نصيحة لمَن كان له قلب 5
الرَّدُّ على أهل الفتنة في مسألة الشَّهادة
لا يُحذف ضمير الشَّأن إلَّا بعد (أن) المُخفَّفة
حذف ضمير الشَّأن بعد (إنَّ) المكسورة شاذٌّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فقد قال بعض أهل الفتنة “إنَّ تشديد النُّون في الشَّهادة الأُولى معروف لمَن تعلَّم مُختصرًا في النَّحو مثل ألفيَّة ابن مالك”؛ وأتبع كلامه بصُورة ما نقلناه مِن [بُغية الطَّالب] مُريدًا نسبة شيخنا الهرريِّ رضي الله عنه إلى جَهَلَة العوامِّ؛ وغفل المُتفيهق أنَّ ألفيَّة ابن مالك قد خلت مِن الإشارة إلى حذف ضمير الشَّأن إلَّا في باب (أن) المُخفَّفة. فمَن هو العاميُّ الجاهل!؟
2
ودفع التَّكبُّر بهذا المُتنطِّع إلى التَّمسُّك بأقوال قال فيها النَّحويُّون: ضعيفة وقالوا: شاذَّة وقالوا: لا تكون في سِعة الكلام بل في الشِّعر خاصَّة لأنَّه أُلِفَتْ فيه الضَّرائر، فهل يرى أنَّ ابن هشام والدماميني ووحي زاده والأنباريَّ وابن الحاجب والرَّضيَّ الأستراباذيَّ وابن عصفور كُلَّهم هُم مِن جَهَلَة العوامِّ لأنَّهم يقولون بأنَّ حذف ضمير الشَّأن بعد (أنَّ) المُشدَّدة شاذٌّ وضعيف.
3
قال ابن هشام في [مُغني اللَّبيب]: <والمسموع مِن حذفه شاذٌّ إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى.
4
وقال الدماميني في شرحه على [مُغني اللَّبيب]: <والمسموع مِن حذفه شاذٌّ في كُلِّ موضع إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى وقوله: <في كُلِّ موضع> يعني أنَّ المسموع مِن حذف ضمير الشَّأن في (أنَّ) و(إنَّ) شاذٌّ لا يُقاس عليه؛ وكلام وحي زاده فيما يلي يُؤكِّد كلامنا.
5
وقال وحي زاده في [مواهب الأديب شرح مُغني اللَّبيب]:
<قوله أي أنَّ الشَّأن وقد تقدَّم أنَّ حذف ضمير الشَّأن شاذٌّ إلَّا بعد (أنْ) المُخفَّفة سواء كان بعد المكسورة المُشدَّدة كما وقع ها هُنا؛ والمُخفَّفة إلَّا عند البعض؛ فعلى المُصنِّف أنْ يُشير إليه وسيُصرِّح عن قريب [عن] شذوذه في غير (أنْ) المفتوحة المُخفَّفة> انتهى.
6
وقال أبو البركات الأنباريُّ في [البيان في غريب القرآن]: <وقيل (إنَّ) الهاء مُضمرة مع (إنَّ) كما تقول: “إنَّه زيد ذاهب” وفيه أيضًا ضعف لأنَّ هذا إنَّما يجيء في الشِّعر كقول الشَّاعر: (إنَّ مَن لامَ في بني بنتِ حسَّا * نَ أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطوبِ)> انتهى.
7
قال ابن الحاجب في [كافيته]: <ويتقدَّم قبل الجُملة ضمير غائب يُسمَّى ضمير الشَّأن يُفسَّر بما بعدَه ويكون مُنفصلًا ومُتَّصلًا بارزًا ومُستترًا على حسب العوامل نحو هو زيد قائم وكان زيد قائم وإنَّه زيد قائم؛ وحذفه منصوبًا ضعيف إلَّا مع (أن) إذَا خُفِّفت فهو لازم> انتهى وهو نصٌّ منه على كون حذف ضمير الشَّأن ضعيف؛ إلَّا مع (أنْ) المخففة كما قال.
8
وقال الرَّضيُّ الأستراباذي في شرح [كافية ابن الحاجب]: <لا يجوز حذف هذا الضَّمير [أي ضمير الشَّأن] لعدم الدَّليل عليه، إذ الخبر مُستقلٌّ ليس فيه ضمير رابط، ولا يُحذف المبتدأ ولا غيره إلَّا مع القرينة الدَّالة عليه> انتهى.
