رأس الفتنة يكفِّر علماء الإسلام: الجزء / 12
يوسف الدَّنمركيُّ يُكفِّر التَّفتازانيَّ المُناظر والمُتكلِّم الأُصوليَّ الكبير
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ يقول التَّفتازانيُّ في [شرح العقائد النَّسفيَّة]: <أمَّا الصَّغائر فيجوز عَمْدًا عند الجمهور خِلافًا للجبَّائيِّ وأتباعه ويجوز سهوًا بالاتِّفاق إلَّا ما يدلُّ على الخسَّة كسرقة لُقمة والتَّطفيف بحَبَّة لكنَّ المُحقِّقين اشترطوا أنْ يُنبَّهوا عليه فينتهوا عنه؛ هذا كلُّه بعد الوحي> اهـ والتَّفتازانيُّ مُناظِر مُتكلِّم أُصوليٌّ كبير كان يُفتي على الشَّافعيِّ والحنفيِّ واشتُهر بالبراعة في الأشعريَّة والماتُريديَّة ولكنَّه لم يُدرك ما أدركه المُتفيهق ولد ميناوي ومَن لفَّ حولَه والتفَّ؛ ورُبَّ ألف كالتُّفِّ! فحسبنا الله ونِعم الوكيل ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربَّنا.
وليت شعرِي ما الفرق بين قول شيخنا الهرريِّ: <ذنب حقيقيٌّ> وبين قول التَّفتازانيِّ: <الصَّغائر عمْدًا> -أي بالعَمْد- سوى تُرَّهات أهل الفتنة الَّذين أنكروا لفظ الحقيقة دون بيِّنة ودون سند في ذلك إلى عالِم مُعتبَر بل ولم يستطع أكثرهم تشدُّقًا أنْ يعطيَ دليلًا واحدًا على أنَّ الصغيرة تخرج عن كونها ذنبًا حقيقيًّا؛ فلماذا يتكبَّرون عن الإقرار بالحقِّ! بل وكنتُ قرأتُ لأهل الفتنة تكفير مَن ينسُب الصَّغائر للأنبياء عن عمْدٍ؛ فما حال التَّفتازانيِّ أم تراه عندَه كافرًا! فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله آتِنا في الدُّنيا صبرًا يا ربَّنا.
ثُمَّ التَّفتازانيُّ ينسُب ذلك إلى الجمهور -جمهور العُلماء- بينما يزعم أهل الفتنة أنَّ الجمهور على القول الآخَر! والتَّفتازانيُّ يتكلَّم عمَّا بعد النُّبوَّة -في عبارة شيخنا لم يُخصِّص زمنًا- أمَّا أهل الفتنة فيخطِّئونه ويزعمون أنَّ الأشاعرة مُجمِعون على كون ذلك قبل النُّبوَّة فمَن أعلم بالأصول التَّفتازانيُّ الموصوف بالبراعة أم يوسف ولد ميناوي وصاحبه العكَّاس الأردنيُّ أم المُناضل في سبيل المُتصولحة أم مَن اتَّبعهم على غير هُدًى! فكفاهم تحريفًا للشَّرع كأنْ لم يسمعوا فلم يُطيعوا؛ وسمعنا وأطعنا غُفرانك ربَّنا.
وغرَّ بعضَهم قراءة أدلَّة القائلين بأحد رأيَيْ أهل السُّنَّة ولم نُقابلهم بقراءة ما يُقابله عند القائلين بالرَّأي الآخَر ولو قرَأوا لفهِموا ما فاتهم نحو كون التَّعظيم غيرَ مُقتصِر على القول بالعصمة مِن كُلِّ صغيرة كما دلَّ قول الأشعريِّ عند مَن لا يتَّهمه في عقله ولفهموا أنَّ إخراج النَّصِّ القُرآنيِّ عن ظاهره عند القائلين بوقوع الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها له شروط يرَون أنَّ الشَّرع يشترطها فيُغلِّبون ما يرَون فيه حفظًا للشَّرع. وكنَّا نبَّهناهم إلى ترك التَّعالُم فلم ينتبهوا ونهيناهم عن الثَّرثرة فلم ينتهوا! فبِما فعلوا لا تُؤاخذْنا يا ربَّنا.
نهاية المقال.
Mar 2, 2019, 7:15 AM
تأدُّبًا مع طلب الأكابر أرفع مقالَين مؤقَّتًا
وأُعيد نشرهما لاحقًا إنْ شاء الله
وليُراسلني من كان عنده أي سؤال
Mar 1, 2019, 4:42 PM
حقيقة الحوار بين أهل السُّنَّة وبين المُخالفين
في مسألة عصمة الأنبياء
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد رأيتُ تحريفًا كبيرًا وكذِبًا كثيرًا على ألسنة المُخالفين حول حقيقة الحوار في عصمة الأنبياء بيننا نحن أهل السُّنَّة وبينهم؛ وأصل حوارنا معهم يُختصَر في نُقطتين اثنتين هما: (1) ادِّعاؤهم الإجماع الكاذب في المسألة على سبيل التَّكبُّر والعناد (2) وقولهم بتضليل وتكفير وتبديع مَن خالفهم فيها، فعزمت على هذا الخطِّ بُغية كشف لثام الحقيقة عن ماهيَّة الحوار بيننا وبينهم منعًا للدَّجل الَّذي يُموِّهون به على البُسطاء ويسلكون به في الباطل بين المسالك؛ ويفترون به على الدِّين والإسلام وعلى الله بعد ذلك.
