أحوال العلماء في الإفتاء
ذَكَر ابن الجوزي في كتابه تَعظِم الفُتْيا بَعضَ الأخبار فيما يَتَعَلَّق بأحوال العلماء في الإفتاء فقال:
– رُوي عن البراء أنّه قال: لقد رأيتُ ثلاث مائةٍ من أهلِ بَدْرٍ ما مِنهُم مِن أحدٍ إلا وهو يُحِبُّ أنْ يَكفِيَه صاحِبَه الفَتوَى.
– ورُوي عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى أنه قال: أدرَكتُ مائةً وعِشرينَ مِن الأنصار مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسألُ أحَدُهم عن المسألة فَيَرُدُّ هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى تَرْجِعَ إلى الأوَّل.
– وكان زَيد بن ثابتٍ إذا سُئِلَ عن الشىء يقول: كان هذا؟ فإنْ قالوا: لا، قال لهم: دَعُوهُ حتَى يَكُونَ.
– وقد قال سعيد بن كثير: سمعتُ أبا الذَّيّال يقول: تَعَلَّمْ “لا أدرِي”، فإنَّكَ إن قُلتَ “لا أدري” عَلَّمُوكَ، وإن قُلتَ أدري سَأَلُوكَ حتى لا تَدري.
١٩/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٣ ص
الفتوَى بغيرِ علم
1. روَى الحافظ ابن عساكر في تاريخِه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن أَفتى بغَيرِ عِلمٍ لَعَنَتْهُ مَلائكةُ السّماءِ والأرض”.
2. وروَى أحمدُ عن الشّافعيّ عن مالك عن محمدِ بنِ عَجْلانَ رضي الله عنه أنه قال: “إذا أَغْفَلَ العَالِمُ لا أَدْرِي فَقَد أُصِيبَتْ مَقاتِلُه” أي هلَكَ.
3. قالَ بعضُ الصحابةِ: “أجرؤكُم على الفَتوَى أجرَؤكُم على النار”.
4. وقال عبدُ اللهِ بنُ عمر رضي الله عنهُما: “العِلمُ ثَلاثةٌ: كِتابٌ نَاطِقٌ، وسُنَّةٌ مُحكَمَةٌ، ولا أدرِي”.
5. وقال بعضُ العلَماء: “لا أَدري نِصفُ العِلم”، ومعناه أمْرٌ مُهِمٌّ.
6. وقال ابنُ الصّلاح وروينا عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قال: “مَن أَفتى الناسَ في كُلّ ما يَستَفتُونَهُ (أي ومنه ما كان بدون عِلم) فهو مجنونٌ”. وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوُه.
7. وقال ابنُ الصّلاح وعن مالكٍ أنه سئل في مسئلةٍ فقال: “لا أدري” فقيلَ لهُ “إنها مسئلةٌ خفيفةٌ سهلةٌ” فغَضِبَ وقالَ: ليسَ في العِلْمِ شَىءٌ خفِيفٌ أما سَمِعْتَ قولَه جَلَّ ثناؤُه: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عليكَ قَولًا ثَقِيلًا﴾ فالعِلمُ كلُّه ثقِيلٌ وبخاصّةٍ ما يُسأَل عنهُ يومَ القيامة”.
8. ورُوي عن سيّدِنا عليٍّ أنه سُئِلَ عن شَىءٍ فقالَ: “وا بَرْدَها على الكَبِد أَن أُسألَ عن شَىءٍ لا عِلمَ ليْ بهِ فأَقولَ لا أَدرِي” رواه الحافظ العسقلانِيُّ في تخريجه على مختصر ابنِ الحاجِب الأصليّ.
فينبغي لطالبِ العلمِ أن يُعوّدَ نفسَهُ “لا أدري” وأن يلتزِمَ بالمَنْقُولِ الْمُحرَّرِ وإلا أَهْلَكَ نفسَهُ وغيرَه.
فائدة: لو سُئِلَ شخصٌ عن ألفِ مسئلةٍ فأجابَ إجابةً صحيحةً عن تِسعِمائةٍ وتسعةٍ وتسعينَ، وأَخطَأ في واحِدَةٍ منَ الألفِ، وسُئِلَ ءاخَرُ عن الألفِ مسئلةٍ فأجَابَ عن مائةٍ على الصّواب ولم يُجِب عن التِّسعِمائةِ فهذا أَفضلُ مِنَ الأوَّل في هذا الأمر.
١٩/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٢ ص
