أرشيف (س) – فيسبوك. مِن 1/7/2019 إلى 30/7/2020.
سلسلة: كيف سقط أهل الفتنة [5 مقالات].
المقال 1
كيف سقط أهل الفتنة؟
المسألة الأُولى: مسألة إخوة يُوسف عليه السَّلام
الحمدلله الَّذي خلق النُّفُوس فألهمها فُجورها وتقواها؛ والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد الَّذي قال: <نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها>.
أمَّا بعدُ فهذه سلسلة جديدة مِن المقالات المُباركة نهدف مِن خلالها إلى بيان كيف سقط أهل الفتنة؛ وما منشأ ما وقعوا به مِن سُوء فهم أدَّى بهم إلى الزَّيغ عن جادَّة الحقِّ والتَّحوُّل عن طريق الهُدى والصَّواب؛ لتكون هذه المقالات حصانة لأُولي الألباب والله الهادي إلى الأسباب.
بيان مذهب أهل السنة والجماعة في -مسألة إخوة يُوسف عليه السَّلام-.
اعلم أنَّ مُفسِّري أهل السُّنَّة اختلفوا في إخوة يُوسف عليه السَّلام؛ ففسَّر بعضهم آيات القُرآن على وجه يدلُّ على وُقوعهم -سوى بنيامين- في الكُفر حيث سفَّهُوا أباهُم النَّبيَّ الكريم (يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السَّلام) ثُمَّ تبرَّأوا مِن الكُفر بالعودة إلى الإسلام وحسُنت أحوالهم.
بينما فسَّر آخرون الآيات على وجه لا يدلُّ أنَّ إخوة يوسف سفَّهوا أباهم ولا أنَّهُم وقعوا في الكُفر؛ ولكنَّهم على القولَين المذكورَين لا يصحُّ أنْ يُوصفوا بالنُّبُوَّة لأنَّهم فعلوا أفاعيل خسيسة لا يقع فيها الأنبياء أبدًا؛ أمَّا الأسباط الَّذين ذكرهم القُرآن فهُم مَن نُبِّئَ مِن ذُرِّيَّة إخوة يُوسف عليه السَّلام.
وهكذا تكون المسألة خلافيَّة لاختلاف المُفسِّرين في تفسير آيات كتاب الله؛ وهُو الأمر الَّذي لم يفطن له أهل الفتنة فأنكروا القول بتكفير إخوة يُوسف إنكارًا عظيمًا وما ساقهم إلى ذلك إلَّا قُصور أفهامهم وخُلُوِّ جُعبتهم مِن علوم أهل السُّنَّة حيث أشكل عليهم أشياء قرأوها وأُخرى سمعوا بها.
وكان المدعو يُوسف ميناوي قد بلغه أنَّ شيخنا الهرريَّ رحمه الله قال: “إنَّ المُفسِّرين ما نصُّوا على كُفر إخوة يُوسف” انتهى فلم يفهم العبارة وتوهَّم الجاهل أنَّها تعني أنَّ المُفسِّرين أجمعوا أنَّ إخوة يُوسف ما كفروا قطُّ؛ وظنَّ جهلًا أنَّ المُفسِّرين ما نقلوا ما دلَّ على كُفر إخوة يُوسف.
هذا منشأ ما وقع فيه المدعو يُوسف ميناوي في الزَّيغ والخطإ؛ فإنَّ ادِّعاءه إجماع المُفسِّرين على عدم كُفر إخوة يُوسف سببه فهمه السَّقيم لعبارة مولانا الشَّيخ أوَّلًا؛ وثانيًا لأنَّه لا يُحسن القراءة في كُتُب التَّفسير ولا يرقى إلى فهم ما سطره العُلماء فيها مِن الكلمات والمعاني والنُّصوص.
