بيان حديث: “لا تسبّوا أصحابي” وما أشكل على بعضهم
فإن قيل: كيف يجوز تسمية جيش معاوية بغاة أو كيف يقال إنهم عَصَوْا وفيهم صحابة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تسبّوا أصحابي”، وقال أيضًا: “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا”.
فالجواب: أن حديث: “لا تسبّوا أصحابي لا تسبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه”، هو في طائفة خاصة من الصحابة لأن المخاطبين صحابة والمتكلّم عنهم صحابة فلما قال: “أحدكم” علم أن الذين حذّر من إيذائهم وسبّهم غير الذين كانوا معه عند ذكر الحديث، وإلا لزم اتحاد المخاطب والمتكلّم عنه، وهذا كلام ركيك لا يصدر من أفصح خلق.
ويبين ذلك سبب الحديث وهو أن خالد بن الوليد سبّ عبد الرَّحمن بن عوف، فمعنى الحديث أن خالدًا أو غيره من الذين ليس لهم تلك السابقية في الفضل بينهم وبين من كان من أهلها كعبد الرَّحمن بن عوف هذا الفرق العظيم وهو أن مُدَّ أحد هؤلاء أفضل عند الله من أن يتصدّق الآخرون بمثل جبل أُحد ذهبًا. ومَن ظن أن هذا لعموم الصحابة فقد جهل الحقيقة وخبط خبط عشواء. روى الحديث ابن حبّان في صحيحه وغيره.
فيعلم من هذا أنه لم يكن مراد النبي بقوله: “أصحابي” جميع أصحابه لأنه كان يخاطب بعضًا منهم وإنما مراده مَن كان مثل عبد الرَّحمن بن عوف وعليّ بن أبي طالب من السابقين الأوّلين من المهاجرين والسابقين الأوّلين من الأنصار وهؤلاء لا يدخل فيهم خالد بن الوليد الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم: “سيف الله المسلول” ولا معاوية بن أبي سفيان.
ثم إنّ الذي لم يطبّق هذا الحديث هو معاوية فقد ثبت وصحّ عنه أنه كان يأمر بسبّ عليّ، روى مسلم في صحيحه ما نصّه: “عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ما ذكرت ثلاثًا قالهنّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلَّفَهُ في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبوّة بعدي”. وسمعته يقول يوم خيبر: “لأعطينّ الراية رجلًا يحبّ الله ورسولَهُ ويحبّه الله ورسولُهُ”، قال: فتطاولنا لها فقال: “ادعوا لي عليًّا” فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: [سورة ءال عمران] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: “اللّهمّ هؤلاء أهلي” ا.هه، ورواه أيضًا النسائي.
فالذي يسبّ عليًّا ويبغضه ولا يحبّه يكون مرتكبًا كبيرة وأية كبيرة فقد روى النسائي والحاكم حديث: “مَنْ سبّ عليًّا فقد سبّني”، وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الحلية وأحمد والخطيب البغدادي وءاخرون أن عليًّا رضي الله عنه قال: “والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأميّ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق” ا.هه. وعن أم سلمة رفعته: “لا يحب عليًّا منافق ولا يبغضه مؤمن”.
وكذلك كان الحال في عهد خلفاء بني أمية بعد معاوية من الأمر بسبّ عليّ إذا استثني التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز، فإنه هو الذي منع سبّ سيدنا عليّ بعد أن كان يُسَبّ على المنابر كذا في تاريخ الخلفاء للسيوطي وفي كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي.
وأمّا الذي يقول: إن الذين قاتلوا عليًّا بغاةٌ أو يقول في مقاتلي عليّ من أهل صفّين دعاة إلى النار أو إنهم عصوا، فلا يعدّ واقعًا في المحظور الذي ينهى عنه النبيّ بقوله: “لا تسبّوا أصحابي” فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمّى مَن قاتل عليًّا في وقعة صفّين بغاة وهو الذي قال فيهم: دُعاة إلى النار، فليعلم ذلك.
وأما حديث “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا” فهو ضعيف ومعناه: أمسكوا عمّا لا يجوز ذكرهم به، ولو لم يكن كذلك لما قال عمّار بن ياسر فيهم تلك المقالة التي رواها البيهقي وابن أبي شيبة والتي سبق ذكرها وفيها أنه قال في أهل الشام: “فسقوا أو ظلموا” يعني الذين قاتلوا عليًّا.
