مذهب الأشعريِّ في خُروج مُعاوية على الإمام العادل – (ب) معنى قول الأشعريِّ في خروج مُعاوية على الإمام العادل: <كان باجتهاد منه>

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة 4

مذهب الأشعريِّ في خُروج مُعاوية على الإمام العادل – (ب)

معنى قول الأشعريِّ في خروج مُعاوية على الإمام العادل: <كان باجتهاد منه>

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

أمَّا بعدُ ففي [لسان العرب]: <وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ: اجْتَهَدَ رَأْيَ الِاجْتِهَادِ؛ بَذَلَ الْوُسْعَ فِي طَلَبِ الْأَمْرِ وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْجُهْدِ الطَّاقَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ رَدُّ الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يُرِدِ الرَّأْيَ الَّذِي رَآهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ> انتهى وخلاصته أنَّ الاجتهاد هو الرَّأي؛ سواءٌ حُمل على الشَّرع أو لم يُحمل على الشَّرع.

ولذلك قال الأشعريُّ إنَّ خروج مُعاوية: <كان باجتهاد منه> أي برأيٍ مِن قِبَلِ نفسه لم يحمله على الكتاب والسُّنَّة، بدليل قوله: <وإنَّ ذلك كان خطأً وباطلًا ومُنكرًا وبغيًا> ولا يُتصوَّر أنَّه يقول ذلك فيما يعتقده مِن شرع الله؛ وهوُ أدرى بمُراده وقد بيَّنه فقال: <على معنى أنَّه خروج على إمام عادل> ولا يُختلَف في أنَّ تحريم الخروج على الإمام العادل: حقٌّ مُجمع عليه.

وبهذا يمتنع أنْ يُحمَل قوله: <ولكنَّه كان بنوع مِن الاجتهاد> على أنَّ له اجتهادًا مُعتبرًا في خروجه؛ وفي الصِّيغة تجهيل النَّوع بُغية نفيِ أنْ يكون أراد الاجتهادَ المذكور في الحديث لأنَّ الأخير محمول على الشَّرع. ويمتنع أنَّ الأشعريَّ أراد اجتهادًا شرعيًّا صحيحًا لأنَّ الصَّحيح ضدُّ المُنكر والباطل؛ وقد تقدَّم وصف الأشعريِّ لاجتهاد مُعاوية بالمُنكر والباطل؛ فتحقَّق.

وقوله اجتهادٌ: <ممَّن له أنْ يجتهد فيما له الاجتهاد فيه> لا يعني أنَّ لمُعاوية أنْ يجتهد بخُروجه على الخليفة؛ ولو أراد ذلك لَقال اجتهادٌ: (فيما له أنْ يجتهد فيه) دون زيادة ما لا يُفيد المعنى. ويزيد قولَنا إنَّ الأشعريَّ لم يرَ أنَّ لمُعاوية أنْ يجتهد بالخُروج على الخليفة قُوَّةً وتأكيدًا: سابقُ قوله في كُلِّ الخارجين: <ولم يكن لهم أنْ يفعلوا ما فعلوا> وهو صريح الدِّلالة فيُلزَم.

وعليه فلا يبقى مِن قوله: <وكان يُجري ذلك مجرى اختلاف الحاكمَين إذَا اجتهدَا فأخطأ أحدهما وأصاب الآخَرُ> انتهى إلَّا أنَّه أراد التَّشبيه على أصل الاجتهاد وهو الرَّأي مِن قِبَلِ النَّفس دون حمله على الشَّرع؛ فإذَا أصرَّ الخصمُ أنَّ الأشعريَّ أراد الاجتهاد الشَّرعيَّ فقد عدل عن الصَّريح إلى ما اشتبه عليه ولزمه القول بتناقض الأشعريِّ، فليتَه تعلَّم قبل أنْ يتكلَّم.

وفي [المُجرَّد] عن الأشعريِّ: <وكان يذهب إلى جواز الاجتهاد في فروع الشَّرع ممَّا لم يُوجد فيه نصٌّ> وفيه: <وكذلك كان يقول في المُجتهدَين إذَا اختلفَا في حُكم شرعيٍّ: إنَّه لا يكون أحدهما أَولى بالإصابة مِن صاحبه إذَا استوت طريقتهما في الاجتهاد> انتهى فلو كان اجتهاد معاوية في خروجه شرعيَّا عنده لَمَا قال إنَّه: <كان خطأً وباطلًا ومُنكرًا وبغيًا>. فتحقَّق.

مقال الغد: لماذا لم يسمِّ الأشعريُّ خروج مُعاوية على الأمير العادل فسقًا وكُفرًا؟

نهاية المقال.

Aug 6, 2019, 11:22 PM

أضف تعليق