وفي [تفسير الجلالَين]: <{قال أبوهم} لِمَن حضر مِن بنيه وأولادهم {إنِّي لأجد ريح يُوسف} أوصلته إليه الصَّبا بإذنه تعالى مِن مسيرة ثلاثة أيَّام أو ثمانية أو أكثر {لولا أنْ تُفنِّدون} تُسفِّهون لصدَّقتموني> انتهى. فهذا دليل كافٍ أنَّ مِن المُفسِّرين مَن نقل ما يدُلُّ على كُفر إخوة يُوسف.
فلمَّا واجهنا المدعو يُوسف ميناوي بهذه الأدلَّة تكبَّر عن قَبول النُّصح وأصرَّ على الكذب على مَن لا يعلم فلا زال إلى اليوم يزعُم أنَّ المُفسِّرين أجمعوا في المسألة مع ما نقلناه له مِن الأدلة الكثيرة الَّتي تجدونها في [صفحة أهل السنة في فيسبوك] وفي صفحة الأخ الشَّيخ مُحمَّد الصَّبَّاغ.
المقال التَّالي -في مسألة أُخرى- قريبًا إنْ شاء الله تعالى.
المقال 2
كيف سقط أهل الفتنة؟
المسألة الثَّانية (أ)
مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر غير المُنفِّرة (أ)
منشأ الخلاف بين العُلماء في هذه المسألة
الحمدلله الَّذي خلق النُّفُوس فألهمها فُجورها وتقواها؛ والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد الَّذي قال: <نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها>.
أمَّا بعدُ فهذه سلسلة جديدة مِن المقالات المُباركة نهدف مِن خلالها إلى بيان كيف سقط أهل الفتنة؛ وما منشأ ما وقعوا به مِن سُوء فهم أدَّى بهم إلى الزَّيغ عن جادَّة الحقِّ والتَّحوُّل عن طريق الهُدى والصَّواب؛ لتكون هذه المقالات حصانة لأُولي الألباب والله الهادي إلى الأسباب.
بيان مذهب أهل السنة والجماعة في -مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر غير المُنفِّرة-.
اعلم أنَّ العُلماء اتَّفقوا على عصمة الأنبياء عن الكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها، واختلفوا في عصمتهم عن الصَّغائر غير المُنفِّرة إلى فريقَين؛ فقال الفريق الأول وهُمُ الجُمهور: المعنى المُراد هُو ظاهر ما جاء في الآيات وهذا يدُلُّ على وُقوع صغائر لا خسَّة فيها مِن الأنبياء عليهم السَّلام.
وقال بعض العُلماء إنَّ معنى الذَّنب والمعصية في الآيات ليس على ظاهر اللَّفظ فأوَّلوا تلك الظواهر فقالوا إنَّه لا تقع مِن الأنبياء معصية صغيرة ولو لم تكن مُنفِّرة لا قبل النُّبُوَّة ولا بعدها، ولم يُؤدِّ هذا الاختلاف إلى تبديع فريق منهم للآخَر ولا إلى تضليله ولا إلى تفسيقه ولا إلى تكفيره.
وهكذا تكون المسألة خلافيَّة لاختلاف العُلماء في تفسير القُرآن؛ وهُو ما لم يفطن له أهل الفتنة فادَّعَوا إجماعًا مكذوبًا لا أصل له في الشَّرع وأنكروا أنَّ كثيرًا مِن العُلماء قد حملوا الآيات في حقِّ سيِّدنا مُحمَّد على ظاهرها؛ فبدَّعوا العُلماء وضلَّلوهم وفسَّقوهم وكفَّروهم بغير حقٍّ والعياذ بالله تعالى.
وقد تسلَّل الزَّيغ إلى رأس الفتنة المدعو يُوسف ميناوي لأسباب عديدة؛ فمنها:
السَّبب الأوَّل:
- أنَّه لم يفهم منشأ الخلاف بين العُلماء في هذه المسألة.
اعلم أنَّ منشأ الخلاف بين العُلماء في تفسير الآيات المُتعلِّقة بعصمة الأنبياء عن صغائر غير مُنفِّرة مردُّه إلى اختلافهم في هذا الفرع مِن العقيدة؛ فمَن كان مِن العُلماء على اعتقاد العصمة المُطلقة وجد ذلك مُسوِّغًا لتأويل الآيات وإخراجها عن ظاهرها القائل بوُقوع تلك الصَّغائر مِن الأنبياء.