فإن قيل: أليس في قول عمّار بن ياسر في أهل الشام تعارض مع الحديث الذي رواه الحاكم “فلا تسبوا أهل الشام وسبّوا ظلمتهم فإنّ فيهم الأبدال”.
فالجواب: أن مراد عمّار بن ياسر ليس جميع أهل الشام بل مراده معاوية وجيشه، وهم ليس فيهم من هو بهذه الصفة، على أنَّ هذا الحديث لم يصح مرفوعًا.
فإن قيل: أليس اتفق المحدّثون على أنَّ الصحابة عدول.
فالجواب: أن المحدّثين قالوا بعدالة الصحابة في الرواية لأنّ الواحد منهم لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا على معنى أنهم كلهم أتقياء صالحون، فقد صحَّ في الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان وغيرهما أنّ الرسول قال في رجل من أهل الصُّفة لما مات فوجدوا في شمْلَته دينارين فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: “كيّتان”. وفضل أهل الصفة معروف، فهذا لإِخفائه دينارين عن الناس وإظهار الفاقة قال الرسول فيه ما قال، ومع ذلك فله فضل باعتبار أنه من أهل الصفة.
ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع أحدٌ من أصحابي في ذنب ولا يعذب أحدٌ منهم في قبره، بل جاء في الحديث الصحيح ما يدلُّ على خلاف هذا، فقد روى البخاريُّ وغيرُه أنه قال في خادم له كان موكولًا إليه ثَقَلُ النبيّ في بعض غزواته: “إنه في النار”، وكان قد غلَّ شملة أخذها من الغنيمة ثم أصابه سهم فقتله. وكان فيهم من شرب الخمر مرات عديدة ثمّ أقيم عليه الحدّ كل مرة، وكان فيهم مَن أقيم عليه حدُّ الزنى. وهذا المحدود في شرب الخمر روى حديثه البخاري، حتى لعنه بعض الصحابة من كثرة ما يؤتى به ليُقام عليه الحدَّ فقال الرسول: “لا تلعنوه”، وهناك غير هذا مما صحّ من الحديث في هذا المعنى، فكيف يقال مع كل هذا إن معنى قول بعض مَن ألّف في المصطلح “الصحابة عدول” انهم يعنون العدالة المطلقة، وهذا يؤدي إلى إبطال تلك الأحاديث الصحيحة.
وقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عبّاس: “مرَّ رسولُ الله على قبرين فقال: “إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إثم”، قال: “بلى أما أحدُهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من البول”، ثم دعا بعسيب رطب فشقّه اثنين فغرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا ثم قال: “لعلّه يخفّف عنهما”، وصاحبا هذين القبرين كانا مسلمين يعلم ذلك من بعض روايات الحديث. قال ابن حجر العسقلاني بعدما ذكر رواية البخاري لهذا الحديث ما نصُّهُ: “وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجه: “مرّ بقبرين جديدين” فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ بالبقيع: فقال: “من دفنتم اليوم هنا”؟ فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه مَن هو منهم، ويقوّي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح: “يعذّبان وما يعذّبان في كبير”، و: “بلى وما يعذّبان إلا في الغيبة والبول” فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عُذّبَ على ترك أحكام الإِسلام فإنه يعذّب مع ذلك على الكفر بلا خلاف” انتهى. ولو كانا كافرين لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لعلّه يخفّف عنهما”.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا فَرَطُكُم على الحوض ليُرفعنّ إليّ رجالٌ منكم حتى إذا أهويت لأناولَهُمُ اخْتُلِجُوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك”.
وقال عصريّنا الشيخ عبد الله الغماري ردًّا على مَن قال إن هذا الحديث من المتشابه الذي لا يعلم معناه ما نصّه: “ثمّ إني استغربت منك عدّ الحديث من المتشابه الذي لا يعلم معناه، مع أننا نجزم بأنه في معاوية وأصحابه ممّن حارب الإِمام الحقّ وخرج عليه وفعل الأفاعيل، ولذلك كان الشافعي يقول: لا ألوم أستاذنا مالكًا على شىء إلا على ذكره حديث الحوض في الموطأ وهذه من رهَنات الأئمة الأكابر رضي الله عنهم فإنَّ ما حدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُلام أحدٌ على روايته بل يُلام على تركه وتَضْيِيعِهِ، والمقصود أن الشافعيّ فهم أنَّ الحديث في معاوية وأصحابه لا في المرتدّين”. انتهى.
