بيان أنَّه لا يجوز تشديد (أنْ) في الشَّهادة الأُولى إلَّا مع إلحاق ضمير الشَّأن بها فتكون: (أنَّه)

بيان أنَّه لا يجوز تشديد (أنْ) في الشَّهادة الأُولى

إلَّا مع إلحاق ضمير الشَّأن بها فتكون: (أنَّه)

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعد فاعلَمْ أنَّه لا يصحُّ للدُّخول في الإسلام أنْ يُقال <أشهد أنَّ> بتشديد النُّون -نون أنْ- في الشَّهادة الأُولى وهي <أشهد (أَنْ) لا إله إلَّا الله> إلَّا مع إلحاق ضمير الشَّأن بها وهو الهاء فتكون: <أشهد (أنَّهُ) لا إله إلَّا الله>، فإنَّ هذا هو مُقتضى اللُّغة العربيَّة الفُصحى. وقد كَذَّبَ أهل الفتنة الجاهِلِين الَّذين حرَّفوا وبدَّلوا حين زعموا أنَّ سيبوَيه رحمه الله قال بخلاف ذلك.

قال ابن مالك في ألفيَّته:

وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ * والخبرَ اجعَلْ جُملةً مِن بعدِ (أَنْ)

قال ابن عقيل: <إذا خُفِّفت (أنَّ) بقِيَت على ما كان لها مِن العمل، لكن لا يكون اسمها إلَّا ضمير الشَّأن محذوفًا، وخبرها لا يكون إلَّا في جملة؛ وذلك نحو (علمتُ أنْ زيدٌ قائم) فـ (أنْ) مُخفَّفة مِن الثَّقيلة واسمها ضمير الشَّأن وهو محذوف والتَّقدير (علمْتُ أنْه زيدٌ قائم) وقد يبرز اسمها وهو غير ضمير الشَّأن..> إلى آخِرِ كلامه.

وقد علمتَ أنَّ اسم (أنْ) في الشَّهادة الأُولى هو ضمير الشَّأن محذوف تقديره (الهاء) فلزم أنْ تكون (أنْ) مُخفَّفة؛ فإنْ أظهرتَ ضمير الشَّأن عُدت إلى تشديد (أنَّ) فتقول <أشهد (أنَّهُ) لا إله إلَّا الله>؛ وأمَّا أنْ تكون (أنَّ) مُشدَّدة مع بقاء ضمير الشأن مُستترًا محذوفًا فهذا لا يصح في اللُّغة العربيَّة بوجه مِن الوجوه؛ خلافًا لِمَا ذهب إليه أهل الفتنة مِن الخلط.

والكلام هُنا ليس عن إدغام -أو ترك إدغام- النُّون السَّاكنة باللَّام التَّالية فهذا لا علاقة له بـ (أنْ) مُخفَّفة أو مُشدَّدة، وإنَّما الكلام في أنَّ تشديد (أنْ) لتصير (أنَّ) بدون أنْ يُستتبع ذلك بإظهار ضمير الشَّأن وهو الهاء لتصير (أنَّهُ) وكذلك بدون أنْ يُستتبع ذلك بخبر لِـ (أنَّ) بعد عبارة (لا إله إلَّا الله) يجعل الكلام مبتورًا ناقص المعنى كما لا يخفى.

قال شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.

ومثال زيادة خبر لعبارة (لا إلهَ إلَّا الله) بعد (أنَّ) مُشدَّدة فهو أنْ يُقال: <أشهد أنَّ لا إلهَ إلَّا الله كلمةُ حقٍّ> ونحوها؛ إذ إنَّ الكافر يقول فيها إنَّها ليست كذلك؛ فتعيَّن وُجوب استكمال المعنى -مع (أنَّ) المُشدَّدة في حال إسقاط ضمير الشَّأن- بخَبرٍ يُفيد معرفة حال الشَّاهد وشهادته، وبهذا يُظهر الفَرق الكبير بين استعمال (أنْ) مُخفَّفة وبين استعمالها مُشدَّدة.

والخُلاصة في كُلِّ ما سبق أنَّه لا يستقيم أبدًا قول (أنَّ) مُشدَّدة في الشَّهادة الأُولى إلَّا بإلحاق ضمير الشَّأن -الهاء- بها أو بزيادة خبر للجُملة؛ أمَّا قول (أنَّ) مُشدَّدة مع حذف الهاء أو إسقاطها -في اللَّفظ- ثُمَّ ترك الجُملة بلا خبر فهذا ممَّا لا يستقيم أبدًا؛ ومَن خالف مُتوهِّمًا أنَّ النَّحو معه فقد أبعد الرَّمية وأدخل نفسه فيما لا يُحمد؛ والعياذ بالله تعالى.