أمَّا جُمهور العُلماء فكانوا على اعتقاد جواز تلك الصَّغائر على الأنبياء فلم يجدوا مُسوِّغًا لتأويل الآيات المُتعلِّقة بعصمة الأنبياء عن صغائر غير مُنفِّرة فتركوا إخراجها عن ظاهرها وقالوا به لأنَّ إخراج النُّصوص القُرآنيَّة والحديثيَّة عن ظواهرها لغير ضرورة شرعيَّة عبث تُصان النُّصوص الشَّرعية عنه.
فالعُلماء اختلفوا في تفسير تلك الآيات فمَن وجد مُسوِّغًا قال بتأويلها ومَن لم يجد ترك تأويلها؛ والآيات منها ما يتعلَّق بغير نبيِّنا مُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام ومنها ما يتعلَّق به؛ فلم يُفرِّقوا في عصمة الأنبياء فمَن قال: (وَقَعَتْ) لم يستثنِ مَن ورد بحقِّه ذلك؛ ومَن قال: (لم تقع) لم يستثنِ كذلك.
فممَّا ورد في حقِّ سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم قوله تعالى في سورة [مُحمَّد]: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} وقوله تعالى في سورة [الفتح]: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}.
وهذا ما لم يفهمه رأس الفتنة المدعو يُوسف ميناوي إذ لم يُسعفه علمُه في فهم منشأ اختلاف العُلماء في هذه المسألة فسمح لنفسه -وهو العاميُّ- بالإنكار على جُمهور العُلماء مِن المُجتهدِين والحُفَّاظ والمُحدِّثين والفُقهاء والمُفسِّرين فبدَّع وضلَّل وفسَّق وكفَّر بغير حقٍّ والعياذ بالله تعالى.
انتهى.
المقال 3
كيف سقط أهل الفتنة؟
المسألة الثَّانية (ب)
مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر غير المُنفِّرة
(ب) جهلُهم بمذهب الأشعريِّ في عصمة الأنبياء
الحمدلله الَّذي خلق النُّفُوس فألهمها فُجورها وتقواها؛ والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد الَّذي قال: <نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها>.
أمَّا بعدُ فهذه سلسلة جديدة مِن المقالات المُباركة نهدف مِن خلالها إلى بيان كيف سقط أهل الفتنة؛ وما منشأ ما وقعوا به مِن سُوء فهم أدَّى بهم إلى الزَّيغ عن جادَّة الحقِّ والتَّحوُّل عن طريق الهُدى والصَّواب؛ لتكون هذه المقالات حصانة لأُولي الألباب والله الهادي إلى الأسباب.
بيان أنَّ المعصية الصَّغيرة غير المُنفِّرة لا تُعارض العصمة عند الأشعريِّ:
قال الأشعريُّ فِي [المُجرَّد]: <إِنَّ أَنْوَاعَ هَذِهِ الأَلْطَافِ إِذَا تَوالَتْ وَفَعَلَهَا اللهُ بِالمُكَلَّفِ وَلَمْ تَتَخَلَّلْهَا كَبِيرَةٌ قِيْلَ لِمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ إِنَّهُ مَعْصُومٌ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ كَأَحْوَالِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ..> إلى آخر كلامه؛ فعصمة الأنبياء عند الأشعريِّ لا تقتضي العصمة مِن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها.
وقال الأشعريُّ رحمه الله ورضي عنه عن النَّبيِّ مِن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه: <كَمَا لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لِأَجْلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ صَغِيرَةٌ> انتهى.
