اِعلَموا رحمكم الله أنَّ الجهل في الدِّين أشدُّ خطورة من المرض الَّذي يفتك بجسم الإنسان، وذلك لأنَّ الجهل فيما فرض الله على المرء تعلُّمه يؤدِّي بالشَّخص في الغالب إلى الهلاك في الآخرة، واعلَموا أنَّ الجهل لا يرتفع بمجرَّد المطالعة الفرديَّة في الكتب من غير تلقٍّ عن العلماء الثِّقات، فكثير من الكتب حوت سمومًا لا ينجو منها إلَّا من شاء الله له أنْ ينجو منها، وكم من مدَّعٍ للعلم متعالم مع جهل، ينظر لنفسه نظر الكِبْر والغرور، فيظنُّ أنَّ جمع العلم يكون من قراءته للكتب فحسب، فلا حاجة ليقرأ العلم على أهله، ولا ليثني ركبه عند أهل العلم تلقيًّا منهم ومذاكرة معهم ومراجعة عليهم ليعلو كعبه في العلم! وليُعلم أنَّه قد قيل: (من البليَّة تشيُّخ الصَّحيفة) وقد كان أهل العلم ينهون عن نيل العلم من الكتب فحسب، ولنأتي الآن على ذكر أحوال بعض الكتب ممَّا يؤكِّد على عدم التَّسرُّع في الأخذ من الكتب من غير عرض لِمَا فيها على العلماء الثِّقات:
1- بعض الكتب أُلصِقت بعلماء مشهورين وهي ليست من تأليفهم وإنَّما أرادوا لها أنْ تلقى قبولًا بين النَّاس بنسبتها إلى أولئك العلماء، وذلك كالكتاب المعروف بـ “مولد العروس” المفترى على الإمام الكبير ابن الجوزي وفيه كفر شنيع تمُجُّه الأسماع، وللأسف قد انطلى هذا الافتراء والكفر على بعض المتصوِّفة فصاروا يعتقدون ما فيه من الكفر ويقرؤنه للنَّاس، فضلُّوا وأضلُّوا.
2- وبعض الكتب ألَّفها علماء ثقات ولكن لم يصلنا منها إلَّا مسودَّة المؤلِّف الَّتي وقع فيها بعض الأخطاء كسبق يد أو ذكر أقوالٍ ضعيفة وشاذَّة أو أقوال لمبتدعة ضُلَّال كان العالِم يريد تفنيدها فسهى عن ذلك أو أخَّر تفنيدها إلى وقت التَّنقيح ثمَّ لم يسعفه الوقت وبقيت النُّسخة على ما كانت عليه من غير تنقيح ولا تصليح، وقد يكون التِّلميذ المستملي استدرك على كلام شيخه بزيادة ذكر أقوال مردودة أو شاذَّة ووضعها في صُلب كلام شيخه ثمَّ لم يحرِّر نسخته، وهذه النُّسَخ لو حُرِّرت على مؤلِّفيها لحذفوا منها تلك الأخطاء والأقوال الشَّاذَّة ولفنَّدوا ما فيها من باطل المبتدعة.
3- ومن الكتب ما وقع فيه تحريف ودسٌّ متعمَّد وغير متعمَّد ومنها كتب لعلماء مشهورين، وفي الغالب يتعمَّد أعداء الدِّين الدَّسَّ في كتب المشهورين فهو أسرع لقبول ما دسَّ فيها وأسهل لخداع الجاهل الَّذي يصدق أنَّ هذا الكلام المدسوس هو حقٌّ، وما أكثر ما وقع من دسٍّ في كتب الأكابر ومنها كتب الشَّيخ الأكبر محيي الدِّين بن عربي، وقد ظنَّ قوم من جهلة المتصوِّفة أنَّ تلك الكفريَّات الَّتي في كتب ابن عربي قد قالها حقيقة فاعتقدوها فضلُّوا وأضلُّوا.
