي] تحقيق الدكتور بديع اللحام [6]: (وفي المتن بحديث مسلم في السبعة الذين يظلهم الله “رجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” قال: فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو: “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” كما في الصحيحين).
وقال السيوطي أيضًا في كتابه [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج] [7]: (“لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” كذا وقع في جميع روايات مسلم والمعروف في غيره “لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” وهو وجه الكلام، لأن المعروف في النفقة أن محلها اليمين).
وقال الشيخ زكريا الأنصاري [926ه] في كتابه [فتح الباقي بشرح ألفية العراقي] [8]: (وأما المقلوبُ مَتنًا وهو قليل، فهو أن يُعطي أحدُ الشيئين ما اشتهر للآخر، كحديث “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”، فإنه جاء مقلوبًا بلفظ “حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”) اهـ.
_____هامش_____
[1]: كتاب المساجد ومواضع الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه، ص/370 رقم الحديث/1031].
[2]: إكمال المعلم بفوائد مسلم [الطبعة الأولى 1427ه، الجزء الثالث ص/491].
[3]: إكمال المعلم بفوائد مسلم [ص/492].
[4]: صحيح مسلم بشرح النووي [دار الكتاب العربي طبعة 1407ه، الجزء السابع ص/122].
[5]: فتح المغيث شرح ألفية الحديث [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1414ه، الجزء الأول ص/305].
[6]: تدريب الراوي [دار الكلم الطيب، الطبعة الأولى 1426ه الجزء الأول ص/339].
[7]: الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج [دار الأرقم بن أبي الأرقم، المجلد الثاني ص/598-599].
[8]: فتح الباقي بشرح ألفية العراقي [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1422ه، الجزء الأول ص/301].
Dec 12, 2017, 9:24 AM
دعاة لا قضاة [49/100]
# حول الاستفتاء والإفتاء
– أخي الداعية؛ إذا استفتَيتَ فاجتهد في صياغة كلامك بما يدل عليه؛ وإذا استُفتِيتَ فافهم على الناس ما يستفتونك فيه؛ لا تُفتِهم في غير ما سألوا. ولا تأخذِ العامة بما تعرف أنهم لا يريدونه ولا يفهمونه من ألفاظهم.
ولا تسألِ الناس على عجلة ولا يسألْك الناس وهم يخافونك يا مولانا الشيخ حتى لا تضطرب قلوبهم فتزلَّ ألسنتهم فلا يبلغوا البيان نُطقًا ولا فهمًا، فإنَّ ابن عباس يقول: (يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول وأسمعوني ما تقولون ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس قال ابن عباس).
Dec 12, 2017, 9:05 AM
تَمُدُّ لها الجوزاءُ كفَّ مُصافِحٍ
تَمُدُّ لها الجوزاءُ كفَّ مُصافِحٍ * ويدنو لها بدرُ السَّماءِ مُناجِيَا من قصيدة ابن زمرك الأندلسي ومطلعها: (سل الأفق بالزهر الكواكب حاليا) وهي من القصائد المنقوشة في جدار قصر الحمراء في غرناطة.
تَمُدُّ لها الجوزاءُ كفَّ مُصافِحٍ * ويدنو لها بدرُ السَّماءِ مُناجِيَا
من قصيدة ابن زمرك الأندلسي ومطلعها: (سل الأفق بالزهر الكواكب حاليا) وهي من القصائد المنقوشة في جدار قصر الحمراء في غرناطة.
Dec 7, 2017, 12:37 PM
محمد والمسيح
عليهما الصلاة والسلام
Dec 7, 2017, 5:24 AM
لطائف التنبيهات [18]
الحديث الرابع [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث الجارية
– روى مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونَسخ ما كان من إباحة [1]: حدثنا أبو جَعفرُ محمدُ بنُ الصبَّاحِ وأبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ وتقارَبَا في لفظِ الحديثِ قالا حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عنْ حجَّاجٍ الصوَّافِ عنْ يحْيَى بنِ أبي كثيرٍ عنْ هِلالِ بنِ أبي مَيمونةَ عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ عنْ مُعاويةَ بنُ الحكمِ السُّلميّ قالَ بَيْنا أنا أصلي معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ عطسَ رجلٌ منَ القومِ فقُلتُ: يرْحَمُكَ اللهُ، فرَماني القَومُ بأبصارِهِم، فقلتُ: وا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ ما شأنُكُم تنظُرونَ إليَّ، فجعلُوا يضرِبونَ بأيديهم على أفخاذِهِم، فلمَّا رأيتُهُم يُصَمِّتُونَني لكني سكتُّ، فلمَّا صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هُوَ وأمي، ما رأيتُ مُعلِّمًا قبلَهُ ولا بعدَهُ أحسنَ تعليمًا منهُ، فواللهِ ما كَهرَني ولا ضربَني ولا شَتَمَني، قال: إنَّ هذهِ الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ مِنْ كلامِ الناسِ إنَّما هُوَ التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرءانِ، أو كما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قلتُ: يا رسولَ اللهِ إني حديثُ عهدٍ بجاهليَّةٍ، وقد جاءَ اللهُ بالإسلامِ، وإنَّ مِنَّا رِجالاً يأتونَ الكُهَّان. قالَ: فلا تأتِهِمْ. قلت: ومِنَّا رجالٌ يتَطَيَّرونَ، قالَ: ذاكَ شيءٌ يجِدُونَهُ في صُدورِهِمْ فلا يَصُدَّنَّهُمْ. قالَ ابنُ الصبَّاحِ: فلا يَصُدَّنَّكُم، قالَ: قلتُ ومِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ قالَ كانَ نبيٌّ منَ الأنبياءِ يخُطُّ، فمَنْ وافقَ خطَّهُ فذاكَ. قالَ: وكانَتْ لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قبلَ أُحُدٍ والجَوَّانيةِ، فاطَّلَعْتُ ذاتَ يومٍ فإذا الذِّيبُ قدْ ذهبَ بشاةٍ مِنْ غَنَمِها وأنا رجلٌ من بني ءادمَ ءاسَفُ كما يأسَفُونَ، لكنّي صَكَكْتُها صكَّةً، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فعظَّمَ ذلكَ عليَّ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ أفلا أُعتِقُها، قالَ: ائتِني بها فأتيتُهُ بها، فقالَ لها: أينَ الله، قالت: في السماءِ، قالَ: مَنْ أنا، قالتْ: أنتَ رسولُ الله، قال: أعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ”.
هذا الحديثُ المعروفُ بحديث الجارية، ليسَ معناه أن الله يسكن السماء كما توهم بعض الجهلة، بل معناه أن الله عالي القدر جدًا.
وهذا يوافق اللغة، قال النابغة الجعدي [2]: [الطويل]
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ثم إن رواية مسلم طعن فيها بعض العلماء سندًا ومتنًا لأمرين، الأول: الاضطراب، لأنه ورد بلفظ رواه ابن حبان في صحيحه عن الشريد بن سويد الثقفي قال [3]: قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء، قال: “ادع بها” فجاءت فقال: “من ربك” قالت: الله، قال: “من أنا” قالت: رسول الله، قال: “أعتقها فإنها مؤمنة”، ورواه البيهقي بلفظ [4]: “أين الله”، فأشارت إلى السماء بإصبعها، وروي بلفظ: “من ربك” قالت: الله ربي، قال: “فما دينك” قالت: الإسلام، قال: “فمن أنا” قالت: أنت رسول الله، قال: “أعتقها”. وروي بلفظ عند مالك [5]: أتشهدين أن لا إله إلا الله، قالت: نعم، قال: “أتشهدين أني رسول الله”، قالت: نعم، قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعتقها”.
فرواية مالك هي الصحيحة التي توافق الأصول لكونها جاءت على الجادَّة، إلا أنه ليس فيها: “فإنها مؤمنة”، فترجح على رواية مسلم لأنها في معنى الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: “أمِرْتُ أن أقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله” الحديثَ، وفي معنى الحديث الذي رواه النسائي [6] عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على غلام من اليهود وهو مريض فقال له: “أسلِم” فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم. فقال: “أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحمد لله الذي أنقذه بي من النار”.
والأمر الثاني: أن رواية “أين الله” مخالفة للأصول، لأن من أصول الشريعة أن الشخص لا يُحكَمُ له بالإسلام بقوله: “الله في السماء” لأنها ليست كلمة التوحيد، ولأن هذا القولَ مشتركٌ بين اليهود والنصارى وغيرهم، وإنما الأصل المعروف في شريعة الله ما جاء في الحديث المشهور المتقدم ذكره.
فإن قيل: كيف تكون رواية مسلم “أين الله، فقالت: في السماء” إلى ءاخره، مردودة مع رواية مسلم له وكلّ ما رواه مسلم موسومٌ بالصحة!؟ فالجوابُ: أن عددًا من أحاديث مسلم ردَّها علماء الحديث كما تراه واضحًا في هذه الرسالة التي اعتمدنا فيها النقل عن أهل العلم.
التتمة في المداخلة التالية –
Dec 5, 2017, 7:32 AM
لطائف التنبيهات [17]
الحديث الثالث [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث تزويج أبي سفيان أم حبيبة للنبي صلى الله عليه وسلم
هذه رواية من أشهر ما تُكُلِّمَ به على صحيح مسلم: فقد أخرج مسلم، الجزء الرابع، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه: حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا: حدثنا النضر [وهو ابن محمد اليمامي] حدثنا عكرمة حدثنا أبو زميل حدثني ابن عباس قال:
كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال: “نعم” قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال “نعم” قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال “نعم” قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: “نعم” قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسئل شيئًا إلا قال “نعم” اهـ.
قال النووي في شرح صحيح مسلم [1]، تتمة كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه: (((واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، ووجه الإشكال أن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وهذا مشهور لا خلاف فيه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل. قال أبو عبيدة وخليفة بن خياط وابن البرقي والجمهور: تزوجها سنة ست. وقيل: سنة سبع. قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوجها؟ فقيل: بالمدينة بعد قدومها من الحبشة. وقال الجمهور: بأرض الحبشة. قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك؟ فقيل: عثمان. وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي بإذنها. وقيل: النجاشي لأنه كان أمير الموضع وسلطانه. قال القاضي: والذي في [مسلم] هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدًا وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور ولم يزد القاضي على هذا. وقال ابن حزم: “هذا الحديث وَهْمٌ من بعض الرواة لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر”. وفي رواية عن ابن حزم أيضًا أنه قال: “موضوع”، قال: “والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل”، وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا على ابن حزم وبالغ في الشناعة عليه. قال: <وهذا القول من جسارته فإنه كان هجومًا على تخطئة الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم> قال: <ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، وكان مستجاب الدعوة> قال: <وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه يحتمل أنه سأله تجديد عقد النكاح تطيبًا لقلبه لأنه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد، وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته>، هذا كلام أبي عمرو رحمه الله. وليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جدد العقد، ولا قال لأبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: نعم، أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد، والله أعلم))) انتهى كلام النووي.
التتمة في المداخلة التالية –
Dec 4, 2017, 7:26 AM
لطائف التنبيهات [16]
الحديث الثاني [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث أنس (صَلَّيتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ فلمْ أسمعْ أحدًا مِنهُم يقرأُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ)
روى مسلم في صحيحه [1] في كتاب الصلاة، باب حُجَّةِ من قال: لا يُجهَرُ بالبسملة: حدَّثَنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ بشارٍ كِلاهُما عنْ غُنْدَرٍ قال ابنُ المُثَنَّى حدَّثَنا محمدُ بنُ جعفرٍ حدثَنا شُعبةُ قالَ سمعتُ قَتادةَ يُحدِّثُ عن أنسٍ قالَ صليتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ فلمْ أسمعُ أحدًا منهُم يقرأُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ”.
الرد على هذه الرواية من رواية البخاري في صحيحه [2] في كتاب فضائل القرءان، باب مَدِّ القراءة: حدَّثَنا عَمْرُو بنُ عاصِمٍ حدَّثَنا هَمَّامُ عن قَتادَةَ قالَ سُئِلَ أنس كيفَ كانتْ قِراءةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ كانت مدًّا ثمَّ قرأَ {بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ} يمُدُّ بِبِسْمِ اللهِ ويمُدُّ بالرحمنِ ويَمُدُّ بالرحيمِ”.
وقال الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهرزوري [643ه] في كتابه [معرفة أنواع علم الحديث]، وفي كتابه [مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث] [3]: (ومثال العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المصرح بنفي قراءة “بسم الله الرحمن الرحيم”، فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا “يستفتحون بالحمد لله” أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم وأخطأ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر التسمية. وانضم إلى ذلك أمور منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم) اه.
ومثله قال الحافظ النووي [676ه] في كتابه [إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق] [4].
ومثله قال أحمد محمد شاكر [5] [1377ه] في حاشيته على كتاب [الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث] لابن كثير.
وقال الحافظ زين الدين العراقي [6] [806ه] في كتابه [التقييد والإيضاح لما أُطلق وأُغلق من مقدمة ابن الصلاح]: (وربما يعترض معترض على المصنف بأنك قدمت أن ما أخرجه أحد الشيخين البخاري أو مسلم مقطوع بصحته فكيف يضعف هذا وهو فيما أودعه مسلم كتابه، وأيضًا فلم تعين من أعله حتى ينظر محله من العلم وما حكيته عن قوم لم تسمهم أنهم أعلوه معارض بقول أبي الفرج بن الجوزي في التحقيق عقب حديث أنس هذا أن الأئمة اتفقوا على صحته، والجواب عن ذلك أن المصنف لما قدم إنما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته قال سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره انتهى كلام المصنف، فقد استثنى أحرفًا يسيرة وهذا منها، وقد أعله جماعة من الحفاظ الشافعي والدراقطني وابن عبد البر، ولنذكر كلامهم في ذلك ليتضح ما أعلوه به، فأما كلام الشافعي رحمه الله فقد ذكره عنه البيهقي في كتاب معرفة السنن والآثار وأنه قاله في سنن حرملة جوابًا لسؤال أورده وصورة السؤال فإن قال قائل قد روى مالك عن حميد عن أنس قال صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال الشافعي: قل له خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية مؤمنين مخالفين له، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد ثم رجح روايتهم بما رواه عن سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين” قال الشافعي يعني يبدأون بقراءة أم القرءان قبل ما يقرأ بعدها ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم. وحكى الترمذي في جامعه عن الشافعي قال: إنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين معناه أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحو الكتاب قبل السورة وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم. انتهى.