9
وقال ابن عصفور في [الضَّرائر]: <وإنَّما قبُح حذفه في الكلام وإنْ لم يُؤدِّ الحذف إلى مُباشرة إنَّ وأخواتها للأفعال لأنَّه مُفسَّر بالجُملة الَّتي بعدَه..> إلى قوله: <فكذلك أيضًا يقبُح حذف ضمير الشَّأن والقصَّة وإبقاء الجُملة المُفسِّرة له، وأيضًا يُستعمل في موضع التَّعظيمِ والحذفُ مُناقض لذلك..> انتهى.
10
وقال شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [دار المشاريع – ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.
نهاية المقال.
٢٣/٠٩/٢٠١٩ ٧:٢٧ ص
نصيحة لمَن كان له قلب 4
قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على النَّبيِّ
لا يجوز قول اللَّهُمَّ صلِّي -بالياء-
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
أمَّا بعدُ فالصَّواب أنْ نقول في الصَّلاة على النَّبيِ:ّ (اللَّهم صلِّ على سيِّدنا مُحمَّد) بدون إضافة (ياء) في آخِر كلمة (صلِّ)؛ فيجب الحذر مِن قول بعض العوامِّ: (اللَّهُمَّ صلِّي -بالياء-) لأنَّ هذا خطاب الأُنثى والله تعالى لا يُخاطَب بخطاب الأُنثى وهذا يُعدَّ تنقيصًا لله سُبحانه وتعالى؛ وقد نصَّ الفُقهاء على أنَّ مَن قال هذا وهو يفهم معناها فقد كذَّب الدِّين.
لكنَّنا لا نُكفِّر العاميَّ الجاهل بالمعنى لو قال: (اللَّهُمَّ صلِّي -بالياء-) وهو لا يعرف معناها بل نقول إنَّه قد عصى ونقول إنَّ مَن قال هذا في الصَّلاة على النَّبيِّ في تشهُّد الصَّلاة فَسَدَتْ صلاته؛ والله تعالى لا يقبل الذِّكْر والصَّلاة والصِّيام وكُلَّ أعمال الدِّين إلَّا على الوجه المُوافق للشَّريعة وليس العبرة بقصد الشَّخص بل العبرة بمُوافقة العمل للشَّريعة.
ففي [بُغية المُسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمَّة مِن المُتأخرين] جمعِ فقيه الدِّيار الحضرميَّة عبدِالرَّحمن بن مُحمَّد بن حُسين المشهور: <وأفتى بالبُطلان فيمَن قال السَّلام منِّي عليكم أو اللَّهُمَّ صلِّي -بالياء- وقصد به خطاب الأُنثى؛ عبدالله بلحاج؛ وأبو مخرمة [1] قال: (بل العامد العارف بالعربيَّة يكفر؛ وأمَّا النَّاسي والجاهل فتبطل قراءتهما)> انتهى.
ولو كان يجوز أنْ يُقال: (اللَّهُمَّ صلِّي -بالياء-) لَمَا كفَّر العُلماء مَن قالها عامدًا عارفًا بالمعنى؛ فلا تلتفت أخي القارئ إلى ما جاءوا به مِن التُّرَّهات فقد قصدوا الشَّاذَّ مِن الأقوال فقاسوا عليه وعمدوا إلى ما لا يتأتَّى إلَّا قليلًا ضيِّقًا وفي نحو الشِّعر وضرائره فجعلوه في دَرَج الكلام وسِعته ثُمَّ انقلبوا إلى استنباط الأحكام وليس بينهم واحد مِن أهل القياس وليس بينهم عالِم.
..
[1]: تقيُّ الدِّين عبدالله بن عُمر بن عبدالله بامخرمة (907ه-971ه). قال عنه صاحب [الأعلام]: <مُفتي اليمن وعلَّامته في عصره>. وقال: <كان يُنعت بالشَّافعي الصَّغير>.
نهاية المقال.