4- وبعض الكتب يقول عنها العلماء المدقِّقون المحقِّقون أنَّها غير معتمدة لأنَّ مؤلِّفيها وضعوا فيها القويَّ والضَّعيف وما لا حجَّة له من الأقوال والوجوه والتَّرجيحات، فمن يطالع في تلك الكتب من غير أنْ يعرف ذلك قد ينصر قولًا مردودًا أو شاذًّا فيقع فيما حذَّر العلماء منه.
5- وبعض الكتب يصفها العلماء بأنَّها معتمدة ولكن قد يُذكر فيها قليلًا من أقوالٍ شاذَّة أو مردودة فمَن لا يعرف ضعف تلك الأقوال قد يظنُّ أنَّها معتمدة لظنِّه أنَّ كلَّ ما في الكتاب معتمد فيقع في الغلط كما سبق.
6- وبعض كتب العلماء المشهورين كان تأليفهم لها في بداية أمرهم ثمَّ بعد مرور السِّنين تراجع ذلك العالم عن بعض الأقوال الَّتي كان قد قالها، فيؤلِّف بعدها كتابًا يذكر فيه أنَّه تراجع عن تلك الأقوال الَّتي كان ذكرها في كتبه السَّابقة أو يقتصر فيه على ذكر القول الَّذي ترجَّح له آخِرًا، فمَن وقع بين يديه كتابه السَّابق قد ينسب إليه ما تراجع عنه من الأقوال، وهذا حصل كثيرًا وقد نبَّه العلماء عليه، ولأهميَّة هذا الأمر فإنَّ الإمام الشَّافعيُّ لمَّا ألَّف مذهبه الجديد في مصر قال (لا أسمح لأحد أنْ يرويَ عني ما قلته سابقًا ممَّا يخالف قولي الأخير) لأنَّه تراجع عن مذهبه القديم رضي الله عنه، مع أنَّ القولين السَّابق والجديد صدرَا عن اجتهاد منه رحمه الله، هذا عالِم مجتهد فكيف بمَن هو بعيد من درجة الاجتهاد فوُجد في كتبه بخطِّه قولًا شاذًّا باطلًا ثمَّ تراجع عنه في كتب ألَّفها بعد ذلك الكتاب؛ أيحلُّ لأحدٍ أنْ ينسب تلك الأقوال السَّابقة له ويأخذ بها لكونها مثبتة في نسخة من كتبه! وقد صرف كثير من العلماء السِّنين تعاد عليهم قراءة كتبهم عشرات المرَّات إلى ما قبل وفاتهم لأجل تنقيحها وإثبات ما استقرَّ عليه رأيهم في آخر عمرهم.
7- وبعض الكتب يكون الكلام فيها صحيحًا ولكنَّ الجاهل بسبب عدم تلقِّيه للعلم سماعًا من العلماء قد يغلط في فهم عبارات موافقة للحقِّ، ورحم الله مَن قال:
وكم مِن عائب قولًا صحيحًا * وآفتُهُ من الفَهم السَّقيمِ
ولا عجبَ أنْ ترى كثيرًا من المسائل الَّتي فُهمت خطأ، أدَّت فيما بعد لأنْ تكون أقوالًا تنسب لبعض المنتسبين للعلم، لتكون خلافًا يُحكى أمد الدَّهر، وذلك لقلَّة الفهم وضعف العلم، ولو سكت هؤلاء القوم ولم ينطقوا لكان ذلك بهم أحرى وأَوْلى من أنْ يتزاحموا على التَّدريس والتَّعليم، وبضاعتهم في العلم مزجاة، وممَّا يحسن إيراده في هذا المقام قول الإمام الغزاليِّ: <لو سكت مَن لا يعرف لقلَّ الاختلاف>..
إذَا عُرف هذا تأكَّد لنا أنَّ السَّلامة تكون بتلقِّي العلم سماعًا من العلماء المحقِّقين الأكابر مع عرضه وتحريره عليهم. جعلنا الله وإياكم من أهل العلم المخلصين بجاه سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.
انتهى.
Apr 1, 2020, 4:10 PM