– التتمة في المداخلة التالية والتي تليها –
Dec 2, 2017, 8:23 PM
لطائف التنبيهات [15]
بعد أن بيّنا ما يتعلق بالأحاديث التي ضعّفها الحفاظ والعلماء من صحيح البخاري نبدأ الآن بذكر بعض الأحاديث التي ضعفها الحفاظ والعلماء من صحيح مسلم.
الحديث الأول [من صحيح مسلم]
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (إنَّ أبي وأباكَ في النارِ)
روى مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنالُه شفاعة ولا تنفعُه قرابة المقرَّبين [1]: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبَةَ: حدَّثَنا عفَّانُ: حدثَّنَا حمَّادُ بنُ سلَمَةَ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ أنَّ رجُلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ، أيَ أبي؟ قالَ: في النار، فلمَّا قفَّى دَعَاهُ فقالَ: (إنَّ أبي وأباكَ في النارِ).
قال الحافظ جلال الدين السيوطي [911ه] في رسائله في [نجاة والدَي النبي صلى الله عليه وسلم] في الرسالة الثانية [التعظيم والمنّة في أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة] [2]: (فصلٌ: ظهر لي في حديث: “إن أبي وأباك في النار”، علتان، إحداهما: من حيث الإسناد، وذلك أن الحديث أخرجه مسلم وأبو داود من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي أبي؟ قال: في النار. فلما قفَّى، دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار. وهذا الحديث تفرّد به مسلم عن البخاري، وفي أفراد مسلم أحاديث مُتكلّمٌ فيها، ولا شك أن يكون هذا منها.
أما أولاً: فثابتٌ وإن كان إمامًا ثقة، فقد ذَكَرهُ ابن عَدي في [كامله] في الضعفاء وقال: إنه وقع في أحاديثه نكرة، وذلك من الرواة عنه، فإنه روى عنه الضعفاء. وأورده الذهبي في الميزان.
وأما ثانيًا: فحمَّادُ بن سَلَمة وإن كان إمامًا عابدًا عالمًا، فقد تكلَّم جماعة في روايته، وسكت البخاري عنه، فلم يخرج له شيئًا في صحيحه.
وقال الحاكم في [المدخل]: ما أخرج مسلم لحمّاد بن سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرَّج له مسلم في الشواهد عن طائفة.
وقال الذهبي: حماد ثقة، له أوهام وله مناكير كثيرة، وكان لا يحفظ، فكانوا يقولون: إنها دُسَّت في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العرجاء كان ربيبُهُ وكان يدسّ في كتبه” ثم قال: فبانَ بهذا: أن الحديث المتنازع فيه لا بدَّ أن يكونَ منكرًا، وقد وُصِفَتْ أحاديثٌ كثيرة في مسلم بأنها منكرة) اهـ.
وقال السيد أحمد السايح الحسيني في كتابه [نشر الأعطار ونثر الأزهار في نجاة ءاباء النبي الأطهار] [3]: (يشير الناظم إلى الحديث الذي يأخذ بظاهره القاصرون وهو ما رواه مسلم عن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله أين أبي؟ فقال: إن أبي وأباك في النار) وقال [4]: (وذكر أبو نعيم في الحلية: أن عمر بن عبد العزيز غضب على كاتبه وعزله من جميع دواوينه لأنه سمع منه ما هو من هذا الباب) وقال [5]: (وأما حديث رد النبي صلى الله عليه وسلم على من سأله قائلاً: إن أبي وأباك في النار، فإنما هو من رواية حماد بن سلمة، وهو معارض بحديث معمر بن راشد كلاهما أي “حماد ومعمر” عن ثابت) ثم قال: (وعند العلماء أن معمرًا أثبت من حماد، لأن حمادًا في أحاديثه مناكير شتى، وقد تكلم علماء الرجال في حفظه، فهو مجروح متهم، ولم يخرج له البخاري ومسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت) ثم قال: (وهكذا يسقط حديث حماد علميًا واصطلاحيًا، كسقوطه أدبيًا وذوقيًا، فليس عليه من نور النبوة أو البلاغة المحمدية شيء) اهـ.
التتمة في المداخلة التالية من هذا الموضوع –
Dec 1, 2017, 3:12 PM
تحقيقات هررية [8]
# رؤية الله تعالى بالعين في الدنيا لا تكون لأحد [1]
قال الشيخ عبدالله الهرري رضيَ اللهُ عنه:
اعلَمْ أَنَّهُ لا أَحَدَ يَرَى اللهَ تَعَالَى في الدُّنيَا بِالعَينِ وَلا بِالقَلبِ إِلَّا سَيِّدُنَا مُحمَّد فَقَد رَأَى اللهَ تَعَالَى بِقَلبِهِ لَيلَةَ المعِرَاجِ وَمَعنَى الرُّؤيَةِ بِالقَلبِ أَنَّ القَلبَ يَصِيرُ كَالعَينِ يَرَى بِهِ.
حَتَّى جِبرِيلُ مَا رَأَى اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَسمَعُ كَلَامَهُ الَّذِي لا يُشبِهُ كَلَامَ الخَلقِ، كَانَ يَسمَعُ هَذَا، أَمَّا الرُّؤيَةُ فَلَم يَرَ اللهَ.
كَذَلِكَ الأَنبِيَاءُ سِوَى نَبِيِّنَا مَا رَأَى اللهَ أَحَدٌ مِنهُم لا بِعَينِهِ وَلا بِقَلبِهِ؛ فَإِنَّ مُحمَّدا صلَّى الله عليه وسلَّم خُصَّ مِن بَينِ الخَلقِ بِأَنَّهُ رَأَى اللهَ تَعَالَى بِقَلبِهِ.
أَمَّا سَيِّدُنَا مُوسَى فَقَد طَلَبَ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَن يُرِيَهُ ذَاتَهُ بِقَولِهِ: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}، وَكَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى مَا أَوحَى اللهُ إِلَيهِ أَنَّ اللهَ لا يُرَى في الدُّنيَا، لَو كَانَ اللهُ أَعلَمَهُ في التَّورَاةِ أَو في غَيرِ التَّورَاةِ مِن الوَحيِ أَنَّ اللهَ لا يُرَى في الدُّنيَا بِالعَينِ مَا طَلَبَ مِنَ اللهِ، مَا قَالَ {رَبِّ أَرِني أَنظُرْ إِلَيكَ} مَا كَانَ طَلَبَ الرُّؤيَةَ لَكِن هُوَ لَهُ عُذرٌ وَهُوَ أَنَّهُ لم يَكُنِ اللهُ أَوحَى إِلَيهِ قَبلَ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ لا يُرَى بِالعَينِ في الدُّنيَا، هُوَ مِن شِدَّةِ شَوقِهِ إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى طَلَبَ أَن يَرَى اللهَ بِعَينِه.
وَبِهَذَا استَدَلَّ أَهلُ الحَقِّ عَلَى أَنَّ رُؤيَةَ اللهِ لَيسَت مُستَحِيلَةً، قَالُوا لَو كَانَت رُؤيَةُ اللهِ لا تَجُوزُ عَقلًا أَو شَرعًا، أَي لَو كَانَت مُستَحِيلَةً لَم يَسأَل مُوسَى رَبَّهُ أَن يَرَاهُ؛ لأَنَّ مُوسَى نَبِيٌّ رَسُولٌ فَيَستَحِيلُ عَلَيهِ أَن يَجهَلَ مَا يَلِيقُ بِاللهِ وَمَا لا يَلِيقُ بِاللهِ.
سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ قَالَ {رَبِّ أَرِني أَنظُرْ إِلَيكَ} وَلَو كَانَ هَذَا مُستَحِيلا عَقلًا لَمَا طَلَبَهُ مُوسَى لأَنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ أَن يَكُونَ مُوسَى جَاهِلًا بِاللهِ، لَو كَانَت رُؤيَتُهُ مُستَحِيلَةً عَقلًا لَكَانَ طَلَبُ مُوسَى لِذَلِكَ جَهلًا بِمَا يَجُوزُ في حَقِّ اللهِ وَمَا لا يَجُوزُ، أَو سَفَهًا وَعَبَثًا وَطَلبًا لِلمُحَالِ وَالأَنبِيَاءُ مُنَزهُونَ عَن ذَلك.
{قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظُرْ إِلَيكَ} أَي أَرِنِي ذَاتَكَ أَنظُرُ إِليكَ، يَعنِي مَكِّنِّي مِن رُؤيَتِكَ بِأَن تَتَجَلَّى لِي حَتَّى أَرَاكَ، وَهُوَ دَلِيلٌ لأَهلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ الرُّؤيَةِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُرَى حَتَّى سَأَلَهُ {قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِن انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ استَقَرَّ مَكَانَهُ} إن بَقِيَ عَلَى حَالِهِ {فَسَوفَ تَرَانِي}.
وَهُوَ دَلِيلٌ لَنَا أَيضًا لأَنَّهُ عَلَّقَ الرُّؤيَةَ بِاستِقرَارِ الجَبَلِ وَهُوَ مُمكِنٌ، وَتَعلِيقُ الشَّيءِ بِمَا هُوَ مُمكِنٌ يَدُلُّ عَلَى إمكَانِهِ.
وَالمخَالِفُونَ لأَهلِ الحَقِّ قَالُوا: إِنَّما كَانَ سُؤَالُ مُوسَى لِيُعلِمَ قَومَهُ، أَمَّا هُوَ كَانَ يَعلَمُ أَنَّهُ لا يَجُوزُ أَن يَرَى اللهَ، وَهَذَا كَذِب.
المعتَزِلَةُ قَالُوا سُؤَالُ مُوسَى لِأجلِ قَومِهُ لأَنَّهُم قَالُوا لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ الرُّؤيَةَ لِيعَلَمُوا أَنَّهَا مُستَحِيلَة، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِر.
هَؤُلاءِ يُرَدُّ عَلَيهِم بِأَن يُقَالَ: لَو كَانَ السُّؤَالُ مِن قَومِهِ مُحَالًا لَكَانَ مِن مُوسَى مُحَالًا أَيضًا، فَلَا يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ أَن يُبَاشِرَ الحَرَامَ لإِعلَامِ غَيرِهِ.
ثُمَّ أَيضًا لَو كَانَ سُؤَالُهُ لأَجلِ قَومِه لَسَأَلَ بِحضُورِهِم لِيُشَاهِدُوا وَلِيَعرِفُوا الحَقِيقَةَ، عِلمًا أَنَّ المؤمِنِينَ مِنهُم يَكفِيهِم أَن يَقُولَ لَهُم مُوسَى إِنَّ اللهَ لا يُرَى في الدُّنيَا فَيُصَدِّقُوهُ. وَقَد سَأَلَ أَن يُرِيَهُ ذَاتَهُ في مَقَامِ الخَلوَةِ وَلم يَكُن قَومُهُ مَعَهُ.
واستَدَلَّ أَهلُ الحَقِّ أَيضًا عَلَى أَنَّ رُؤيَةَ اللهِ لَيسَت مُستَحِيلَةً بِمَا أَخبَرَ اللهُ في القُرءَانِ بِأَنَّهُ تَجَلَّى لِلجَبَلِ أَي أَنَّ الجَبَلَ رَأَى اللهَ فقال {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} هَذَا الجَبَلُ اللهُ خَلَقَ فِيهِ الرَّؤيَةَ فَرَأَى اللهَ فَاندَكَّ مَا تَحَمَّلَ مِنَ الهَيبَةِ اندَكَّ انخَسَفَ، اللهُ خَلَقَ فِيهِ إِدرَاكًا وَمَعرِفَةً، وَالجَبَلُ مِنَ الجَمَادَاتِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ [ت/373هـ] فِي تَفْسِيْرِهِ: (اضْطَرَبَ الجَبَلُ مِنْ هَيْبَتِهِ يَعْنِي مِنْ رَهْبَةِ اللهِ تَعَالَى) اهـ.
_____هامش المُحقِّق_____
[1]: رؤية الله لا تكونُ بالمقابلة والمواجهة إنَّما اللهُ يكشِفُ الحِجاب عن أبصار المؤمنين أي يُعطي المؤمنين في أبصارهم قوَّةً يَرَوْنَ بها الله بلا جهة ولا مكان كما نبَّه على ذلك الإمام أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنه، فإنَّه قال: (ولقاءُ اللهِ لأهلِ الجنَّةِ –أي رؤيتُهم لله– بلا جهةٍ ولا تشبيهٍ ولا كيفٍ: حقٌّ) اهـ.
>>> لا يفوتك قراءة المُداخلة الأُولى.
Nov 30, 2017, 8:42 AM
لطائف التنبيهات [14]
الحديث العاشر
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (يلقى إبراهيم أباه ءازر يوم القيامة)
روى البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء [1]، باب قول الله تعالى {واتَّخَذَ اللهُ إبرَاهيمَ خليلًا}: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ قالَ أخبرني أخي عبدُ الحميدِ عنِ ابنِ أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المَقبُريّ عن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ يَلْقَى إبراهيمُ أباهُ ءازرَ يومَ القيامةِ وعلى وجهِ ءازرَ قترةٌ وغَبَرةٌ فيقولُ لهُ إبراهيمُ ألَمْ أقُلْ لكَ لا تَعْصِني فيقولُ أبوهُ فاليومَ لا أعصيكَ فيقولُ إبراهيمُ يا ربّ إنكَ وعَدْتَني أنْ لا تُخزيَني يومَ يُبْعَثُونَ فأيُّ خِزْيٍ أخْزَى مِنْ أبي الأبعدِ فيقولُ اللهُ تعالى إني حرَّمْتُ الجنةَ على الكافرينَ ثمَّ يُقالُ يا إبراهيمُ ما تحتَ رِجْلَيكَ فينظُرُ فإذا هُوَ بذِيخٍ مُلْتَطِخٍ فيُؤخَذُ بقَوائِمِهِ فيُلقَى في النارِ.