١٨/٠٩/٢٠١٩ ١٢:٢٠ ص
نصيحة لمَن كان له قلب 3
إذا أُظهِر ضمير الشَّأن وجب تشديد نون (أن)
المسموع مِن حذف اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن شاذٌّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
أمَّا بعدُ فإنَّه لا يصحُّ حذف اسم (أنَّ) ضمير الشَّأن إلَّا في باب (أن) المفتوحة -إذَا خُفِّفت-؛ أمَّا المسموع مِن حذف ضمير الشَّأن في (إنَّ) فشاذٌ. قال ابن هشام في [مُغني اللَّبيب]: <وقيل: اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن وهذا أيضًا ضعيف لأنَّ الموضوع لتقوية الكلام لا يُناسبه الحذف والمسموع مِن حذفه شاذٌّ إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى.
وقال الدماميني في شرحه: <وقيل: اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن وحُذف والأصل إنَّه هذانِ لساحرانِ؛ وهذا أيضًا ضعيف لأنَّ الموضوع لتقوية الكلام لا يُناسبه الحذف وضمير الشَّأن كذلك مِن جهة أنَّه يتمكَّن ما يعقبه في ذهن السَّامع فضلَ تمكُّنٍ لِمَا فيه مِن الإبهام ثُمَّ التَّفسير والمسموع مِن حذفه شاذٌّ في كُلِّ موضع إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى.
ولا يصحُّ في غير (أنْ) المُخفَّفة حذف اسمها ضمير الشَّأن؛ ولا تُشدَّد إلَّا مع إظهار الضَّمير لأنَّ إظهاره هو ما يرُدُّ (أنْ) المُخفَّفة إلى أصلها (أنَّ) المُشدَّدة. قال ابن هشام في [مُغني اللَّبيب]: <فاستسهلوه –[ضمير الشَّأن]- لوُروده في كلام بُنِيَ على التَّخفيف فحُذف تبعًا لحذف النُّون ولأنَّه لو ذُكر لوجب التَّشديد إذ الضَّمائر ترُدُّ الأشياء إلى أُصولها> انتهى.
وقال الدماميني في شرحه: <فاستسهلوه لوُروده في كلام بُني على التَّخفيف فحُذف تبعًا أي لأجل التبعيَّة لحذف النُّون ورُبَّ شيء يُحذف تبعًا ولا يُحذف استقلالًا كالفاعل يُحذف مع الفعل ولا يُحذف وحدَه وحذف ها الضَّمير لعلَّة أُخرى أيضًا وهي أنَّ الضَّرورة داعية إلى حذفه عند إرادة تخفيف الحرف لأنَّه لو ذُكر لوجب التَّشديد إذ الضَّمائر تردُّ الأشياء إلى أُصولها>.
فصل
تعقيب على ردِّ البعض -هداهم الله-:
نقول إنَّنا لم نحتجَّ بأنَّه ليس في المسموع مِن كلام العرب حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المُشدَّدة المفتوحة الهمزة -هكذا وحده بالاستقلال- بل وبأنَّه ترافق مع انعدام النَّصِّ عليها في قواعد النَّحو؛ مع ما بيَّنه النَّحويُّون مِن اختلاف عمل (أنَّ) المفتوحة عن عمل (إنَّ) المكسورة ومع ما بيَّنوه مِن إيثار (أنْ) المُخفَّفة على (أنَّ) المُشدَّدة في حذف ضمير الشَّأن.
وقال الخصم: <(أنَّ) فرع مِن (إنَّ) وما يجوز في الأصل يجوز في الفرع> وطلب ما يدلُّ على الاستثناء. فنقلنا له ما يدلُّه على أنَّ الفرع قد يُميَّز على الأصل لمعنًى فيه لا يُوجد في الأصل؛ وعلى منعِ أنْ يتميَّز الفرع على الأصل بالكُليَّة، فتوهَّم أنَّنا لا نفهم ما نقرأ؛ ولم نتوهَّم أنَّه لم ينتبه لأنَّه سكت أخيرًا عمَّا كان يستدلُّ به أوَّلًا بقوله <(أنَّ) فرع مِن (إنَّ)>. فتأمَّل!
فلا حُجَّة للخصم فيما نقله عن ابن مالك في [الكافية] مِن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (إنَّ) وأخواتها بدليل قول ابن مالك نفسه في [الألفيَّة]: <وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ ~> فقد نصَّ النَّحويُّون في بيانهم الفرقَ بين (أنَّ) المفتوحة و(إنَّ) المكسورة على اختصاص وإيثار (أنْ) المُخفَّفة على (أنَّ) المُشدَّدة في أنْ تعمل في محذوف؛ وهو ما فاته.