قلت: هذا الحديث صحيح وهو في المرتدين وليس في أهل صفين، أما الخوارج فإنه ينطبق عليهم.
وأما حديث “ستكون لأصحابي زلة يغفرها الله لهم” فهذا حديث غير ثابت ولا يحتجّ به للادّعاء بأن معاوية ومَن معه كانوا غير ءاثمين بقتالهم، لأنه لو كان ثابتًا ويدخل فيه معاوية لدلّ على أنه عصى لأنه حينئذ يكون قوله: “يغفرها الله لهم” دليلٌ على أنه أذنب، فالاحتجاج بهذا الحديث لمعاوية يفسد القول بأنه وجماعته مأجورون.
فإن قيل: كيف يصحُّ أن يقال في معاوية إنه بغى هو وجماعته، وقد صحّ أنه من كتبة الوحي؟ فالجواب: أن ذلك لا يقتضي أن يكون تقيًّا صالحًا، وهذا لا يقوله إلا مَن لا اطّلاع له على ما صحّ من الحديث وما قال علماء السيرة فهاك ما قال الحافظ العراقي في ألفيّته التي ألّفها في السيرة في باب ذكر كُتَّابِهِ صلى الله عليه وسلم قال:
وذكروا ثلاثة قد كتبوا
وارْتَدَّ كلٌّ منهمُ وانْقَلبوا
ابنُ أبي سَرْحٍ معَ ابنِ خَطَلِ
وءاخرٌ أُبْهِمَ لم يسمَّ لي
ولم يعُدْ منهم إلى الدين سوى
ابن أبي سَرْحٍ وباقِيهم غوى
فهذا الحافظ العراقي يصرّح في أن ثلاثة ممّن كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّوا، اثنان منهم ماتا على الكفر وواحدٌ رجع إلى الإِسلام فالذي رجع إلى الإِسلام هو ابن أبي سرح واللذان ماتا على الكفر أحدهما ابن خطل والآخر لم يسمَّ ولكن ذكر قصته أنس بن مالك روى ذلك مسلم وابن حبّان.
ففي صحيح ابن حبّان عن أنس قال: “كان رجل يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّ عن الإِسلام فلحق بالمشركين، ثم مات فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إن الأرض لن تقبله”، قال: فقال أبو طلحة: فأتيت تلك الأرض التي مات فيها وقد علمت أن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال فوجدته منبوذًا، فقلت: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفناه فلم تقبله الأرض” اهه، وذكر مثل ذلك ابن سيّد الناس في كتابه عيون الأثر باب كتّابه صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: “كان منّا رجلٌ من بني النجّار قد قرأ البقرة وءال عمران، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه قالوا: هذا كان يكتب لمحمد فأُعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذًا”. ا.هه.
فإن كان الشخص لا يكون معصومًا من الكفر لمجرد أنه كان من كَتَبَةِ الوحي، فكيف يكون معصومًا مما هو دون الكفر.
فقد ثبت أن معاوية كما سبق وذكرنا كان يأمر بسبّ عليّ، وهو أحد السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبابُ المسلم فسوق وقتاله كفر”.
وقال في حقّ عليّ: “مَن سبَّ عليًّا فقد سبّني”، الحديث رواه أحمد والحاكم وغيرهما.
والحاصل أنّ الذي يظن أن كل فرد من أفراد الصحابة تقي ولي كأنه ليس عنده خبر بأحوال مَن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس له إلمام بالحديث فلو سكت عن ذلك كان خيرًا له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [سورة الإسراء]. وليس هذا من حبّ الصحابة الذين أمرنا بحبّهم لأنه ليس معنى ذلك التسوية بينهم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا” رواه البخاري.
فائدة مهمة: قال الحافظ أحمد الغماري في كتابه “جؤنة العطار” ما نصه: “نقل الذهبي في (التاريخ) عن الإمام مالك أنه قال: “ان معاوية نتف الشيب كذا وكذا سَنَة، وكان يخرج إلى الصلاة ورداؤه يُحمَلُ، فإذا دخل مصلاه جُعل عليه وذلك من الكبر” اهه. وهذا يُكذّب ما نُقل عنه من قوله: غبار حافر فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز، وربما نقل بعضهم هذا عن ابن المبارك وكله كذب، وإذا وصف مالك معاوية بالكبر وهو يعلم الحديث الصحيح: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر” المخرج في صحيح مسلم فلا يجوز أن يقول ذلك في عمر بن عبد العزيز” انتهى كلام الغماري.
١٤/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٠ ص