يجب الاعتقاد بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أعلى رتبة وفي أفضل مقام يوم القيامة فلا يصيبهم أدنى عذاب ولا انزعاج ولا قلق ولا خوف لأن الله عز وجل قال: {أَلا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوفٌ عليهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ} والأنبياءُ كما قال الحافظ الطحاوي فيما نقل فيه الإجماع: (ونقول نبي واحد أفضل من جميع الأولياء).
فهذا الحديث الذي فيه: (فيقولُ إبراهيمُ يا ربّ إنكَ وعَدْتَني أنْ لا تُخزيَني يومَ يُبْعَثُونَ فأيُّ خِزْيٍ أخْزَى مِنْ أبي الأبعدِ) لا يجوز حمله على الظاهر لأنه انتقاص لنبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو من أولي العزم وهو أفضل العالمين بعد محمد عليهما الصلاة والسلام، ومن حمله على الظاهر فقد عارض الآية التي مر ذكرها ءانفًا كما أن الخزي يقع يوم القيامة على الكافرين كما قال الله تعالى في سورة النحل الآية: {إنَّ الخِزْيَ اليومَ والسُّوءَ على الكافِرينَ} ومستحيل أن يكون إبراهيم من المخزيين يوم القيامة، وظاهره معارض لقول الله تعالى إخبارًا عن إبراهيم: {ربِّ هَبْ لي حُكْمًا وألْحِقْني بالصَّالِحينَ واجْعَلْ لي لِسانَ صِدقٍ في الآخِرينَ واجْعَلْني مِن ورَثَةِ جنَّةِ النَّعيمِ واغْفِرْ لأبي إنَّهُ كانَ منَ الضَّالِّينَ ولا تُخْزِني يومَ يُبعَثُونَ يومَ لا ينفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} فيتبين لك أن الله تعالى استجاب دعاء إبراهيم فحفظه وسلمه من الخزي يوم يبعثون. وأما ما جاء في دعاء إبراهيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين أي اغفر له بإدخاله في الإسلام اهدهِ للإسلام ليغفر له بالإسلام لا وهو على كفره.
ثم إن الحديث قد طعن في أصله وصحته الحافظ الإسماعيلي وغير واحد، فعلى قول هؤلاء لا حاجة إلى تأويله وظاهره مخالف لنص القرءان والأحاديث والإجماع من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محفوظون وسالمون من الخزي والعذاب يوم القيامة. وعلى قول الذين صححوه له تأويل يليق بمنصب إبراهيم النبي الرسول وليس كما يوهمه ظاهر اللفظ.
قال ابن حجر في فتح الباري في باب قوله {ولا تُخْزِني يومَ يُبعَثُون} ما نصه [2]: (قد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحته فقال بعد أن أخرجه: هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيًا مع علمه بذلك، وقال غيره: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى {وما كانَ استْغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلا عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاهُ فلمَّا تبيَّنَ لهُ أنهُ عدوٌّ للهِ تبرَّأَ منهُ}) انتهى.
ثم قال: (قال الكرماني فإن قلت إذا أدخل الله أبه النار فقد أخزاه لقوله إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وخزيُ الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وهو محال) وكذا في عمدة القاري شرح صحيح البخاري باب قوله {ولا تُخْزِني يومَ يُبعَثُون}. ثم قال ابن حجر: (مما في اللفظ من الشناعة).
قال ابن كثير عن هذا الحديث ما نصه [3]: (هذا إسناد غريب، وفيه نكارة).
_____هامش_____
[1]: الجزء الثاني دار المعرفة 1418ه، ص/334.
[2]: فتح الباري [8/499].
[3]: في تفسير [طبع دار ومكتبة الهلال بيروت المجلد الرابع طبعة الأولى 1986ص/316].
Nov 30, 2017, 5:35 AM
لطائف التنبيهات [13]
الحديث التاسع
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (لا شخصَ أغْيَرُ منَ اللهِ)
روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد [1]، باب قولِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا شخصَ أغيَرُ من اللهِ: وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو عنْ عبدِ الملكِ لا شخصَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ”.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي [388ه] في كتابه [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري] [2]: (قلتُ: إطلاق “الشخص” في صفة الله تعالى غير جائز، وذلك لأن “الشخص” لا يكون إلا جسمًا مؤلَّفًا، وإنما يُسمَّى شخصًا ما كان له شُخوصٌ وارتفاعٌ، ومثل هذا النعت منفي عن الله سبحانه، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصْحيفًا من الراوي. والدليل على ذلك أنَّ أبا عَوانة قد روى هذا الخبر عن عبد الملك، فلم يذكُر هذا الحرفَ، وروَته أسماء بنت أبي بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا شيء [3] أغيَر من الله، هكذا أبو عبد الله قال: كتاب النكاح: باب الغيرة: حدَّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا همَّام عن يحيى عن أبي سلمَة أنَّ عُروة بن الزبير حدَّثه عن أمه أسماء أنها سمعَت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا شيء أغيرُ من الله. وعن يحيى أنَّ أبا سَلمة حدَّثه أنَّ أبا هريرة حدَّثه أنه سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. فدلَّت روايةُ أسماء وأبي هريرة قولَه: لا شيء أغيَرُ من الله، على أن “الشخص” وهمٌ وتصحيفٌ) ثم قال: (فمن لم يُمعِن الاستماع لم يأمن الوهمَ، وليس كلُّ الرواة يُراعون لفظَ الحديث حتى لا يتَعَدُّوه، بل كثير منهم يُحدّث على المعنى وليس كلُّهم بفقيهٍ. وفي كلام ءاحاد الرواة منهم جَفاءٌ وتعجرف) ثم قال [4]: (وحريٌّ أن يكون لفظ “الشخص” إنما جرى من الراوي على هذا السبيل إن لم يكن من قِبَل التصحيف، ثم إن عُبيد الله بن عمرو قد تفرَّد به عبد الملك، ولم يُتابَع عليه فاعتوَره الفسادُ من هذه الوجوه، فدلَّ ذلك على صحة ما قُلناه) اهـ. ونقله عنه محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [5]. ونقله عنه أيضًا سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن المُلَقّن في كتابه [التوضيح لشرح الجامع الصحيح] [6] ونقله عنه شهاب الدين أحمد بن محمد الشافعي القسطلاني [923ه] في كتابه [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري] [7] ونقله عنه أيضًا التَّاودي في [حاشية التاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري] [8].
وقال ابن بطَّال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك [449ه] في كتابه [شرح صحيح البخاري] [9]: (اختلفت ألفاظ هذا الحديث فروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا أحد أغير من الله. ذكره في ءاخر كتاب النكاح، وفي رواية عبيد الله، ورواية ابن مسعود مبينة أن لفظ “شخص” موضوع موضع “أحد”) وقال: (وأجمعت الأمة على أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه شخص، لأن التوقيف لم يرد له). ونقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه [فتح الباري بشرح صحيح البخاري] [10]، وكذا قال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن في كتابه [التوضيح لشرح الجامع الصحيح] [11].
ثم قال ابن بطال [12]: (وقد تقدم في كتاب النكاح في باب الغيرة، معنى الغيرة من الله أنها معنى: الزجر عن الفواحش والتحريم لها) وقال: (باب قوله: {قُلْ أيُّ شيءٍ أكبَرُ شَهادةً قُلِ اللهُ} [سورة الأنعام/19]، فسمَّى اللهُ نفسَهُ شيئًا) وقال: (قال عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة: إنما سمَّى الله نفسَه شيئًا إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم) اهـ. وكذا قال محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [13].
وقال الحافظ ابن الجوزي [597ه] في كتابه [دفع شبه التشبيه] [14]: لفظة “الشخص” يرويها بعض الرواة ويروي بعضهم “لا شيء أغير من الله”، والرواة يروون بما يظنونه المعنى، وكذلك “شخص” من تغيير الرواة) وقال: (و”الشخص” لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا) اهـ أورده المحدث محمد زاهد الكوثري في كتابه [العقيدة وعلم الكلام] [15].
وفي كتاب [كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري] ومعه [التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح] للزركشي [794ه] يقول الزركشي [16]: (قال الإسماعيلي: ليس فيما أورد إطلاق هذا اللفظ –الشخص- على الله تعالى) اهـ.
– التتمة في المداخلة التالية
Nov 29, 2017, 7:12 AM
تحقيقات هررية [7]
# الدس على ابن عربي في كتبه – مقال للسلطان الهرري رحمه الله
– مِنَ الكُتُب التي يجب التحذيرُ منها كتاب [الفتوحات المكية] فإنها تحتوي على كلمات كثيرة من الكفر الصريح الذي لا تأويل له كما قال المحدث الحافظ وليِّ الدين العراقي في رسالة له سمّاها [الأجوبة المرضية] [1]، كذا يجب التحذير من كتاب [فصوص الحكم] وبعضٍ غيرها من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.
وأمّا الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه أنه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان [2]، وذكر أنه اعتدَّ به حُفَّاظ عصره كابن النجار.
وأكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة، ففي كتابه [الفتوحات المكية] ما يخالف ذلك فإن فيها ذمَّ عقيدة الوحدة المطلقة، وذمَّ عقيدة الحلول. فمما فيه لإبطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في [الفتوحات المكية]: (ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، ومن قال بالحلول فدينه معلول) اهـ.
فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في إبطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول، لا يجوز أن يُصَدَّقَ على الشيخ محيي الدين ما في بعض المواضع الأخرى من هذا النوع.
ومما في [الفتوحات المكية] مما لا يُصَدَّقُ عليه ما نقله بعض أهل عصرنا وهو محمد الهاشمي التلمساني نزيل دمشق في رسالة ألَّفها عن [الفتوحات المكية]: (كل كلام في العالم كلامه القول كله حَسَن فما وافق الغرض فهو أحسن) اهـ.
وقد حضرتُ مجلس الشيخ الولي أحمد الحارون الدمشقي رحمه الله -وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف- فسألته أن الشيخ محمدًا الهاشمي ألَّفَ رسالة ذكر فيها نقلا عن كتاب الشيخ محيي الدين بن عربي في [الفتوحات المكية] هذه العبارة المذكورة فقال الشيخ أحمد: “هذا الشيخ ما له حق في أن يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير” اهـ.
وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه [لطائف المنن والأخلاق] مما يؤيد ما ذكرنا ما نصُّه [3]: (وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية إجماع المحققين على أنَّ من شرط الكامل أن لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة أبدا بل يرى أن من الواجب عليه أن يُحِقَّ الحق ويُبطل الباطل، ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما أمكن انتهى. هذا لفظه بحروفه ومَنْ تأمَّله وفهمَه عرف أن جميع المواضع التي فيها شطحٌ في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب [الفتوحات المكية] فإنه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغَ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في [الفتوحات المكية] في مواضع كثيرة من أن الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله أيضا في مواضع: من أراد أن لا يضلّ فلا يرمِ ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلًا ونهارًا عند كل قول وفعل واعتقاد انتهى) انتهى كلام الشعراني.
ثم قال الشيخ الشعراني في [لطائف المنن] ما نصه [4]: (وليُحذر أيضًا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها، ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد أخبرني الشيخ أبو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة أنه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الأمور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة. قلتُ [أي الشعراني]: وقد اختصرتُ الفتوحات المكية وحذفتُ منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة، فلما أخبرت بأنهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد وَرَدَ عليَّ الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية فلم أجد فيها شيئًا من ذلك الذي حذفتُه ففرحتُ بذلكَ غايةَ الفرح، فالحمد لله على ذلك) انتهى كلام الشعراني.
قال الشيخ أبو الهدى الصيادي ما نصّه [5]: <والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان، وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمّة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء)، وقد نسبوا أعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية، ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية> اهـ. ثم قال بعد كلام ما نصه [6]: <والحق يُقال: الذي عليه أهل الورع من علماء الدين أنه لا يُحكم على ابن عربي -رحمه الله- نفسه بشيء لأنا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه، ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر> اهـ.
وقال صاحب [المعروضات المزبورة] أحد الفقهاء الحنفية المشهورين: (تيقَّنَّا أنَّ اليهود دسُّوا عليه في فصوص الحكم) اهـ.
الهامش في المداخلة التالية –
Nov 28, 2017, 6:28 AM
لطائف التنبيهات [12]
الحديث الثامن
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (فيأتِيهِم اللهُ في الصُّورةِ)
– روى البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنَّمَ [1]: (حدَّثَنا أبو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهريِّ أخْبَرَني سعيدٌ وعطَاءُ بنُ يَزيدَ أنَّ أبا هُريرةَ أخبَرَهُما عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وحدَّثَني محمودٌ حدَّثَنا عبدُ الرزَّاقِ أخبَرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ عنْ عطاءِ بنِ يزيدَ الليثيِّ عنْ أبي هُريرةَ قالَ: قالَ أناسٌ يا رسول اللهِ هل نرى ربَّنا يومَ القيامةِ فقالَ هلْ تُضارُّونَ في الشمسِ ليسَ دُونَها سَحابٌ قالوا لا يا رسولَ اللهِ قالَ هل تُضارُّونَ في القمرِ ليلةَ البدرِ ليسَ دُونَهُ سحابٌ قالوا لا يا رسولَ اللهِ قال فإنَّكُم تَرَونَهُ يومَ القيامةِ كذلكَ يجْمَعُ اللهُ الناسَ فيقولُ مَنْ كانَ يعبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعُهُ فيَتْبَعُ مَنْ كانَ يعبدُ الشمسَ ويتبعُ مَنْ كانَ يعبدُ القمرَ ويتبعُ مَنْ كانَ يعبدُ الطواغيتَ وتبقَى هذهِ الأمة فيها مُنافِقُوها فيأتيهِم اللهُ في غير الصورةِ التي يعرِفُونَ فيقولُ أنا ربُّكُم فيقُولونَ نعوذُ باللهِ منكَ هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا فإذا أتانا ربُّنا عرفْناهُ فيأتيهِم اللهُ في الصورةِ التي يعرفونَ فيقولُ أنا ربُّكُم فيقولونَ أنتَ ربُّنا فيَتْبَعُونَهُ).