وجواب ما جاء في المسموع مِن حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المفتوحة أنَّه لا يأتي إلَّا في الشِّعر خاصَّة؛ بَيَّنَ ذلك النَّحويُّون قال يَعِيْشُ النَّحويُّ في [شرح المُفصَّل]: <ولا يجوز حذف هذه الهاء إلَّا في الشِّعر؛ لا يجوز في حال الاختيار “إنَّ زيدٌ ذاهبٌ” على معنى إنَّه زيد ذاهب> انتهى ثُمَّ ذكر الأبيات الَّتي كان الخصم قد اوردها بُغية الاستدلال بها -عبثًا-.
يقول شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [دار المشاريع – ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.
نهاية المقال.
١٤/٠٩/٢٠١٩ ٥:٠٠ م
نصيحة لمَن كان له قلب
لا يُحذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المُشدَّدة المفتوحة
بطلان قياس (أنَّ) على (إنَّ) مع كونها فرعًا لها
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
أما بعدُ فقد قرأ جماعة -هداهم الله- في كُتُب النَّحو شيئًا عن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (إِنَّ) وأخواتها؛ فتوهَّموا أنَّ ذلك جائز أيضًا مع (أَنَّ) المُشدَّدة المفتوحة الهمزة لكونها فرعًا مِن (إِنَّ) وهو منهم قياس فاسد، فقد نصَّ النَّحويُّون على اختلاف ما اختصَّت به (أَنَّ) المفتوحة الهمزة عمَّا اختصَّت به (إِنَّ) المكسورة الهمزة مع كون الأُولى فرعًا للثَّانية.
2
ولم يفطن أولئك -هداهم الله- إلى أنَّ شرط حذف ضمير الشَّأن مع (أَنَّ) المفتوحة الهمزة هو تخفيفها بحيث تصير (أَنْ) بنون ساكنة، ونحن إنْ شاء الله نُبيِّن الصَّواب في المسألتَين، الأُوْلى: عدم اختصاص (أَنَّ) المفتوحة الهمزة بما اختصَّت به (إِنَّ) المكسورة الهمزة، والثَّانية: اختصاص (أَنْ) المُخفَّفة بحذف ضمير الشَّأن دون حذفه بعد (أَنَّ) المُشدَّدة.
3
قال ابن مالك في ألفيَّته: <وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ * والخبرَ اجعَلْ جُملةً مِن بعدِ (أَنْ)> انتهى. واستكن هُنا أي حُذف؛ والمعنى: إنْ خُفِّفت (أنَّ) بحيث صارت (أنْ) حُذِف اسمها؛ وشرطه بَيِّن المُناقضة لِمَا توهَّمه البعض -هداهم الله- مِن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) دون تخفيفها، فلماذَا هجموا على الكلام وليس معهم نصٌّ مِن عالِم مُعتبر!؟
4
وقال ابن عقيل في شرحه على الألفيَّة لابن مالك: <إذا خُفِّفت (أنَّ) بقِيَت على ما كان لها مِن العمل لكن لا يكون اسمها إلَّا ضمير الشَّأن محذوفًا؛ وخبرها لا يكون إلَّا في جُملة؛ وذلك نحو (علمتُ أنْ زيدٌ قائم) فـ (أنْ) مُخفَّفة مِن الثَّقيلة واسمها ضمير الشَّأن وهو محذوف والتَّقدير..> انتهى. ولاحظ قوله: <إذَا خُفِّفت> و<مُخفَّفة مِن الثَّقيلة> لتفهم الشَّرط.
5
وقال الخُضَري في حاشيته على ابن عقيل: <(بَقِيَتْ على ما كان لها) أي وجوبًا بِخلاف المكسورة وإنْ كانت فرعًا لها> انتهى -ولاحظ قوله: <وإنْ كانت فرعًا لها> لتعلم فساد قياسهم (أَنَّ) على (إِنَّ) في هذه المسألة-؛ إلى قوله: <وإنَّما عملت في ضمير محذوف لتكون كَلَا عاملة إظهارًا لضعفها بالتَّخفيف لئلَّا تظهر مزيَّة الفرع على أصله> انتهى. فتحقَّق.
