التَّحذير مِن الألفاظ المُكفِّرات
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فقد درج عُلماء الإسلام على النَّهي عن كثير مِن الألفاظ والعبارات الَّتي درج بعضها على ألسنة العامَّة حتَّى صنَّف البدر الرَّشيد -فقيه حنفيٌّ مِن القرن الثَّامن- رسالة في [الألفاظ المُكفِّرات] شرحها مُلَّا عليٌّ القاري الحنفيُّ؛ ووضع غيره مِن الفُقهاء تصانيف أُخرى في هذه المسائل.
2
وما عَمِلَه عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة في باب النَّهي عن الألفاظ المُكفِّرات الَّتي انتشرت بين العامَّة أخذوه مِن حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: <إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النَّار سبعين خريفًا> رواه التِّرمذيُّ وحسَّنه، وفي معناه حديث رواه البُخاريُّ ومُسلم.
3
وعليه فلا يجوز إنكار النَّهي عن كُلِّ لفظ اشتمل على تكذيب الدِّين – اعتمادًا على ما سمَّاه بعض الثَّرثارين “بلاغة العامِّيِّ” وأين كانت هذه البلاغة المزعومة عندما صنَّف العُلماء تلك المُصنَّفات الَّتي لم يطعن في أصل تصنيفها إمام مُتَّبع ولا فقيه عارف ولا عالِم مُعتبَر!؟
4
إنَّ أُولئك المُتكلِّمين عن العُجمة في مقام إنكار (مسائل حُكم مَن يقول) لا يعرفون مِن الفصاحة إلَّا النَّزْر القليل التَّافه حتَّى إنَّهم لو أرادوا التَّثبُّت مِن لفظ رجعوا إلى معاجم كان العالِم العامل رحمه الله ورضي عنه يحفظها عن ظهر قلبه؛ فشتَّانَ بَين العالِم العامل وبين جاهل ثرثار لا يخاف الله.
5
وأين يذهب أولئك الخائضون بغير هُدًى مِن قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وقد علمتَ أخي القارئ أنَّ كثيرًا مِن العامَّة ليخوض في مثل هذا ولا يجد مَن ينهاه ولا مَن يُنكر عليه.
6
وهلَّا أخبرنا الثَّرثار أين بلاغة العامِّيِّ في حمايته مِن الوقوع في المهالك وقد جهل القواعد الشَّرعيَّة وقد قيل: وليت الطَّائر يُخبرني! وقد علمتَ أنَّ كثيرًا مِن العامَّة يجهلون أنَّ تكذيب الدِّين ولو باللِّسان دُون القلب ولو في حُكم واحد مع العلم به: كُفر مُخرِج مِن الملَّة والعياذ بالله تعالى.
7
فلو نطق العامِّيُّ بما فيه تكذيب للدِّين وكان يفهم ما يقول أُخذ بذلك ولو لم يعتقده بقلبه وفي بعض المسائل -لا في كُلِّها- يكفُر ولو لم يعلم أنَّ ما قاله تكذيب للدِّين ومثل هذا التَّفصيل يُطلب في شرح القواعد الَّتي بها يُعرف الكُفر المُخرج مِن الملَّة وهُو ما لا يعرفه العامَّة غالبًا ولا يفهمونه.
8
وليس عُذرًا للعامِّيِّ كونه جاهلًا بأنَّ كلامه مُخرج مِن الملَّة ولهذا قال نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام: <لا يرى بها بأسًا> أي لا يراها ضارَّة له في أمر دينه ومع ذلك فقد استوجب بتلك الكلمة أنْ يدخُل النَّار وأنْ يستقرَّ في قعرها حيث لا يصل مُسلم، فنسأل الله السَّلامة مِن كُلِّ ذلك ءامين.
9
وكان أولى بصاحب هذه الدَّعوة المُنكرة تخويف النَّاس مِن الألفاظ المُكفِّرات ومِن زلَّات ألسنتهم فقد ورد في الحديث: <قُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ صلَّى الله عليه وسلَّم: ثَكِلَتْك أُمُّك وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!> انتهى.
10
والخُلاصة أنَّ مُخاطبة العامَّة بإنكار النَّهي عن الألفاظ الَّتي تُخالف الشَّرع تشجيع لهم على مزيد مِن الخوض فيما لا تُحمد عقباه وتغافُل عن مقتضى الآية الكريمة المذكورة آنفًا وترك للعمل بالهدي النَّبويِّ وهُو أهدى للخير والحقِّ والصَّواب فلا تلفتوا إلى مَن خالف الدِّين وشذَّ عن الحقِّ.
انتهى.
15 May 2020, 20:24