وأيضًا في كتاب التوحيد [2]، باب قول الله تعالى {وجوهٌ يومَئِذٍ ناضِرةٌ إلى ربِّها ناظِرةٌ}.
قال الحافظ البيهقي في كتابهِ [الأسماء والصفات] [3]: (وأمّا الحديثُ الذي أخبرَنا أبو عبدُ اللهِ الحافظُ، أخبرَني أبو النَّضرِ محمدُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ الفقيهُ، حدثَنا عليُّ بنُ محمدِ بنِ عيسى، حدَّثَنا أبو اليمانِ، أخبرَنا شُعَيبُ بنُ أبي حمزةَ، عنِ الزُّهريِّ، قالَ: أخبَرَني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءُ بنُ يزيدَ الليثيُّ، أنَّ أبا هُريرةَ، أخبَرَهُما أنَّ الناسَ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ اللهِ، هل نرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ قال: هلْ تُمارُونَ في القمرِ ليلةَ البدرِ ليسَ دُونَها سحابٌ؟ قالوا: لا يا رسولَ اللهِ قالَ: فهَلْ تُمارُونَ الشمسَ ليسَ دُونَها سحابٌ؟ قالوا: لا يا رسولَ الله قالَ: فإنَّكُمْ تَرَونَهُ كذلكَ، يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فيُقالُ: مَنْ كانَ يعبُدُ شيئًا فلْيَتَّبِعْهُ فمِنْهُم مَنْ يتبَعِ الشمسَ، ومِنهُم من يتبع القمرَ، ومنهُم من يتبع الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمةُ فيها مُنافِقُوها فيأتيهِمُ اللهُ تباركَ وتعالى في غيرِ صورتِهِ التي يعرِفُونَ، فيقولُ: أنا ربُّكُم فيقولونَ: نعوذُ باللهِ منكَ، هذا مكانُنَا حتى يأتِينا ربُّنا، فإذا جاءَ ربُّنا عرَفْناهُ فيأتِيهِمُ اللهُ في صورتِهِ التي يَعرِفُون..) ثم قال [4]: (فهذا حديثٌ قدْ رواهُ البُخاريُّ في الصحيحِ عنْ أبي اليَمانِ دُونَ ذكرِ الصورةِ، ثم أخرجهُ من حديث معمر عنِ الزُّهريِّ، عنْ عطاءِ بنِ يزيدَ، وفيهِ ذكرُ الصورةِ وأخرجهُ أيضًا منْ حديثِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عنِ الزُّهريِّ، ورواهُ مسلمُ بنُ الحجاجِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ الدارميّ، عن أبي اليَمانِ نحوَ حديثِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ عطاءِ بنِ يَزيدَ وفيهِ ذكرُ الصورةِ) اهـ.
وقال المحدثُ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي [5]: (اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي، وتوحيد ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها) اهـ.
– التتمة في المداخلة التالية:
Nov 27, 2017, 5:21 AM
سلام الله على الشهداء #
في رثاء شهداء مسجد الروضة في سيناء – شرقي مصر
شعر: عمر الشادي
..
1. سَلامُ اللهِ بَارِينا على الشُّهداءِ في سِيْنَا
2. على أرضٍ مُبارَكةٍ وأطفالٍ مُصَلِّيْنَا
3. على الْعُبَّادِ مَنْ كانوا ببيتِ اللهِ آوِيْنَا
4. على طُهْرٍ نوَدِّعُهُ بدمعٍ لا يُواسِيْنَا
..
5. بغيرِ الثَّأرِ لنْ نَرضَى ولن تَرضَى نَوادِيْنَا
6. فلَعنةُ ربِّنا تَتْرَى على مَنْ أجرَمُوا فِيْنَا
7. سَنُوْقِدُ مِنْ دِمَا الأحرارِ في سِيْنَا براكِيْنَا
8. وفي وَجهِ البُغاةِ بلى سَنُشْعِلُهَا مَيَادِيْنَا
..
9. ألَا يا أيُّها الشَّيطانُ تبًّا إذ تُعادِيْنَا
10. تُريدُ بِنا فنونَ الشَّرِّ يا بئسَ المُريدِيْنَا
11. جُناةً قد جمعتَ لنا وشُذَّاذًا مَلاعِيْنَا
12. فليسوا في الوَرَى بَشَرًا ~ رأينا بلْ شَياطِيْنَا
..
[]: تترى: متتالية.
Nov 25, 2017, 5:47 AM
لطائف التنبيهات [11]
الحديث السابع
تضعيف الحفاظ والعلماء لـ: “إنكار عائشة لعذاب القبر”
– روى البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات، باب التعوّذ من البخل [1]: حدَّثَنا عُثمانُ بنُ أبي شَيبةَ حدَّثَنا جَريرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أبي وائلٍ عنْ مَسروقٍ عنْ عائشةَ قالتْ: دَخَلَتْ عليَّ عَجُوزانِ مِنْ عُجُزِ يهودِ المدينةِ فقالتا لي إنَّ أهلَ القبورِ يُعَذَّبُونَ في قُبورِهِمْ فكَذَّبْتُهُما ولمْ أنْعِمْ أنْ أُصَدِّقَهُما فخرَجَتا ودخلَ عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقُلتُ لهُ يا رسولَ اللهِ إنَّ عَجُوزَينِ وَذَكَرْتُ لهُ فقالَ صدَقَتَا إنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عذابًا تَسْمَعُهُ البهائمُ كلُّها فما رأيتُهُ بعدُ في صلاةٍ إلا تعوَّذَ مِنْ عذابِ القبرِ”.
قال محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [2]: (و”مسروق” بالعطف، هو وَهِم، وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق، وما أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة)، ثم قال: (و”عذاب القبر” ما يترتب بعده على المجرمين) اهـ.
وقال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـابن الملقن [804ه] في كتابه [التوضيح لشرح الجامع الصحيح] [3]: (وقال الجياني في حديث عائشة: “كذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي ذر عن أبي إسحاق المستملي “جرير، عن منصور، عن أبي وائل ومسروق عن عائشة”، عطف مسروقًا على أبي وائل وهو وهم، وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق، ولا أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة” [4]: ورد في هامش الأصل: قال العلائي في [المراسيل] [5]: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله –يعني أحمد بن حنبل-: أبو وائل سمع عن عائشة؟ قال: لا أدري، قد أدخل بينها وبينه مسروق إلى غير شيء) اهـ.
وقال بدر الدين العيني الحنفي [855ه] في كتابه [عمدة القاري شرح صحيح البخاري] [6]: (مطابقته للترجمة التي قبل هذه الترجمة ظاهرة وقد قلنا إن هذه الترجمة غير صحيحة وهذا الحديث هو من أحاديث تلك الترجمة) اهـ.
ويقولون فيما نُبَرِّئ الحافظ ابن حجر منه [7]: (قوله “أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر” وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند المصنف في الدعوات دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك فنسبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يحمل على المتكلمة. ولم أقف على اسم واحدة منهما. وزاد في رواية أبي وائل “فكذبتهما” ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: “دخلت علي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور، قالت: فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنما يفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر”. وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن في هذه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية وفي الأول أنه أقرها. قال النووي تبعًا للطحاوي وغيره: هما قصتان فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أُعلِم النبي بذلك ولم يُعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلَمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى.
– تتمة المقال في المداخلة التالية
Nov 25, 2017, 2:02 AM
دعاة لا قضاة [48/100]
# إياكم والغلو
– أخي الداعية؛ إياكَ والغلوَّ؛ فإنما يدعوك إليه التكبُّرُ وإنما يتلَبَّسُه الجاهلون والحمقى. فإذا سلكتَ طريقًا -أيَّ طريقٍ- ومهما وَثِقْتَ باختيار وجهتِكَ فيه: فَسِرْ على بصيرة دائمًا ولا تخطُ إلَّا على هدًى، ولا تبخسِ العلماءَ المحققينَ منازلهم المحصَّنةَ ودرجاتِهم العاليةَ ولا تدَّعِ فيهم عصمةً مما لم يعصمْهمُ الله منه.
وحسِّن الظنَّ يا مولانا بمن سبقوا دون أن تغفل أنَّ العبرة بمن صَدَقَ لا بمن سَبَقَ؛ فإذا سُئِلْتَ يا حبيبَنا الشيخ فاذكر الله ولا تخضْ في بهتان، وإذا سألتَ فاسألْ لا بنيَّةِ إظهارِ فضلِ السائلِ على المسؤولِ فإنَّ ذلكَ مفتاحُ بابِ الغلط، وقد وردَ أنَّ نبينا عليه الصَّلاة والسَّلام نهانا عن الأغلوطات.
Nov 24, 2017, 6:24 AM
مختارات من لطائف التنبيهات [10]
الحديث السادس
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخَيَّلُ إليهِ أنهُ كانَ يفعلُ الشيء وما فعَلَهُ)
تنبيه: السحر لا يؤثر في عقل وقلب واعتقاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أما أن يؤثر في أجسادهم فيمكن، ولذلك فإن العلماء استنكروا ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الطب [1]: “حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ مُوسى أخبَرَنا عيسى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: سَحَرَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مِنْ بَنِي زُرَيقٍ يُقالُ لهُ لَبيدُ بنُ الأعصَمِ حتى كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخَيَّلُ إليهِ أنهُ كانَ يفعلُ الشيءَ وما فَعَلَهُ”.
وذُكرَ في كتاب [الجزية] [2]، بإشراف محمد بنيس، وفي كتاب [بدء الخلق] [3] في باب [صفة إبليس وجنوده]. وفي صحيح مسلم في كتاب السلام [4].
قال الإمام أبو سليمان الخطّابي [388ه] في كتابه [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري] [5]: (ودفع ءاخرون من أهل الكلام هذا الحديث، وقالوا: لو جاز أن يعملَ في نبي الله السحر، أو يكونَ له تأثير فيه، لم يؤمَن أن يؤثِّرَ ذلك فيما يوحى إليه من أمور الدين والشريعة، ويكون في ذلك ضلال الأمة، والجواب أن السحر ثابت، وحقيقته موجودة، اتفق أكثر الأمم من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته) اهـ. ونقله عنه المفسر الحسين بن مسعود البغوي في كتابه [شرح السنة] [6]. وكذا قال الحافظ ابن الجوزي في كتاب [كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري] [7].
وقال القاضي عياض اليحصبي المالكي [544ه] في كتابه [إكمال المعلم بفوائد مسلم] في شرحه على صحيح مسلم [8]: (قال المازري: أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته) وقال بعد كلام ص79: (فقد استبان من معاني هذه الروايات أن السحر إنما يسلط على جسده وجوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده) اهـ.
وكذا قاله الحافظ النووي الشافعي [9] [676ه] في شرحه على صحيح مسلم.
وكذا قال محمد بن خليفة الوشتاني الأُبيّ [827 أو 828ه] في شرحه على صحيح مسلم المسمى [إكمالُ إكمالِ المُعَلِّم] [10].
ونقله التَّاوُدي [1209ه] عن القاضي عياض في [حاشية التَّاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري] [11].
وقال القاضي عياض المالكي في [الشفا] [12]: (واعلم أن الأمة مجمعة على على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس). وقال [13]: (قال أئمتنا في هذا الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع غشى ونحوه مما يطرأ على جسمه معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في الكلام). وقال [14]: (وكذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر على باطنه ما يخل به ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما يعتري غيره من البشر) اهـ.
وقال الحافظ المجتهد المجدد الهرري: (والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم سُحِرَ ولم يؤثِّر السحرُ في عقله بالمرة، فما قيل من أنه صلى الله عليه وسلم كان يُخيَّلُ إليه أنه كان يأتي النساء وما يأتيهنَّ أو يفعل الشيء وما يفعله، فهذا غير صحيح ولا يليق بعصمة النبي).
فهذه النقول عن أهل العلم تكشف أن متن هذه الرواية مما اعترض عليه العلماء، لأن إثبات الرواية يؤدي إلى الطعن في الشريعة عبر نسبة تأثير السحر في عقل وقلب واعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليتنبّه.
_____هامش_____
[1]: كتاب الطب: باب السحر [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه ص1071 رقم الحديث 5763].
[2]: كتاب الجزية: باب “هل يُعفى عن الذمي إذا سحرَ” [ص293 المجلد الثاني، طبعة دار المعرفة الطبعة الأولى 1418ه-1997م].
[3]: بدء الخلق [ص314-315، المصدر السابق].
[4]: كتاب السلام: باب السحر ص864 رقم الحديث 2189 [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421ه].
[5]: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، المملكة العربية السعودية، جامعة أم القرى، المسمى معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1409ه الجزء الثاني ص1500].
[6]: شرح السنة [طبعة المكتب المسمى الإسلامي-دمشق- بيروت، الطبعة الثانية 1403ه، الجزء الثاني عشر ص187].
[7]: للزركشي [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1424ه الجزء السابع ص205].
[8]: إكمال المعلم بفوائد مسلم [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1427ه الجزء السابع ص78].
[9]: دار الكتاب العربي طبعة 1407ه، [13/ص174-175].
[10]: إكمالُ إكمالِ المعلم [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1415ه، الجزء السابع ص365].
[11]: حاشية التَّاودي ابن سودة على صحيح البخاري [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1428ه، الجزء الخامس ص423].
