والرَّدُّ على مَن أنكر قول الجُمهور في العصمة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
أمَّا بعدُ فقد قال الإمام أبو منصور الماتُريديُّ رحمه الله ورضي عنه في تفسيره المُسمَّى [تأويلات أهل السُّنَّة] [ج/10-ص/132] ما نصُّه: <وقال تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولو لم يكن لله تعالى أنْ يُعذِّب على الصَّغائر أحدًا، لم يكن له على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ موضع الامتنان بما غفر له ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر> انتهى.
وكلامه هذا بيِّن في أنَّه أراد المعصية الحقيقيَّة لأنَّ الله تعالى لا يُعذِّب على ترك الأولى والأفضل كما لا يُعذِّب على مُجرَّد جواز ذلك في حقِّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام. فمِن هُنا يُعلم أنَّ القول بالمعصية الحقيقيَّة في حقِّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام لا يَخرج عمَّا قاله أئمَّة أهل السُّنَّة بمَن فيهم الماتُريديُّ مع أنَّه يقول بالقول الثَّاني لأهل السُّنَّة في هذه المسألة.
فإنْ زعم الخصم أنَّ الماتُريديَّ أراد المعاصيَ المجازيَّة (تركَ الأولى)، يُقال له: بل هو قال: <وفي قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} دلالة أنَّ لله تعالى أنْ يُعذِّب على الصَّغائر> انتهى ووجه الدَّليل أنَّ الامتنان هو على ترك التَّعذيب على الصَّغائر هُنا لا على مُجرَّد حفظه منها. فظهر بُطلان قول مَن أنكر قول الجُمهور لأنَّ الله لا يُعذِّب على ترك الأَولى.
ويُفهم هذا مِن كلام الإمام المازريِّ -وهو رئيس مالكيَّة زمانه- فقد قال في [إيضاح المحصول مِن بُرهان الأُصول]: <فبَيْن أئمَّتنا اختلاف في وقوع الصَّغائر فمنهم مَن منعها ومنهم مَن أجازها. وجنح المُجيزون لها إلى أنْ وردت في الشَّرع أخبار تُشير إلى أنَّها قد وقعت مِن الأنبياء كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}> انتهى.
فالإمام المازريُّ رحمه الله ينقل عمَّن يتكلَّم عن الصَّغائر وينصُّ على وُقوع جنسها مُستشهدًا بآية في حقِّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ناسبًا هذا القول لبعض أئمَّته وهو المالكيُّ الكبير بل وقيل إنَّه كان مُجتهدًا مُنتسبًا؛ والشَّيخ جميل حليم حفظه الله لم يخرج عن هذا القول، فكفاكُم تكفيرًا وتضليلًا وتبديعًا لعُلماء المُسلمين يا أيُّها الثَّرثارون المُتكبِّرون عن الحقِّ لمَّا جئناكُم به.
فقد جاء في [القمر السَّاري] للشَّيخ جميل حليم: <جاء في حديث عائشة: (إنَّ الله قد غفر لك ما تقدَّم مِن ذنبك وما تأخَّر) مع قول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ففي هذه الآية إثبات فعل المعصية في حقِّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وفي حقِّ أُمَّته فنحن نقول اقتداء بالجُمهور {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} هي معصية حقيقيَّة صغيرة ليس فيها خسَّة ولا دناءة فأُمر الرَّسول بالاستغفارِ منها فاستغفر> انتهى.
فالشَّيخ جميل حليم حفظه الله وكما ترى -أخي القارئ- لم يخرج عمَّا حكاه هُنا الماتُريدي؛ والمازريُّ؛ بل وهو حفظه الله قد قيَّد كلامه فقال: <اقتداءً بالجُمهور> ثُمَّ ذكر مذهب الأشاعرة وهو مذهب الجُمهور في المسألة كما بَيَّنَ الكثير مِن العُلماء والأئمَّة ومنهم القاضي عضُد الدِّين الإيجي في [المواقف] بقوله: <وأمَّا الصَّغائر عمدًا فجوَّزه الجُمهور> انتهى.
أمَّا المُتفيهقون الَّذين هجموا على الكلام بلا علم فأنكروا قول الجُمهور فينطبق عليهم قول عياض: <فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَجُوزُ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَالْخِلَافُ، كَيْفَ يُصَمِّمُ فِي الْفُتْيَا فِي ذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ يَدْرِي هَلْ مَا قَالَهُ فِيهِ نَقْضٌ أَوْ مَدْحٌ؟ فَإِمَّا أَنْ يَجْتَرِئَ عَلَى سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ حَرَامٍ أَوْ يُسْقِطَ حَقًّا أَوْ يُضَيِّعَ حُرْمَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ> انتهى.
ورحم الله امرءًا عرف حدَّه فوقف عنده.
نهاية المقال.
المقال منقول من صفحة أهل السنة
والرابط في المداخلة الأولى
٠٨/١٠/٢٠١٩ ٩:٠٧ م
لماذَا سكت أهل الفتنة
عمَّن زعم أنَّ الأنبياء قد يُعذَّبون على ترك الأولى؟
الحمدلله الأحد الواحد بالذَّات والصِّفات العالِم بالكُلِّيَّات والجُزئيَّات حَمدًا يُوافي نعمه التَّامَّة وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأشهد أنَّ سيِّدنا وحبيبنا ونبيَّنا مُحمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم عبده ورسوله الَّذي أرسله شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا المُكرَّم المُعظَّم باللِّواء المعقود فآدمُ ومَن سواه يومَ القيامة تحت لوائه داخلون.
وبعدُ فعندما نظرت يا يوسف ميناوي إلى فتنك الَّتي تعكس مدى تمكُّن الوسواس فيك حتَّى نخر عظامك فظننتَ أنَّ العلاج منه أنْ تُثبت لنفسك أنَّك على شيء وأنت في الحقيقة فارغ إمَّعة دخلت في مسائل ادَّعيت فيها التَّحقيق والاستدراك وداهنك بعض شياطين الإنس والجنِّ فزادوك رهقًا.
ثُمَّ فتحتَ باب الكلام في عصمة الأنبياء وجعلتَ شعارك قول بعض العُلماء ممَّا لا يُنكر ولكنَّك زدتَ عليه تضليل مَن قال بغيره وتجرَّأتَ وتماديتَ وتتطاولتَ على أهل المراتب العليَّة مِن عُلماء أهل السُّنَّة فادَّعيتَ إجماعًا لا وُجود له وأنكرتَ خلافًا مُعتبرًا ولم ترضَ بقول معصية صغيرة لا خسَّة فيها ولا دناءة نفس؛ حقيقيَّة لا مجازيَّة تاب منها واستغفر وذلك سيرًا على قول بعض العُلماء وقواعد تفسير ولُغة.
ثُمَّ سكتَّ عمَّن قال إنَّ الأنبياء يجوز أنْ يُعذَّبوا على ترك الأَولى والعياذ بالله! وهذا كَشَفَ زيغ قلبك وخُبث وسائلك وإلَّا فبماذا تُفسِّر سكوتك عنه إلَّا مُداهنة ومُحاباة لتُشبع نفسك غُرورًا وشُهرة مُزيَّفة، فأساس عملك الخراب والحقد وسواد القلب والنَّفس واتِّباع الشَّيطان الَّذي زيَّن لك سوء عملك.
أصلح مِن نفسك وارجع إلى الله تائبًا.
نهاية المقال.
١٠/١٠/٢٠١٩ ٣:٠٠ م