النُّقطة الأُولى: ادِّعاؤهم الإجماع الكاذب
ففي النُّقطة الأُولى؛ ادَّعى المُخالفون اتِّفاق العُلماء على نفي وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء ولا سيَّما مِن نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام؛ والحقيقة أنَّه ادِّعاء باطل لا أساس له مِن الصِّحَّة بل اختلف عُلماء أهل السُّنَّة في تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ..} وفي تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..} ونحوهما مِن الآيات فحملها بعض العُلماء على ظاهرها وتأوَّلها بعضهم فهي مسألة خلافيَّة بما لا يدع مجالًا للشَّكِّ كما أفاد أكثر المُفسِّرين؛ فادِّعاء الإجماع فيها افتراء لم ينصَّ عليه عالِم البتَّة؛ فلم يُعطَ الكذَّاب المُفتري تدبيرًا؛ وكان ردُّه على الله يسيرًا.
والقول بالوقوع هو المَرويُّ عن سفيان ومجاهد وقتادة والحسن ومالك والشَّافعي وأحمد والطَّبريِّ وكلُّهم مِن المُتقدِّمين؛ والخلاف نصَّ عليه الكثير مِن المُفسِّرين والفُقهاء والمُحدِّثين والمُتكلِّمين كالمازريِّ وعياض والأبياريِّ والزَّركشيِّ والسَّمعانيِّ والجوينيِّ والأشعريِّ والآمديِّ والرَّازيِّ والمَوصليِّ والقرصيِّ والإيجيِّ والأرمويِّ وابن فورك والسَّمرقنديِّ والمُتولِّي والبَغويِّ وشيخ زاده الحنفيِّ ومَن لا تسع هذه الصَّفحات لاستيعاب أسمائهم فضلًا عن استيعاب مقالاتهم فعن أيِّ إجماع يتحدَّثون وهل يهرفون إلَّا بما لا يعرفون!
النُّقطة الثَّانية: قولهم بتكفير مَن خالفهم مِن أهل السُّنَّة
وفي النُّقطة الثَّانية؛ تجرَّأ المُخالفون على التَّكفير بغير حقٍّ فقالوا (إنَّ مَن عبَّر بلفظ الذَّنب بحقِّ نبيٍّ في غير سياق التِّلاوة والحديث فقد ارتدَّ عن الدِّين) وهو قول لم يسبقهم إليه سُنِّيٌّ قطُّ فوقع تحت تكفيرهم الجائر هذا ما لا يُحصى مِن عُلماء أهل السُّنَّة -المُتقدِّمين والمُتأخِّرين- إذ لا يخلو عالِم تكلَّم في عصمة الأنبياء مِن استعمال هذا اللَّفظ بحقِّ الأنبياء سواء على معنى الحقيقة أو على المجاز، فلم نرضَ بتكفير عُلماء أهل السُّنَّة وانتهضنا للرَّدِّ على التَّكفيريِّين وكُلُّنا صائحون: على الله فليتوكَّل المُتوكِّلون.
فلمَّا قرأ الظَّالمون عندنا المقالات وأدركوا عظيم ما ارتكبوا مِن الجنايات حاولوا التَّنصُّل مِمَّا أذاعوا وفيه الحقَّ أضاعوا لكنَّهم رفضوا الإقرار بفساده وبُطلانه تكبُّرًا وعنادًا فنسبوه إلى المالكيَّة كذبًا وزورًا فلا أخذوا صلاحًا ولا تركوا فسادًا؛ واقتطعوا مِن كلام علِّيش قوله <ما لا يجوز عليه> أي إجماعًا وزادهم الدُّسوقيُّ في شرحه الكبير تكذيبًا بقوله: <ما لا يجوز عليه كترك التَّبليغ> وليس مُجرَّد صغيرة لا خسَّة فيها!، بل والمالكيَّة كلُّهم على خلاف ما ادَّعى المُخالفون بشهادة الأبياريِّ والمازريِّ وعياض وغيرهم كثير.
خاتمة:
هذه هي حقيقة الحوار بيننا -نحن أهل السُّنَّة- وبين أهل الفتنة المُخالفين لنا في مسألة العصمة لكنَّهم يُحاولون إيهام النَّاس أنَّنا نبحث في ذنوب الأنبياء وخسئوا أنْ نكون فاعلين بل إنَّما انتهضنا لردِّ ما افترَوه مِن إجماع كاذب وقمنا بالتَّصدِّي لِمَا أطلقوه مِن تكفير جائر بحقِّ أئمَّة أهل السُّنَّة؛ فمَن كان مُنصفًا يقف عند حقيقة الحوار ولا يُدخِل فيه ما ليس منه وإلَّا كان قوله تدليسًا وافتراؤه عونًا لأهل الفتنة لعن الله مَن أيقظها. توكَّلنا على الله في ردِّ ما اختلقوه زُورًا وبُهتانًا ومَن يتوكَّل على الله فهو حسبه.
Mar 1, 2019, 8:47 AM