[12]: الشفا [دار الكتب العلمية، الجزء الثاني ص117].
[13]: الشفا [ص/192].
[14]: الشفا [ص/180].
Nov 20, 2017, 10:05 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [9]
الحديث الخامس
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث “يكشف ربنا عن ساقه”
روى البخاري في صحيحه في كتاب تفسير القرءان باب قوله تعالى: {يومَ يَكْشِفُ عن ساقٍ} [1]: حدَّثَنا ءادَمُ حدَّثَنا الليثُ عنْ خالدِ بنِ يَزيدَ عنْ سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ عنْ زَيدِ بنِ أسلَمَ عن عطاءِ بنِ يسارٍ عن أبي سعيدٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: سمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: يَكشِفُ ربُّنا عنْ ساقِهِ فيسْجُدُ لهُ كلُّ مُؤمنٍ ومُؤمِنةٍ فيَبْقَى كلُّ مَنْ كانَ يسجُدُ في الدنيا رِياءً وسُمْعَةً فيذهبُ ليسْجُدَ فيَعُودُ ظَهْرُهُ طبَقًا واحِدًا” اهـ.
وأيضًا في كتاب التوحيد [2]، باب قول الله تعالى {وُجُوهٌ يومَئِذٍ ناضِرةٌ إلى وجْهِها ناظِرةٌ}.
نقل الذهبي في كتابه [سير أعلام النبلاء] [3] إنكار الإمام مالك [93ه] للفظ ساقه: (أبو أحمد بن عَدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمَّن حدَّث بالحديث، الذين قالوا: “إن الله خلق ءادم على صورته”، والحديث الذي جاء: “إن الله يكشف عن ساقه”، وأنه “يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد”. فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدِّثَ بها أحد” اهـ. لا شك أن مالكًا أوسع اطلاعًا ممَّن أثبت هذا اللفظ من غير تحقيق فلذلك أُكره هذا الإمام الكبير الذي هو من أئمة أهل السنة والجماعة ولا يخفى أنه عاش في زمن السلف الصالح.
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي [388ه] في كتابه [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري] [4]: (قلتُ: وهذا الحديث مما قد تهيَّب القولَ فيه شيوخنا، فأَجْروهُ على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يُحيط العلم بكنهه من هذا الباب، وقد تأوَّله بعضهم على معنى قوله {يوم يُكشف عن ساق}، فروي عن ابن عباس أنه قال: عن شدة وكرب” اهـ. ونقله البيهقي [458ه] عنه في كتابه [الأسماء والصفات] [5] وعلَّق المحدث الكوثري بقوله [6]: (هذا لفظ سعيد بن أبي هلال، وهو لفظ منكر. قال الإسماعيلي في قوله “عن ساقه”: نكرة، ثم ساق بطريق حفص بن ميسرة بلفظ “يكشف عن ساق” من غير ضمير، وقال: هذه أصح لموافقتها لفظ القرءان في الجملة، ولا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك) اهـ.
ونقل قول الخطابي أيضًا محمد بن يوسف الكرماني [786ه] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [7]. وهو ما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني [852ه] في كتابه [فتح الباري بشرح صحيح البخاري] [8]. وكذا قال التَّاودي [1209ه] في [حاشية التَّاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري] [9]. وكذا نقله شهاب الدين أحمد بن محمد الشافعي القسطلاني [923ه] في كتابه [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري] [10].
وأهل السنة والجماعة ينزهون الله تعالى عن الساق الحقيقية، ويؤولون ما ورد في القرءان على معنى الشدة الشديدة والأمور العظيمة التي يُظهرها الله يوم القيامة، والله منزه عن الجسم والأعضاء والجوارح والآلات والأدوات والحركات والسكنات وكل ما كان من صفات المخلوقين، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر.
وقال بدر الدين العيني الحنفي [855ه] في كتابه [عمدة القاري شرح صحيح البخاري] [11]: قوله “يكشف ربنا عن ساقه” من المتشابهات، ولأهل العلم في هذا الباب قولان: أحدهما: مذهب معظم السلف أو كلهم تفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والإيمان به، واعتقاد معنى يليق لجلال الله عز وجل، والآخر: هو مذهب بعض المتكلمين أنها تتأول على ما يليق به، ولا يسوغ ذلك إلا لمن كان من أهله بأن يكون عارفًا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، فعلى هذا قالوا: المراد بالساق هنا الشدة، أي: يكشف الله عن شدة وأمر مهول وكذا فسره ابن عباس” اهـ.
وقال أبو يحيى زكريا بن محمد الأنصاري [926ه] في كتابه [تحفة الباري بشرح صحيح البخاري] [12]: ({يوم يُكْشَفُ عن ساقٍ} أي عن أمرٍ شديد) اهـ.
– الهامش في المداخلة التالية
Nov 19, 2017, 2:08 PM
قصيدة: عُمر أمير المُؤمنين (رضي الله عنه) – الجُزء الأوَّل
1. عُمَرٌ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ وَقَدْ ظَهَرْ # يَاْ ذُلَّ عَبْدٍ قَدْ تَبَرَّأَ مِنْ عُمَرْ
2. عُمَرٌ بِنُوْرِ اللهِ أَبْصَرَ وَاهْتَدَىْ # وَخَصِيْمُهُ أَعْمَى الْبَصِيْرَةِ وَالْبَصَرْ [1]
3. عُمَرٌ سِرَاْجٌ بِالْهِدَاْيَةِ زَاْهِرٌ # بِالنُّوْرِ يَسْرِيْ وَالضِّيَاْ حَيْثُ انْتَشَرْ
4. عُمَرٌ وَزِيْرٌ لِلنَّبِيِّ مُسَدَّدٌ # بِالْحَقِّ فِيْ وَجْهِ الطُّغَاْةِ لَقَدْ جَهَرْ
5. هُوَ دَعْوَةٌ بِالْخَيْرِ مِنْ فَمِ أَحْمَدٍ # فَبِهِ رَسُوْلُ اللهِ وَاللهِ انْتَصَرْ
6. عَدْلٌ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ وَعَدْلُهُ # شَمْسُ النَّهَاْرِ وَفِي اللَّيَاْلِيْ كَالْقَمَرْ
7. فِيْ قَلْبِهِ وَعَلَىْ صَدُوْقِ لِسَاْنِهِ # حَقٌّ تَبَدَّىْ لِلْخَلِيْقَةِ وَالْبَشَرْ
8. يَرْعَىْ عُهَوْدَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِحِكْمَةٍ # وَيَجُوْدُ بِالْغَاْلِي الْأَمِيْرُ وَبِالسَّهَرْ
9. فِيْ وَجْهِهِ خَطَّاْنِ مِنْ أَثَرِ الْبُكَاْ # مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ لَاْ شَكْوَى الضَّرَرْ
10. عُمَرٌ أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ وليتَ لِيْ # فِيْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ قُرْبًا مِنْ عُمَرْ
..
11. تَبًّا لِعَبْدٍ قَدْ تَنَطَّعَ وَافْتَرَىْ # يَاْ وَيْلَهُ وَقَرِيْبُ مَوْعِدِهِ سَقَرْ
12. يَاْ مُبْغِضَ الْفَاْرُوْقِ حَسْبُكَ بُغْضُهُ # دَرْبُ الْمَذَلَّةِ وَالْمَقَاْمُ الْمُحْتَقَرْ
13. لَمْ تَخْشَ حَرْبَ اللهِ إِذْ عَاْدَيْتَهُ # أَقْسَمْتُ بِالرَّحْمَنِ إِنَّكَ فِيْ خَطَرْ [2]
14. خَطَرٌ عَظِيْمٌ لَسْتَ تَعْرِفُ غَاْيَةً # فِيْ قَعْرِهِ حَتَّىْ تَؤُوْلَ إِلَى الْحُفَرْ
15. تَهْجُو التَّقِيَّ عَلَيْهِ يُثْنِيْ رَبُّنَاْ # نَصُّ الْكِتَاْبِ لِمَنْ تَدَبَّرَ فِي السُّوَرْ [3]
16. فِي السَّاْبِقِيْنَ الْأَوَّلِيْنَ مَقَاْمُهُ # لَاْ شَكَّ عِنْدَ النَّاْسِ فِيْ هَذَا الْخَبَرْ
17. بُشْرَاْهُمُ فِيْ قَوْلِ رَبِّيْ قَدْ أَتَتْ # بِجِنَاْنِ خُلْدٍ طَاْبَ فِيْهَا الْمُسْتَقَرْ
18. وَكَذَاْ نَبِيُّ اللهِ بَشَّرَهُ بَلَىْ # طُوْبَىْ فَبَعْدَ الْمَوْتِ لَاْ يَشْكُو الْكَدَرْ [4]
19. هَذَاْ حَدِيْثٌ بِالصَّحِيْحِ مُعَرَّفٌ # صَحَّ الْحَدِيْثُ وَخَاْبَ غِرٌّ قَدْ مَكَرْ
20. يَاْ غَاْفِلًا عَنْ قَدْرِهِ مَاْ عَاْقِلٌ # مُسْتَرْشِدٌ إِلَّا وَيَعْرِفُ مَنْ عُمَرْ
..
رابط الجزء الثاني في المداخلة الأولى
_____هامش_____
[1]: وَخَصِيْمُهُ أَعْمَى الْبَصِيْرَةِ وَالْبَصَرْ: لمَّا كان ضالًّا شُبِّه بأعمى البصر لا يهتدي إلى الطريق.
[2]: لَمْ تَخْشَ حَرْبَ اللهِ: من حيث إن من عادى الأولياء موعود بالحرب من الله إشارةً إلى الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب).
[3]: عَلَيْهِ يُثْنِيْ رَبُّنَاْ # نَصُّ الْكِتَاْبِ: إشارة إلى قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان}.
[4]: نَبِيُّ اللهِ بَشَّرَهُ: إشارة إلى الحديث الصحيح الثابت: (وعمر في الجنة).
Nov 18, 2017, 7:21 AM
قصيدة: عُمر أمير المُؤمنين (رضي الله عنه) – الجُزء الثَّاني
21. فَسِهَاْمُنَاْ فِيْ حُبِّهِ رَصَدٌ وَذَا # أَقْسَىْ عَلَىْ صَدْرِ اللَّئِيْمِ مِنَ الْحَجَرْ [5]
22. هُوَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ أَقْرَبُ مَنْزِلًا # فَاجْلُ الْفُؤَاْدَ بِحُبِّهِ وَاجْلُ الْفِكَرْ [6]
23. وهُوَ الَّذِي الصِّدِّيقُ قَدْ أَوْصَىْ بِهِ # وَوَزِيْرُهُ الْكَرَّاْرُ مَرْفُوْعُ النَّظَرْ
24. لَاْ يَسْلُكُ الشَّيْطَاْنُ فَجًّا إِنْ مَشَىْ # فِيْهِ أَبُوْ حَفْصٍ فَبِالتَّقْوَىْ أَمَرْ
25. وَأَهَاْنَ فِي الْيَرْمُوْكِ قَيْصَرَ رُوْمِهِمْ # وَأَذَلَّ كِسْرَى الْقَاْدِسِيَّةِ وَانْتَصَرْ
26. قَرْنُ الْحَدِيْدِ فَبَأْسُهُ فِيْمَنْ بَغَىْ # وَالْقُدْسُ سِلْمٌ وَالنَّوَاْحِيْ إِذْ حَضَرْ [7]
27. أَنَا فِيْ هَوَى الْفَاْرُوْقِ صَبٌّ هَاْئِمٌ # حُبِّيْ لَهُ وَاللهِ فِيْ صَدْرِيْ وَقَرْ [8]
28. أَرْجُوْ مَوَاْهِبَهُ وَأَرْجُوْ غَوْثَهُ # إِنْ حَلَّ ضِيْقٌ أَوْ تَرَاْءَىْ بِيْ ضَرَرْ [9]
29. فَإِذَاْ حَيَاْتُكَ مَرَّةً قَدْ أَجْدَبَتْ # فَاذْكُرْ وَلِيَّ اللهِ وَاسْتَقْصِ الْمَطَرْ [10]
30. وَإِذَاْ وَجَدْتَ مَشَقَّةً لَاْ تَنْقَضِيْ # فَارْفَعْ نِدَاْءَ الْحُبِّ وَاهْتِفْ: يَاْ عُمَرْ
..
31. يَاْ يَوْمَ أَسْلَمَ فِيْ قُرَيْشٍ عِزُّهَاْ # وَسَفِيْرُهَاْ أَنْعِمْ فَقَدْ طَاْبَ الْخَبَرْ
32. يَمْشِيْ وَحَمْزَةُ فِيْ صِحَاْبِ الْمُصْطَفَىْ # قَمَرًا يُجَلِّلُهُ الضِّيَاْءُ إِلَىْ قَمَرْ
33. إِذْ يَنْصُرَاْنِ الْمُسْلِمِيْنَ بُطُوْلَةً # وَيُخَفِّفَاْنِ الْقَهْرَ عَمَّنْ قَدْ صَبَرْ
34. مَنْ كَاْنَ فِيْ آلِ النَّبِيِّ غَرَاْمُهُ # فَهُمُ مَعَ الْفَاْرُوْقِ حُبٌّ مُعْتَبَرْ
35. عُمَرٌ حَبِيْبُ مُحَمَّدٍ وَنَصِيْرُهُ # فِيْ مَكَّةٍ وَالنَّاْسُ طُرًّا فِيْ حَذَرْ
36. وَزِوَاْجُهُ مِنْ بِنْتِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ # دَاْعِي السَّعَاْدَةِ فِي الْفُؤَاْدِ لِذِيْ نَظَرْ [11]
37. يَاْ عَاْشِقُوْنَ قُلُوْبُنَاْ مُشْتَاْقَةٌ # وَحَبِيْبُنَاْ حِبُّ الْحَبِيْبِ عَلَىْ أَثَرْ
38. صَلُّوْا عَلَى الْهَاْدِي النَّبِيِّ وَسَلِّمُوْا # مَاْ فَاْحَ بِالْأَعْطَاْرِ بُسْتَاْنُ الزَّهَرْ
39. مَاْ طَاْرَ بِالْأَشْوَاْقِ قَلْبٌ عَاْشِقٌ # أَوْ حَنَّ مُشْتَاْقٌ إِلَيْهِ عَلَىْ سَفَرْ
40. وَعَلَىْ جَمِيْعِ الْآلِ أَقْمَاْرِ الْعُلَىْ # وَصَحَاْبَةٍ فِيْهِمْ أَبُوْ حَفْصٍ عُمَرْ
..