6
فإذَا سألتَ لماذَا أعملوا (أنْ) المفتوحة وأهملوا المكسورة غالبًا وكان اللائق التَّسوية أو العكس لئلَّا يلزم مزيَّة الفرع عن الأصل؟ فيقول الصَّبَّان في حاشيته على شرح الأشموني: <وحاصل الجواب أنَّ الفرع قد يُميَّز على الأصل لمعنًى فيه لا يُوجد في الأصل> انتهى. وهذا لتفهم أنَّ كون الأُولى فرعًا مِن الثَّانية لا يعني أنْ تعمل عملها مُطلقًا كما توهَّم البعض.
7
فإذَا سألتَ لماذَا أعملوا المفتوحة في ضمير والمكسورة في ظاهر؟ يُجيب الصَّبَّان: <وقوله على وجه.. إلخ ليس مِن جُملة التَّفريع إذ لا يُنتجه ما قبل التَّفريع فهو مُتعلِّق بمحذوف دلَّ عليه السِّياق أي وعملت على وجه.. إلخ: أي لئلَّا يظهر بالكليَّة مزيَّة الفرع على أصله> وكُلُّ هذا لبيان اختلاف ما اختصَّت به (أنَّ) عمَّا اختصَّت به (إنَّ) خلافًا لِمَا توهَّمه البعض.
8
وقال الأشموني في شرح ألفيَّة ابن مالك: <فلذلك أُوثِرَت (أنْ) المفتوحة المُخفَّفة ببقاء عَمَلِها على وجه يَبِينُ فيه الضَّعف وذلك بأنْ جُعل اسمها محذوفًا لتكون بذلك عاملة كَلا عاملة> انتهى. ولاحظ قوله: <أُوثِرَت (أنْ) المفتوحة المُخفَّفة> لتعلم فساد قول مَن خالف. والنَّصُّ بَيِّنٌ في أنَّ حذف ضمير الشَّأن في (أَنْ) المُخفَّفة دون المُشدَّدة؛ فلماذَا يُكابرون!؟
9
وقال الصَّبَّان: <قوله: (فلذلك) أي لكونها أشبه بالفعل.. إلخ أُوثِرَت أي خُصَّت> انتهى. ومحلُّ الكلام في (أنْ) المُخفَّفة كما لا يخفى. ويكفيك قول الأشموني: <أُوثِرَت> والصَّبَّان: <خُصَّت> لتعلم فساد ما توهَّمه البعض في قياسهم ما اختصَّت به (أنَّ) على ما اختصَّت به (إنَّ)؛ وفسادَ ما توهَّموه مِن حذف ضمير الشَّأن مع المُشدَّدة قياسًا على المُخفَّفة.
10
يقول شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [دار المشاريع – ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.
11
هذا واعلم أنَّه كان أولى بمَن تصدَّر للكلام في المسألة أنْ لا يُخالف قول العالِم العامل والعارف الثِّقة -وهو يعرفه-؛ ولا يخفى أنَّ المسألة وإنْ كانت نحويَّة في جانب منها لكنَّها تتعلق بصحَّة النُّطق بالشَّهادتَين وبالتَّالي بصحَّة دُخول الكافر في الإسلام وليس معهم فيما ادَّعوه نصٌّ ولا عندهم فيه سماع فكيف سوَّلت لهم أنفسهم الخوض في مثل هذا -والأمر عظيم-!؟
12
أمَّا مَن كان جاهلًا لا يعرف النُّطق بالشَّهادتَين؛ فإنَّ مَن دعاه إلى الإسلام يُلقِّنه الشَّهادة بالطَّريقة الصَّحيحة، ويكفي لصحَّة دخوله في الإسلام لو قال: (لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله) بدون لفظ (أشهد) لو شاء؛ وأمَّا الأعجميُّ فيقولها بلغته مُتضمِّنة الإقرار بها؛ والعاجز عن النُّطق: يدخل في الإسلام بالاعتقاد. فلماذَا يُصرُّ البعض على الابتداعِ وإنَّما العبرة بالاتِّباع!
وفي المُداخلات نصُّ كلام الخُضري والأشموني والصَّبَّان بدون اجتزاء كي يقف على الكلام في محلِّه مَن شاء، وآخِر الدُّعاء الحمدلله.
نهاية المقال.
١٣/٠٩/٢٠١٩ ٣:٢١ م
