معنى أنَّ الصحابة كلهم عدول من كلام اللَّكنوي

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة 6

معنى أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول مِن كلام اللَّكنوي

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

أمَّا بعدُ فقد استدلَّ الَّذين طلبوا البراءة لمَن خرج على الإمام العادل بأنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول؛ مُستعملين القاعدة في غير محلِّها؛ وقد توسَّع المُحدِّث مُحمَّد عبدالحيِّ اللَّكنوي الهنديُّ الحنفيُّ في بيان أنَّ المُحدِّثين لم يُريدوا بذلك أنَّ الصَّحابة كُلَّهم أتقياء بل أنَّهم يتجنَّبون الكذب على رسول الله ولا ينحرفون في النَّقل عنه. فلا حُجَّة في هذه القاعدة لمَن أراد الانتصار للبُغاة.

قال اللَّكنوي المُتوفَّى 1304ه في [ظَفَر الأماني بشرح مختصر السَّيِّد الشَّريف الجرجانيِّ في مُصطلح الحديث]: <وقد تُطلَق العدالة على التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب في الرِّواية وانحراف فيها بارتكاب ما يُوجب عدم قبولها. وهذا المعنى هُو مُراد المُحدِّثين مِن قولهم: الصَّحابة كُلُّهم عُدول. فقد قال السَّخاويُّ في فتح المُغيث: قال ابن الأنباريِّ: ليس المُراد بِعَدالَتِهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم وإنَّما المُراد قبول روايتهم مِن غير تكلُّفِ البحث عن أسباب العدالة وطلب التَّزكية إلَّا أنْ يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك انتهى> انتهى كلام اللَّكنوي.

ثُمَّ نقل اللَّكنوي عن الدِّهْلوي قال: <إنَّ ما تقرَّر في عقائد أهل السُّنَّة أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول قد تكرَّر ذكره غير مرَّة ووقع البحث والتَّفتيش عن معناه حضرةَ الوالد المرحوم: فتنقَّح بعد البحث أنَّ المُراد بالعدالة في هذه الجُملة ليس معناها المُتعارف بل المُراد العدالة في روايةِ الحديث لا غير وحقيقتُها التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب في الرِّواية وانحراف فيها. ولقد تتبَّعنا سيرة الصَّحابة كُلِّهم حتَّى مَن دخل منهم في الفتنة والمُشاجرات فوجدناهم يعتقدون الكذبَ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أشدَّ الذُّنوب ويحترزون عنه غاية الاحتراز كما لا يخفى على أهل السِّيَر. والدَّليل: على ذلك أنَّ هذه العقيدة لا يُوجد أثَر منها في كُتُب العقائد القديمة ولا كُتُب الكلام وإنَّما ذَكَرَها المُحدِّثون في أُصول الحديث في بيان تعديل طبقات الرُّواة وإنَّما نقلوا هذه العقيدة مِن تلك الكُتُب في كُتُب العقائد. وإنَّما فعل ذلك مَن خَلَطَ منهم في الحديث والكلام مِن غير تعمُّق ولا شُبهة في أنَّ العدالة الَّتي يتعلَّق غَرَضُ الأُصوليِّ بها هي العدالة في الرِّواية بمعنى التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب وانحراف في النَّقل لا غير وعلى هذا فلا إشكال في هذه الكليَّة [1] أصلًا انتهى كلامُه مُعرَّبًا> انتهى ما نقله اللَّكنوي عن الدِّهْلوي.

وقال اللَّكنوي: <ولعلَّك تفطَّنت مِن ها هُنا دفعَ الشُّبهات الواردة على هذه القاعدة بإيراد الأحاديث الدالَّة على صدور الكبائر مِن أَجِلَّة الصَّحابة فضلًا عن غيرهم؛ وبطلانَ ظنِّ البعض أنَّ الصَّحابة كُلَّهم معصومون مع أنَّه صرَّح التَّفتازاتي في شرح المقاصد وغيره ممَّن صنَّف في الكلام بأنَّه ليس كُلُّ صحابيٍّ معصومًا؛ وسخافةَ قول بعض أبناء الزَّمان ممَّن لم يطَّلع على ما ألقينا عليك مِن اللَّطائف النفسيَّة [2] عظيمة الشَّأن: إنَّ الصَّحابة منهم عُدول ومنهم غير عُدول. فاحفظ هذا كُلَّه لعلَّك لا تجده مِن غيري مِن السَّابقين الماهرين فضلًا عن أفاضل عصري لقُصور نظرهم وفُتور فهمهم> انتهى كلام اللَّكنوي.

أقول فيظهر بما تقدَّم بُطلان ما قال به الخصم في دفاعه عن البُغاة مِن مُنطلَق أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول؛ إذ المقصود مِن القاعدة أنَّ الصَّحابة ثقات فيما ينقلون عن رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام لا أنَّ كُلَّ صحابيٍّ يكون تقيًّا. فإذَا رأيتَ مَن يقول بذلك فاعلم أنَّه مِن الجَهَلَة على التَّحقيق. وفي [صريح البيان] لإمامنا الهرريِّ مزيد تفصيل فليُراجعه مَن شاء.

[1]: كذا في المطبوع. ولعلَّها <كلمة>.

[2]: كذا في المطبوع. ولعلَّها <النَّفيسة>.

مقال الغد: فضيحة المُتمشعرة الَّذين استدلُّوا بكتاب [الإبانة] الَّذي اتَّفق جمهور الأشاعرة على وقوع الدَّسِّ فيه.

نهاية المقال.

Aug 8, 2019, 11:14 PM

أضف تعليق