رابط الجزء الأول في المداخلة الأولى
..
_____هامش_____
[5]: رصدٌ: أُرصِدَتْ لهم يُرْمَوْنَ بها.
[6]: فَاجْلُ الْفُؤَاْدَ بِحُبِّهِ وَاجْلُ الْفِكَرْ: المعنى؛ اكشف ما فيه من الحب، وفي اللغة: (وأَمرٌ جَلِيٌّ: واضح؛ تقول: اجْلُ لي هذا الأَمرَ أي: أَوضحه).
[7]: قَرْنُ الْحَدِيْدِ: إشارة إلى ما ورد في التوراة من صفته: (قرنٌ حديدٌ أمير شديد).
[8]: وَقَرْ: سكنَ وثبتَ في الصدر.
[9]: أَرْجُوْ مَوَاْهِبَهُ وَأَرْجُوْ غَوْثَهُ: المَوْهِبةُ؛ الهِبةُ، بكسر الهاءِ، وجمعُها: مواهبُ. وغوثه إغاثته وفي اللسان: (ولا غَوْثٌ أَي: إِغاثة؛ وغَوْثٌ: جائزٌ، في هذه المواضع، أَن يُوضع اسمٌ موضعَ المصدرِ مِن أغاث).
[10]: فَإِذَاْ حَيَاْتُكَ مَرَّةً قَدْ أَجْدَبَتْ # فَاذْكُرْ وَلِيَّ اللهِ وَاسْتَقْصِ الْمَطَرْ: الجَدْبُ؛ المَحْل نَقِيضُ الخِصْبِ. واستقصِ؛ ابلغِ الغاية في الطلب.
[11]: وَزِوَاْجُهُ مِنْ بِنْتِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ: هي أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب؛ وأمها فاطمة الزهراء، رضي الله عنها وعن أبيها وأمها.
Nov 18, 2017, 7:19 AM
مختارات من لطائف التنبيهات [8]
الحديث الرابع
تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (ودَنا الجَبَّار) في الحديث السابق
[ملاحظة: طُبع هذا النص من الكتاب ولم يُحرر].
في كتاب التوحيد [1]، باب قوله تعالى {وكلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْليمًا}: “ودنا الجَبَّارُ ربُّ العِزَّةِ فتَدَلَّى حتى كانَ منهُ قابَ قَوسَينِ أو أدْنَى”.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي [388هـ] في كتابه [أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري] [2]: (قلتُ: إنما سردنا هذه القصة بطولها ولم نختصر موضع الحاجة منها لبشاعة ما وقع فيها من الكلام الذي لا يليق بصفة الله تعالى، ولا ينبغي لمسلم أن يعتقده على ظاهره، وهو قوله: “ودَنا الجبارُ ربُّ العزةِ فتَدَلَّى حتى كانَ منهُ قابَ قَوسَينِ أو أدنَى”، وذلك أن هذا يوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورَين وبين الآخَر وتمييزَ مكانِ كلِّ واحدٍ منهما هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي يعلو من فوق إلى أسفل، فمن لم يَبلُغه من هذا الحدديث إلا الفصلُ مقطوعًا عن غيره منه ولم يعْتَبِرْهُ بأوّل القصة، وءاخرها اشتبَهَ عليه وجهُ الحديثِ ومعناهُ، وكان قُصاراه إمّا ردُّ الحديث على وجهه وإمَّا حملُهُ على أسوأ ما يكون من التأويل الذي هو عين التشبيه، وكلاهُما خُطتان مرغوبٌ عنهما، وليس في هذا الكتاب حديثٌ أشنع ظاهرًا وأبشعُ مَذاقًا من هذا الحديث) ثم قال: (ألا تراه يقول في أول الحديث: “جاءَهُ ثلاثةُ نفر قبلَ أن يوحى إليه”) وقال [3]: (ثم إن القصة بطولها إنما هي حكاية يحكيها أنس بن مالك، ويُخبر عنها من تلقاء نفسه لم يَعزُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رواها عنه ولا أضافها إلى قوله، فحاصلُ الأمر في التدَلِّي وإطلاق اللفظِ به على الوجه الذي تضمنَّهُ الخبر أنه رأيُ إمَّا أنس بن مالك، وإمَّا راويه شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، فإنه كثيرُ التفردِ بمناكير الألفاظ في مثل هذه الأحاديث إذا رواها من حيث لا يُتابعُه عليها سائرُ الرواة، وأيُّهما صحَّ هذا القول عنه أُضيفَ إليه فقد خالفَه فيه عامة السلف المتقدمين والعلماءُ وأهلُ التفسير والتأويلِ منهم ومن المتأخرين) وقال [4]: (ولم يَثبُت في شيء مما رُوِيَ عن السلف أن التدلي مُضافٌ إلى الله سبحانه جلَّ ربُّنا عن صفات المخلوقين ونُعوتِ المربوبين المحدودين. وقد رُويَ هذا الحديثُ عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم تُذكَر فيه هذه الألفاظُ البشعة، فكان ذلك مما يُقوّي الظنَّ أنها صادرةٌ من قِبَل شريك، والله أعلم. وفي هذا الحديث لفظةٌ أخرى تفرَّد بها شريك أيضًا لم يذكُرْها غيرُه وهي قوله: “فقال وهو مكانَه” والمكانُ لا يُضاف إلى الله سبحانه، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ومُقامُه الأولُ الذي أقيمَ فيه) وقال [5]: (هذا منتهى القول فيما تيسر من تفسير أحاديثِ الجامع الصحيح، وقد اختصرنا الكلام في عامَّتِها إلا في مواضع لم نجد من إشباع القولِ فيها بُدًّا لإشكالها وغُموضِ معانيها) اهـ.
وقال ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك [449هـ] في كتابه [شرح صحيح البخاري] [6]: (وأما قوله: “فدنا الجبار رب العزة” فهو دنو محبة ورحمة وفضيلة لا دنو مسافة ونقلة لاستحالة النقلة والحركة على الباري إذ لا يجوز أن تحويه الأمكنة) اهـ.
قال القاضي عياض المالكي اليحصبي [544هـ] في كتابه [الشفا] [7]: (-الزيادة- “ودنُوّ الرب عز وجل” الواقعة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك عن أنس فهي منكرة من روايته) اهـ.
وقال محمد بن يوسف الكرماني [786هـ] في كتابه [شرح الكرماني على صحيح البخاري] [8]: (-قال- الخطابي: ليس في هذا الكتاب حديث أبشع مذاقًا ولا أشنع ظاهرًا من هذا الحديث لقوله: “ودنا الجبار فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى” فإن الدنو يجوب تحديد المسافة، والتدلي إذا اعتبر الناظر أول الحديث بآخره لا يشكل عليه، وإن كان في الرؤيا فبعضها مثل ضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله، ثم إن القصة إنما يحكيها أنس بعبارته من تلقاء –نفسه- لم يعزها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رواها عنه، ولا أضافها إلى قوله، ثم إن شريكًا كثير التفرّد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة، ثم إنهم أولوا التدلي، فقيل تدلى جبريل بعد الارتفاع حتى رءاه النبي متدليًا كما رءاه مرتفعًا، وقيل تدلى محمد شاكرًا لربه على كرامته، ولم يثبت في شيء صريحًا أن التدلي مضاف إلى الله تعالى، ثم أولوا المكان بمكان النبي صلى الله عليه وسلم) اهـ. وكذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني [852هـ] في كتابه [فتح الباري بشرح صحيح البخاري] [9].
– التتمة في المداخلة التالية.
Nov 17, 2017, 2:28 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [7]
الحديث الثالث:
تضعيف الحفاظ والعلماء لمرسل الزهري في حديث فترة الوحي
[ملاحظة: طُبع هذا النص من الكتاب ولم يُحرر].
روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه –وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة [1] فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني [2] حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلتُ ما أنا بقارئ فأخذني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقرأ باسمِ ربِّكَ الذي خلقَ خلقَ الإنسانَ مِنْ علقٍ اقرأْ وربُّكَ الأكرَمُ} [3]، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني فزملوه [4] حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل [5] وتكسب المعدوم [6] وتقري الضيف، وتعين على نوائب [7] الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى –ابن عم خديجة- وكان امرأً تنصر في الجاهلية، فيكتب بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي [8]، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا [9]، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَ مخرجيَّ هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك، أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي [10]”.
فهذه رواية البخاري لحديث بدء الوحي التي ذكرها في أول كتابه وهي خالية من الإشكال. ولكنه ذكر في كتاب التعبير رواية أخرى للحديث زاد فيها زيادة لا تصح كما سيظهر للقارئ بإذن الله. وننبه الأخ القارئ قبل الشروع في إيراد الرواية الثانية أن الله حفظ أنبيائه وعصمهم من الكفر والكبائر وصغائر الخسة. فلا يُقدم نبي من أنبياء الله على اقتراف كبيرة ولا الهمّ بها لأنهم معصومون من ذلك، فلا يقدم النبي عليه الصلاة والسلام على الانتحار ولا يهم به. وما خالف هذا الأصل القاطع إما أن يقبل التأويل فيؤول وإما أن لا يقبله فيرد لا سيما إذا كان في إسناده كلام كما هو حال الرواية الأخرى لهذا الحديث.
والرواية الثانية التي في كتاب التعبير عن عروة عن عائشة وردت فيها زيادة رواها معمر أو الزهري بلاغًا وهي قوله: “وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بَلَغَنا حزنًا غدا منه مرارًا، كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكي يلقي منه نفسه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك” [11]. وفي هذه الرواية أمور لا بد من التنبيه إليها.
أولاً: أن الرواية الأولى في البخاري وهي التي في باب بدء الوحي تنتهي عند قوله وفتر الوحي كما هو ظاهر لمن اطلع على الرواية الأولى.
ثانيًا: أن هذه الزيادة ليست من كلام عائشة ولا عروة وإنما هي من كلام معمر أو من كلام الزهري وليس أي منهما صحابيًا.
ثالثًا: أن هذه الرواية تشتمل على نصين مختلفين أولهما كلام عائشة الذي تحكي به حال النبي عليه الصلاة والسلام، وثانيهما هذا الكلام الزائد، فلا يتوهم أن هذا من كلام عائشة.
رابعًا: أن هذا الكلام مرسل، أرسله الزهري أو معمر والمرسل من أقسام الحديث الضعيف وعليه فلا تكون هذه الزيادة على شرط البخاري، لأن من شرط البخاري اتصال السند وهذه الزيادة فيها انقطاع ظاهر كما نبينه فيما يأتي إن شاء الله.
خامسًا: أن هذه الرواية لا سند لها، وهذا أيضًا خروج عن شرط البخاري، الذي هو ثبوت عدالة الرواة وضبطهم، وهذا لا يتم مع الجهل بأعيان هؤلاء الرواة.
سادسًا: أن هذه الرواية تشتمل على نسبة ما يستحيل نسبته إلى نبي من أنبياء الله وهو الهم بالانتحار والتردد في النبوة، وهذا معارض لما ثبت بالدليل القاطع من عصمة النبي عليه الصلاة والسلام.
هذا كلام مجمل، لا بد من ملاحظته والوقوف عنده، ونقول في زيادة تفصيل ذلك.
– يتبع في المداخلة التالية من هذا الموضوع –
Nov 14, 2017, 12:51 PM
# حول حديث رجم القِرْدَةِ في البخاري – الجزء الرابع
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
– وبعدُ فقد عجبت من الوهابي الألباني لقوله في معرض إنكاره للخبر: (كيف يمكن لإنسان أن يعلم أن القِرَدَةَ تتزوج) وليس في الحديث زواج فكيف يحتج به؟ أما لو أراد إنكارَ نحو اختصاصِ قِردٍ بمُواقعة قِردة فيردّه أنه ظاهر في حياة الحيوان.
وعجبت من قوله: (وأن مِن خُلُقهم المحافظةَ على العرض) فأجيبُ بأن العرب قدَّروا ذلك كما قدَّروه في الجَمَلِ وغيره؛ وفي أمثالهم: (أغْيَرُ مِنَ الفَحْل، ومِنْ جَمَل ومِنْ ديك) كما في [مجمع الأمثال للميداني].
وعجبت من قوله: (فمن أين علم أن رجمَ القردةِ لأنها زنت) والجواب في رواية الإسمعيلي انتهى.
وأشير إلى أن قولنا (صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز) لا ينافي تضعيفنا روايات فيه؛ إذ ليس ثمة دليل على تصحيح كل ما وقع في البخاري؛ وفي [فتح الباري]: (وأما تجويزه أن يزاد في صحيح البخاري ما ليس منه فهذا ينافي ما عليه العلماء من الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري في كتابه ومن اتفاقهم على أنه مقطوع بنسبته إليه) اهـ وهو كلام لم يوافقه عليه بدر الدين العينيّ فقال في شرحه: (قلتُ: فيه نظر، لأن منهم من تعرَّض إلى بعض رجاله بعدم الوثوق؛ وبكونه من أهل الأهواء، ودعوى الحكم بتصحيح جميع ما أورده البخاري فيه غير موجهة لأن دعوى الكلية تحتاج إلى دليل قاطع. ويرد ما قاله أيضًا بأن النسفي لم يذكر هذا الحديث فيه) اهـ.