هذا وقد أدَّت قسوة القلوب ببعض أهل الفتنة إلى أنْ تجرَّأ والعياذ بالله على مُخالفة ذلك مُستدلًّا بحكاية مِن كتاب في النَّوادر واسمه [جمع الجواهر في المُلَح والنَّوادر] للقيروانيِّ لم يضعه مُصنِّفه لهذه المسائل فلا تُؤخذ منه أحكام الشَّرع الشَّريف فضلًا أنَّ الجاهل المُتفيهق لم يُدرك أنَّ ما قرأه في الصُّحُف مِن الأخبار السَّقيمة جاء تصحيفًا للحكاية وليست على أصلها.

فأمَّا ما استحبَّه سيبويه فهو قول <أشهد (أنْ) لا (إلهَ) إلَّا الله> على قول <أشهد (أنْ) لا (إلهٌ) إلَّا الله>؛ وأنتَ تُلاحظ الهاء -في لفظ إله- في الجُملة الأُولى فوقها (فتحة) وفي الثَّانية (ضمَّتان) وهذا هو الفَرق في اللَّفظ بين الجُملتين وليس كما توهَّم الجاهل أنَّ الفرق بينهما تشديد (أنْ) في أحد الوجهَين. وما أوقعه في مثل هذا إلَّا هجومه على الكلام بغير علم!

وقد ضبطها بعضهم على الشَّكل التَّالي: (قال: السَّلام عليك يا أبت، قُل: <أشهد أنْ لا إله إلَّا (اللهُ)> وإنْ شئتَ قل: <أشهد أنْ لا إله إلَّا (اللهَ)>؛ فقد قال الفَرَّاء: كلاهما جائز، والأُولَى أحبُّ إلى سيبويه) انتهى فانظر أخي القارئ إلى الفَرق بين الجُملتين في شكل لفظ الجلالة وليس في تشديد (أنْ). فكيف أخذ بنصٍّ طرأ عليه التَّصحيف ولم يفطن لذلك!

وروى ابن الجوزيِّ نحو ذلك في [أخبار الحمقى والمُغفَّلِين] فقال ما نصُّه: <وعن أبي العَيناء عن العطويِّ الشَّاعر أنَّه دخل إلى رجل عندنا بالبصرة وهو يجود بنفسه فقال له يا فُلان قل (لا إلهَ إلَّا اللهُ) وإنْ شئتَ فقل (لا إلهَ إلَّا اللهَ) والأُولى أحبُّ إلى سيبويه ثُمَّ أتبع أبو العَيناء ذاك بأنْ قال سمعتم ابن الفاعلة يعرض أقوال النَّحويِّين على رجل يموت> انتهى.

وحكى ابن الجوزي في [أخبار الحمقى والمُغفَّلِين] قصَّة فيها: (قال: حُدِّثنا أنَّ أعرابيًّا سمع مُؤذِّنًا كان يقول أشهد أنَّ مُحمَّدًا -رسولَ- الله بالنَّصب فقال ويحَك فعل ماذا؟) انتهى فالأعرابيُّ علم أنَّ الكلام ناقص فسأل: فعل ماذا؟ يقصد أنْ يطالبه باستكمال الكلام وهذا دليل على أنَّ الكلام ناقص. فلماذَا أخذ الجاهل بتلك وترك هذه وكلاهُما في كتاب إخوانه الحمقى!

على أنَّ نقص الثَّانية ليس كنقص الأُولى لأنَّه لو قال <أشهد أنَّ مُحمَّدًا> ونصبَ كلمة <رسول> في قوله <رسول الله> فقد أقرَّ برسالة سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بينما لو قال أشهد أنَّ (لا إلهَ إلَّا الله) وسكت لم يتضمن المعنى الإقرار بها. فيا لفضيحة الجاهل يأخذ الدِّين مِن حكايات الحمقى بل ومِن حكاية صُحِّفَتْ كلماتها فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.

فما مِثال هذا الجاهل مِن أهل الفتنة -واسمه في المُداخلات بإذن الله- إلَّا كمَن جنى على نفسه بنفسه حين تصدَّر لتبليغ الدَّعوة وادِّعاء الفقه والفهم وفي الحقيقة فإنَّه لا يملك مِن كُلِّ ذلك سوى أنْ يدَّعيَه مُستعينًا بدُخول [المكتبة الشَّاملة] دون أنْ ينتبه المغرور أنَّه يأخذ مِن حيث لا يجوز أنْ يأخذ ويتلقَّف مِن حيث لا ينبغي أنْ يتلقَّف؛ والعياذ بالله مِن الجهل.

نهاية المقال.

‏١١‏/٠٩‏/٢٠١٩ ١٠:٤٠ م‏

أضف تعليق