Nov 12, 2017, 4:08 PM
# حول حديث رجم القِرْدَةِ في البخاري – الجزء الثالث
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
– وبعدُ فإذا تقرر أن هذا الخبر ليس عن رسول الله ولا عن الصحابة بل عن تابعي يحكي شيئا شاهده “أيامَ الجاهلية”؛ وإذا تقرر اختلاف العلماء في هذا الخبر فقال بعضهم إنه منكر وقال بعضهم إنه مُقحم على البخاري وقال بعضهم بل هو ثابت صحيح؛ فالخبر -على فرض ثبوته- ليس فيه وصف القِرَدَة بالزنا والرجم على الحقيقة بل صورةً أي مجازًا لمقتضى التشابه فكيف يقول المعترضون (ورد في البخاري أن القرود مكلفون وأنهم يقيمون حد الرجم على قِرْدَة زنت)؟ أوليسَ هذا كذب وافتراء وتحامل لا يصدر عمن كان عنده أمانة علمية أو إنصاف ينبغي أن يتسلَّح به الباحثون عن الحقيقة؟
– فهؤلاء الشياطين لا أظن إلا أنهم عمدوا إلى ألفاظ الرواية فتخيلوها لفظًا لفظًا حتى علقت أذهانهم عند مشهد تخيُّل مواقعةِ قِردٍ قِرْدَةً فما استطاعوا أن يتجاوزوا ذلك إلى غيره بسبب الغفلة عن الخير، وأعماهم سوءُ ما انجبلت عليه طباعهم من أمور فلم يلحظوا ما في الرواية من إشارة إلى استقباح الحيوان والبهايم للزنا؛ واستقباحُه عند الناس ذوي العقول أولى؛ وقد تعلَّم ابنُ آدم الأولُ كيف يدفن أخاه من الطير؛ وقد يضرب الواعظ درسًا في علو الهمة مع المثابرة واستدامة المحاولة والسعي بعمل نملة! فهل العيب في شيء شاهدهخ رجل أيام الجاهلية أم العيب في النفوس المريضة التي أرادت اللعب على صورة مواقعة القرود!
يتبع –
Nov 12, 2017, 4:07 PM
# حول حديث رجم القِرْدَةِ في البخاري – الجزء الثاني
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
وبعدُ فقد اختلفوا في هذه الرواية في البخاري إلى فريقين؛ فريق يُثبت وفريق لا، قال ابن الأثير الجزري عند ذكر القصة في ترجمة عمرو بن ميمون: (وهذا مما أدخل في صحيح البخاري)، وقال القرطبي في تفسيره: (ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث “قد زنت” وسقط هذا اللفظ عند بعضهم) اهـ.
وقال الحميدي في [الجمع بين الصحيحين]: (هذا الحديث وقع في بعض نسخ البخاري وأن أبا مسعود وحده ذكره في الأطراف قال: وليس هذا في نسخ البخاري أصلا فلعله من الأحاديث المقحمة في كتاب البخاري) اهـ وردَّ ابن حجر في الفتح: (وما قاله مردود فإن الحديث المذكور في معظم الأصول التي وقفنا عليها) اهـ وردَّ العينيُّ على ابن حجر فقال: (ورُدَّ عليه بأن وقوف الحميدي على الأصول أكثر وأصح من وقوف هذا المعترض لأنه جمع بين الصحيحين ومثله أدرى بحالهما ولو كان في أصل البخاري هذا الحديث لم يجزم بنفيه عن الأصول قطعا وجزما على أنه غير موجود في رواية النسفي) اهـ.
وقال ابن عبد البر في [الاستيعاب]: (وهذا عند جماعة أهل العلم منكر: إضافة الزنا إلى غير مكلف، وإقامة الحدود في البهائم) اهـ وردَّ عليه ابن حجر قال: (وأجيب: بأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا والرجم أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حدا وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان) اهـ.
يتبع –
Nov 12, 2017, 4:07 PM
# حول حديث رجم القِرْدَةِ في البخاري – الجزء الأول
الحمدلله وصلى الله على رسول الله.
وبعدُ فقد جاء في البخاري أن عمرو بن ميمون قال: (رأيتُ في الجاهلية قِرْدَةً اجتمع عليها قِرَدَةٌ، قد زنت فرجموها فرجمتُها معهم) اهـ. وساق الإسماعيلي القصة من وجه آخر عن ابن ميمون قال: (كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد من قِرْدَةٍ فتوسد يدها فجاء قرد أصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد الأول سلا رفيقا وتبعته فوقع عليها وأنا أنظر ثم رجعت فجعلت تدخل يدها تحت خد الأول برفق فاستيقظ فزعا فشمها فصاح فاجتمعت القرود فجعل يصيح ويومئ إليها بيده فذهب القرود يمنة ويسرة فجاءوا بذلك القرد أعرفه فحفروا لهما حفرة فرجموهما فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم) اهـ.
وهذه الرواية ليست من كلام النبي ولا الصحابة وإنما حكاية عما شاهده ابن ميمون الذي أدرك الجاهلية والنبوة وأسلم لكن لم يرَ النبي فلم يعده العلماء صحابيا إنما تابعيا.
وليس المراد بالزنا والرجم حقيقة ذلك وإنما صورته؛ ولكنه مجاز يُعبَّر به للتشبيه، وليس فيه أن القِرَدَة مكلَّفون أو أنه يجب إقامة الحد عليهم. وربما كان المراد كما قال القرطبي في تفسيره: (فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاريّ دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية، ولم يُبال بظنّه الذي ظنّه في الجاهلية) اهـ وربما لذلك جعلها تحت باب [أيام الجاهلية] أو [القسامة في الجاهلية] على اختلاف بين نُسَخ البخاري.
يتبع –
Nov 12, 2017, 4:06 PM
دعاة لا قضاة [47/100]
# رفع الرأس
– أخي الداعية؛ لماذا ترفعُ رأسَك إذا كلَّمتَنا نحن عامة الناس وتخفضُه إذا كلَّمتَ رئيسًا أو قاضيًا؟ بل ارفعْ رأسَك في وجهه ترفعْ رؤوسَنا. ولماذا ترفع رأسك -علينا- وقد أغناك الله بعد فقر أو أفقرك بعد غنى فلا رأيناك مع الغنى شاكرًا ولا مع الفقر صابرًا.
فإذا لم يكن بدٌّ من الرفع؛ فارفع يدَك عن حقوقنا يا مولانا! وارفع عينك عن النظر إلى أعراضنا؛ ولا ترفع رأسك كِبْرًا وعُجْبًا فإن أشرف حالاتك يا “عبدالله” وأنت ساجد؛ وأنتَ أذلُّ ما تكونُ لربكَ؛ وأنتَ أخضعُ له. وقد أوردوا: (ما من عبد يسجد للّه سجدة إلا رفعه اللّه بها درجة)!
Nov 12, 2017, 4:02 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [6]
الحديث الثاني: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث “جاءَهُ ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليهِ”
3/3
[ملاحظة: طُبع هذا النص من الكتاب ولم يُحرر].
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) في كتابه “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” [22]: “وقوله [وقبل] [قبل أن يوحى إليه] أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي، وعبارة النووي وقع في رواية شريك –يعني هذه- أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله [قبل أن يوحى إليه] وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي”، وقال [23]: “وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة مسلمٌ في صحيحه، فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن: فقدم وأخر وزاد ونقص. وسبق ابنَ حزم أيضًا إلى الكلام في شريك أبو سليمان الخطابي كما قدمته،، وقال فيه النسائي وأبو
محمد ابن الجارود: “ليس بالقوي”، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. نعم، قال محمد بن سعد وأبو داود: “ثقة”، فهو مختلف فيه فإذا تفرَّد عُدَّ ما ينفرد به شاذًّا، وكذا منكرًا على رأي من يقول: المنكر والشاذ شئ واحد. والأولى التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيرُه، والجواب عنها إما بدفع تفرُّدِهِ وإما بتأويله على وفاق الجماعة، ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيرَه من المشهورين عشرة أشياء بل تزيد على ذلك” اهـ.
وكذا قال التَّاوُدي [1209هـ] في “حاشية التَّاوُدي ابن سودة على صحيح البخاري” [24].
وقال بدر الدين العيني الحنفي [855هـ] في كتابه [عمدة القاري شرح صحيح البخاري] [25]: قوله: [قبل أن يوحى إليه]، قيل: ليس في أكثر الروايات هذه اللفظة، وأن تلك محفوظة فلم يأته عقيب تلك الليلة، بل بعدها بسنتين، لأنه إنما أسري به قبل الهجرة بثلاثة سنين، وقيل بسنتين” وقال [26]: وقال النووي جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء، من جملتها أنه قال ذلك [قبل أن يوحى إليه] وهو غلط لم يوافق عليه، وأيضًا العلماء أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي. قوله [ابن مالك] هو أنس بن مالك، كذا وقع في كثير من النسخ وصرح في بعضها أنس بن مالك رضي الله عنه.
ثم إن البخاري أورد حديث الإسراء من رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة، وأورده من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة في بدء الخلق وفي أوائل البعثة قبيل الهجرة، وفي صفة النبي عن إسماعيل بن أبي أويس، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون بن سعيد الأيلي” ثم قال: “قوله [قبل أن يوحى إليه] أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض والنووي، وقد مضى الآن ما قاله النووي، وقد صرح هؤلاء المذكورون بأن شريكًا تفرد بذلك”.
وقال الحافظ السيوطي [911هـ] في كتابه [الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج] [27]: [قبل أن يوحى إليه] هذا مما أُنكر على شريك في هذا الحديث، فإن المعروف أن الإسراء بعد البعثة، وتلك الليلة فرضت الصلاة، حتى تجاسر ابن حزم وادعى أن هذا الحديث موضوع، وانتقد على الشيخين حيث أخرجاه” ثم نقل قول ابن طاهر: “وأكثر ما يقال إن شريكًا وهِمَ في هذه اللفظة ولا يُرَدُّ جميع الحديث بوهم في لفظ منه، ولعله أراد أن يقول [بعد أن يوحى إليه] فجرى على لسانه [قبل] غلطًا” انتهى.
وقال أبو يحيى زكريا بن محمد الأنصاري [926هـ] في كتابه “تحفة الباري بشرح صحيح البخاري” [28]: “إذ الإسراء كان بعده –أي بعد نزول الوحي- بلا ريب” اهـ.
وقال المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري [1380هـ] في كتابه “فتح الملك العلي” [29]: “كحديث الإسراء الذي رواه البخاري ومسلم من رواية شريك فإن فيه زيادات باطلة مخالفة لما رواه الجمهور، وُهِّمَ فيها شريك، إلا أن مسلمًا ساق إسناده ولم يسق لفظه” اهـ.
فتبين بما ذكرنا من النقول أن الرواية التي فيه قبل أن يوحى إليه هي مما تفرد به شريك عن أنس وخالفه فيها غيره من الرواة. فإما التأويل وإما أن يحكم بوهم شريك فيها.
__________
[22]: فتح الباري بشرح صحيح البخاري [دار الريان – القاهرة، الطبعة الأولى 1407هـ، الجزء الثالث عشر ص488].
[23]: فتح الباري بشرح صحيح البخاري [13/493-494].
[24]: حاشية التاودي ابن سودة على صحيح البخاري [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1428هـ، الجزء السادس ص563-564].
[25]: عمدة القاري شرح صحيح البخاري [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ، الجزء السادس عشر ص162].
[26]: عمدة القاري، كتاب التوحيد [ج25، ص256].
[27]: الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، دار الأرقم، [المجلد الأول ص302].
[28]: تحفة الباري بشرح صحيح البخاري [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1425هـ، الجزء الرابع ص159].
[29]: فتح الملك العلي [الطبعة الثانية 1428هـ، ص130-131].
Nov 10, 2017, 2:31 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [5]
الحديث الثاني: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث “جاءَهُ ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليهِ”
2 / 3
[ملاحظة: طُبع هذا النص من الكتاب ولم يُحرر].
ونقل محمد بن يوسف الكرماني (786هـ) في كتابه “شرح الكرماني على صحيح البخاري” قول القاضي عياض وقال [10]: “وشريك ليس بالحافظ وهو منفرد به عن أنس، وسائر الحفاظ لم يرووا عنه كذلك” [11] اهـ.
وفي كتاب “كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري” ومعه “التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح” للزركشي (794هـ) يقول الحافظ ابن الجوزي [12]: “-قولهم- (جاءخ ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) قد أنكرت هذه الزيادة وقيل ليست بمحفوظة” وقال [13]: “أو أن يكون في الحديث تخليط من الرواة، وقد انزعج لهذا الحديث أبو سليمان الخطابي وقال: هذا الحديث منام [14]، ثم هو حكاية يحكيها أنس ويخبر بها من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى رسول الله ولم يروها عنه، وما ذكر فيه من التدلي [15] إما رأي أنس، وإما من شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ، قال [16]: وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، فكان ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من شريك، قال: وفي هذا الحديث لفظة أخرى تفرد بها شريك ولم يذكرها غيره وهي قوله (فقال وهو مكانه) [17]، والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، وإنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال القاضي أبو يعلى في (المعتمد): إن الله لا يوصف بالمكان. وقد قال أبو محمد بن حزم الأندلسي: في هذا الحديث ألفاظ مقحمة [18]، والآفة فيها من شريك. منها: قوله “قبل أن يوحى إليه) فإن المعراج كان بعد الوحي بنحو اثنتي عشرة سنة”.
وقال بدر الدين الزركشي [19]: (فيه حديث شريك) عن أنس وقد خلط فيه شريك بأشياء، وذكر ألفاظًا منكرة، وقدَّم وأخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم في السموات [20]، وقد خالفه الثقات الحفاظ عن أنس، وقد رواه قتادة عن أنس وأتى به ملخصًا مرتبًا على ما تقدم من حديث المعراج، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس على نحو رواية قتادة فليستمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا يعوَّل على رواية شريك، قاله أبو العباس القرطبي. وقال ابن حزم: في هذا الحديث ألفاظ معجمة فمنها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو باطل ولا خلاف أن الإسراء كان بعد النبوة بمدة” اهـ.
وقال أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن المُلقَّن (804هـ) في كتابه “التوضيح لشرح الجامع الصحيح [21]: وقوله في حديث أنس: (جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه) ليس في أكثر الروايات هذه اللفظة، وإن تكن محفوظة فلم يأته في عقب تلك الليلة، بل بعدها بسنين، لأنه إنما أسري به قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل لسنتين، وقيل لسنة، ذكره كله ابن التين” اهـ.
يتبع –
__________
[10]: شرح الكرماني على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1431هـ).
[11]: ونقل الكرماني أيضًا قول النووي (ص/382).
[12]: كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1424هـ، الجزء الخامس ص30).
[13]: كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري (الجزء الثامن ص400).
[14]: لأنه في أول الرواية أن أنسًا قال: جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام إلخ.
[15]: أي في رواية أنس التي فيها: ودنا للجبار رب العزة فتدلى حتى كان منذ تاب قوسين أو أدنى.
[16]: أي أبو سليمان الخطابي.
[17]: أي في قوله: فعلا به (أي علا جبريل بالنبي) فقال وهو مكانه يا رب خفف عنا.
[18]: أي مزيدة وليست منه.
[19]: (الجزء الثاني ص399 -400).
[20]: الذي في رواية شريك أنه رأى ءادم في الأولى وهو صحيح وأما غيره فلا لأنه جعل إدريس في الثانية والذي في الصحيح أنه في الرابعة، وجعل هارون في الرابعة والذي في الصحيح أنه كان في الخامسة، وجعل إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة والذي في الصحيح أن إبراهيم كان في السابعة وموسى في السادسة.
[21]: التوضح لشرح الجامع الصحيح (دار الفلاح، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- دولة قطر، الطبعة الأولى 1429هـ، المجلد العشرون ص149).
Nov 10, 2017, 2:30 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [4]
الحديث الثاني: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث “جاءَهُ ثلاثةُ نفرٍ قبلَ أن يُوحَى إليهِ”
1 / 3
[ملاحظة: طُبع هذا النص من الكتاب ولم يُحرر].
روى البخاري في صحيحه في كتابِ المناقبِ [1]: “حَدَّثَنا إسماعيلُ قالَ حدَّثَني أخي عنْ سُلَيمانَ عن شَريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ سمِعْتُ أنسَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُنا عَنْ ليلةِ أُسْرِيَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مسجدِ الكعبةِ جاءَهُ ثلاثةُ نَفَرٍ قبلَ أن يُوحَى إليهِ”.
ورواهُ أيضًا في كتاب التوحيد [2]، ورواهُ مسلم في صحيحهِ في كتاب الإيمان [3]، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السمواتِ وفرض الصلوات.
فالمذكور في هذه الروايةِ أن الإسراء كانَ قبل أن يُوحى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأما غيرها من الروايات فليس فيها ذلك.
قال القاضي عياض اليحصبي المالكي (544هـ) في كتابه [الشفا] [4] بعد أن ذكر رواية مسلم للحديث من طريق ثابت البناني عن أنس رضي الله عنهما: جرَّد ثابت رحمه الله هذا الحديث عن أنس ما شاء ولم يأتِ أحد عنه بأصوب من هذا وقد خلَّط فيه غيره عن أنس تخليطًا كثيرًا لا سيما من رواية شريك بن أبي نَمِر” ثم قال: وقد قال شريك في حديثه (وذلك قبل أن يوحى إليه) وذكر قصة الإسراء ولا خلافَ أنها كانت بعدَ الوحي” وقال [5]: “والإسراء بإجماعٍ كانَ بعدَ المبعث” اهـ.
وقال في كتابه “إكمال المعلم بفوائد مسلم” في شرحه على صحيح مسلم [6]: “وقد جاء في مسلم من رواية شريك في هذا الحديث اضطراب وأوهام، وأنكرها عليه العلماء، وقد نبَّه مسلم على ذلك بقوله (فقدَّم وأخَّر وزاد ونقص منها). قوله (وذلكَ قبل أن يوحى إليه) وهو غلط لم يوافق عليه، فإن الإسراء أقل ما قيل فيه: إنه كان بعد البعثة بخمسة عشر شهرًا” ثم قال [7]: “وقال ابن إسحاق: أسري به وقد فشى الإسلام بمكة والقبائل” ثم قال: “كما أن العلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا كله قبل أن يوحى إليه؟” اهـ.
فلا تأويل بعد الإجماع، إذ لا يُقبَلُ التأويل بقولهم (قبل أن يؤحى إليه في شأن الإسراء أو الصلاة).
ومثله قال الحافظ النووي الشافعي (676هـ) في شرحه على صحيح مسلم [8]، وقال أيضًا [9]: “قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بت أبي نمر عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين كابن شهاب وثابت البناني وقتادة يعني عن أنس فلم يأتِ أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث” اهـ.
يتبع –
__________
[1]: صحيح البخاري كتاب المناقب: باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ ص652 رقم الحديث3570).
[2]: صحيح مسلم كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: {وكلَّمَ اللهُ مُوسَى تكليمًا}، (ص1358 رقم الحديث 7517).
[3]: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات، ص80 رقم الحديث 262 (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى1421هـ).
[4]: كتاب الشفا (دار الكتب العلمية، الجزء الأول ص179-180).
[5]: الشفا (ص/193).
[6]: إكمال المعلم بفوائد مسلم، في شرحه على صحيح مسلم (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1427هـ المجلد الأول ص362).
[7]: إكمال المعلم بفوائد مسلم، في شرحه على صحيح مسلم (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1427هـ، المجلد الأول ص362).
[8]: دار الكتاب العربي طبعة 1407هـ، (2/ص209-210).
[9]: دار الكتاب العربي طبعة 1407هـ، (ص/210).
Nov 10, 2017, 2:30 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [3]
الحديث الأول: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (لَمْ يَكْذُبْ إبراهيمُ إلا ثلاثًا) [2/2]
ومن ذلك قول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى سيدنا محمّد: {بَلْ فعَلَهُ كبيرُهُم هذا} أي غضب أن عبدت هذه الأصنام معه فكسّرها، وإنما قصده التّلويح أنّ الله سبحانه وتعالى يغضب أن يعبد غيره ممّن ليس بإله من طريق الأولى.
وبذلك يعلم أنّ اللفظ –وإن لم يطابق معناه الحقيقيّ في الخارج- لا يكون كذبًا إذا كان المراد به التوصّل إلى غيره بكناية كما سبق، وتعريض كما هنا، وإن سمّي كذبًا فمجاز باعتبار الصورة، كما جاء في الحديث الشريف (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات”. المراد: صورة ذلك، وهو في نفسه حقّ وصدق) انتهى.
فنرى أنّ كثيرًا من أهل العلم تأولوا هذا الحديث، وحملوه على ما يوافق الأصول الثابتة من عصمة الأنبياء عن الكذب والمنفرات. هذا وثمَّ قسمٌ منهم ردوا هذا الحديث معتمد ابن علي أنه خبر ءاحاد عارض الدليل القاطع ومنهم الفخر الرازي.
قال المفسر فخر الدين الرازي [606هـ] في كتابه [عصمة الأنبياء] في سياق كلامه على هذا الحديث [10]: (قلتُ: هذا من أخبار الآحاد فلا يعارض الدليل القطعي الذي ذكرناه، ثم إن صح حُملَ على ما يكونُ ظاهره الكذب) اهـ.
وقال في [التفسير الكبير] [11]: (واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات”، فقلت: الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار، فقال على طريق الاستنكار: فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة، فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام، وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب).
تنبيه: لكن إن كان هذا الحديث في البخاري فهذا الكلام يحتاج إلى تعليق.
وقال أيضًا في [التفسير الكبير] [12]: (فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) ثم قال: (وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق) اهـ.
وقال أيضًا في “التفسير الكبير” [13]: (الوجه السابع: قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة، ورووا فيه حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات” قلت لبعضهم: هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز، فقال ذلك الرجل: فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟ فقلت: لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى” اهـ.
وربما ساعد على هذا ما قاله شارح البخاري بدر الدين العيني [855هـ] في كتابه [عمدة القاري شرح صحيح البخاري] [14] في حديث “لم يكذب إبراهيم”: “وأخرجه من طريقين”، ثم قال: (والثاني عن محمد بن محبوب أبي عبد الله البصري إلى ءاخره، وهذا الطريق غير مرفوع والحديث في الأصل مرفوع كما في رواية جرير بن حازم، وكذا عند النسائي والبزار وابن حبان مرفوع من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين، وابن سيرين كان غالبًا لا يصرح برفع كثير من حديثه) ثم قال: (وأخرج البخاري هذا الحديث أيضًا في كتاب البيوع في باب شراء المملوك من الحربي عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة إلى ءاخره. وليس فيه قضية الكذب، وباقي القضية فيه على اختلاف في المتن بزيادة ونقصان) اهـ.
__________
[9] شرح كوكب المنير [1/202-203] تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن علي الفتوحي المعروف بابن النجار [المتوفى: 972هـ] المحقق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية 1418هـ- 1997م.
[10] عصمة الأنبياء [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1401هـ ص60].
[11] التفسير الكبير [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1411هـ المجلد التاسع، الجزء18 ص 96].
[12] التفسير الكبير [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1411هـ المجلد الحادي عشر، الجزء 22 ص 161].
[13] التفسير الكبير [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1411ه المجلد الثالث عشر، الجزء 26 ص 129].
[14] عمدة القاري شرح صحيح البخاري [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هــ، الجزء الخامس عشر ص342].
Nov 9, 2017, 12:55 PM
مختارات من لطائف التنبيهات [2]
الحديث الأول: تضعيف الحفاظ والعلماء لحديث (لَمْ يَكْذُبْ إبراهيمُ إلا ثلاثًا) [1/2]
روى البخاري في صحيحهِ في كتابِ أحاديثِ الأنبياء، باب قول الله تعالى: {واتَّخَذَ اللهُ إبْراهيمَ خليلاً} [1]: حَدَّثَنا سعيدُ بنُ تليدٍ الرُّعَيْنِيُّ أخبرَنا ابنُ وهبٍ قالَ أخْبَرَنِي جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحمَّدٍ عنْ أبي هُرَيرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يكْذِبْ إبراهيمُ إلا ثلاثًا).
ورواهُ أيضًا في كتابِ النكاحِ [2]، ورواهُ مسلم في صحيحه [3] في كتاب الفضائل.
قال الحافظ ابن الجوزي: [4] (وفي الحديث الثامن والأربعين بعد المائتين: “لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله عن سارة أختي”، اعلم أن الكذب لا يجوز على الأنبياء بحال، فهذا أصل ينبغي أن يعتقد ولا يناقض بأخبار الآحاد، فإنه ثابت بدليل أقوى منها، وإنما المعنى أن إبراهيم قال قولاً يشبه الكذب، قال أبو بكر بن الأنباري: “كلام إبراهيم كانَ صدقًا عند البحث، وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالَ قولاً يشبه الكذب في الظاهر وليس بكذب”، قال ابن عقيل: “دلالة العقل تصرف ظاهر هذا اللفظ، وذاك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقًا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما استعير ذكر الكذب لأنه بصورة الكذب، فسماه كذبًا مجازًا، ولا يجوزُ سوى هذا” قلت: واعلم أن تلك الكلمات إنما كانت من إبراهيم على جهة المعاريض غير أن الأنبياء يحذرون من كلمة تشبه الكذب).
وقال القاضي عياض: [5] (وإنما سمى هذه كذبات لكونها في الظاهر على خلاف مخبرها، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم إنما عرّض بها عن صدق، فقال: أنت أختي، يريد في الإسلام، و{فَعَلَهُ كبيرُهُم} على طريق التبكيت بدليل قوله: {إن كانُوا يَنطِقُونَ}، و{إنِّي سَقيمٌ} أي سأسقم، ومن عاش يسقم، ولا بد يهرم ويموت).
وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: [6] (فورد عليه إشكال من نسبة الكذب إلى نبي، ودفع الإشكال: أن تسمية هذا الكلام كذبًا منظور فيه إلى ما يُفهمه أو يعطيه ظاهر الكلام، وما هو بالكذب الصراح، بل هو من المعاريض، أي أني مثل السقيم في التخلف عن الخروج، أو في التألم من كفرهم، وأن قوله: (هي أختي) أراد أخوَّةَ الإيمان، وأنه أراد التهكم في قوله: {بلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [سورة الأنبياء] لظهور قرينة أن مراده التغليط) اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير: [7] (ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: “إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب”).
وقال البيضاوي: [8] (وما روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به).
قال أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار: [9] (والتعريض حقيقة، وهو لفظ مستعمل في معناه مع التلويح بغيره) أي بغير ذلك المعنى المستعمل فيه، مأخوذ من العُرْض –بالضمّ-، وهو الجانب. فكأنّ اللفظ واقع في جانب عن المعنى الذي لوّح به.
يتبع –
__________
[1]: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1321هـ ص614 رقم الحديث 3357].
[2] كتاب النكاح: باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها [ص958 رقم الحديث 5084].
[3] كتاب الفضائل: باب من فضائل إبراهيم الخليل ص 925 رقم الحديث2371 [دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ].
[4] كشف المشكل من حديث الصحيحين [1/981-982] أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، [دار الوطن – الرياض- 1418هـ- 1997م، تحقيق: علي حسين البواب].
[5] مشارق الأنوار على صحاح الآثار لقاضي عياض المالكي [1/338].
[6] التحرير والتنوير الطبعة التونسية [23/143]، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع – تونس – 1997م.
[7] تفسير ابن كثير [4/18]، تفسير القرءان العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار الفكر – بيروت- 1401هـ.
[8] تفسير البيضاوي [1/168] تأليف: البيضاوي، دار النشر: دار الفكر – بيروت.
Nov 9, 2017, 12:54 PM