ومعنى أنَّ النَّبيَّ لا يكون داخلًا في الآية أنَّه يتُوب فورًا فيتبرَّأ منها فلا تبقى عليه فلا يدخُل في الآية حُكمًا؛ وهذا يدلُّ أنَّ الأشعريَّ يُجوِّز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء بعد النُّبُوَّة وإنْ لم يُوجد له نصٌّ صريح في [المُجرَّد] ويكفي أنَّ أكثر الأشعريَّة على هذا دلالة على مذهب إمامهم.
- رأس الفتنة المدعو يُوسف ميناوي لم يفهم مذهب الأشعريِّ في عصمة الأنبياء.
وقد سقط أهل الفتنة عندما توهَّموا أنَّ قول ابن فورك: <إِنَّ المَعْصِيَةَ وَالزَّلَّةَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ فَأَمَّا بَعْدَ إِرْسَالِهِمْ فَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ نَصًّا فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ> انتهى؛ فحكموا أنَّ الأشعريَّ لا يُجوِّز الصَّغائر غير المُنفِّرة عليهم بعد النُّبُوَّة لمُجرَّد أنَّ ابن فورك قال إنَّه لم يجد نصًّا صريحًا بذلك!
والصَّواب أنَّ عبارة ابن فورك لا تعني إنكار كون الأشعريِّ يُجوِّز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء بعد النُّبُوَّة إذ عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوُجود بل هي عبارة يدخلها الاحتمال ولذلك قال القاضي عياض: <قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ> انتهى.
– فلو فهم أهل الفتنة أنَّ الأشعريَّ لا يرى وُقوع الصَّغيرة غير المُنفِّرة مُعارضًا لعصمة الأنبياء لَمَا أخطأوا في فهم كلامه.
– ولو تأمَّلوا قوله: <لِأَجْلِ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ صَغِيرَةٌ>؛ لفهموا أنَّه يُجوِّز وُقوع صغائر غير مُنفِّرة مِن الأنبياء بعد النُّبُوَّة.
انتهى.
المقال 4
كيف سقط أهل الفتنة؟
المسألة الثَّانية: (ج)
مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر غير المُنفِّرة
(ج) تكفيرهم مَن قال: (عصى آدم عليه السَّلام)
الحمدلله الَّذي خلق النُّفُوس فألهمها فُجورها وتقواها؛ والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد الَّذي قال: <نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها>.
أمَّا بعدُ فهذه سلسلة جديدة مِن المقالات المُباركة نهدف مِن خلالها إلى بيان كيف سقط أهل الفتنة؛ وما منشأ ما وقعوا به مِن سُوء فهم أدَّى بهم إلى الزَّيغ عن جادَّة الحقِّ والتَّحوُّل عن طريق الهُدى والصَّواب؛ لتكون هذه المقالات حصانة لأُولي الألباب والله الهادي إلى الأسباب.
بيان أنَّ مُجرَّد قول: (عصى آدم) ليس كُفرًا
يعلم كُلُّ مُسلم أنَّ مُوافقة ما جاء في كتاب الله لا يكون كُفرًا لمُجرَّد قوله؛ لأنَّه مِن المعلوم ضرورةً أنَّ القُرآن لا يشتمل على الكُفر؛ والله تعالى يقول: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} بهذا نطق كتاب الله تعالى فلا يقول مُسلم مُؤمن بكتاب الله: (إنَّ مُجرَّد قول: “عصى آدم” كُفر) أبدًا.
أمَّا أهل الفتنة فقد كفَّروا مَن قال: (عصى آدم)؛ فمُجرَّد هذا القول عند أهل الفتنة كفرو العياذ بالله ممَّا يفترون على دين الله، وكيف يكون الكلام الَّذي وافق القُرآن كُفرًا! وإنْ كان مُجرَّد قول ما وافق القُرآن كُفرًا على قول مُعتبر عندكم يا زنادقة أهل الفتنة فأيَّ شيء يكون التَّصديق والإيمان!؟
3. سُوء فهم رأس الفتنة يُوسف ميناوي أوقعه في تكفير أئمَّة السَّلف والخلف
وكالعادة يقرأ رأس الفتنة وأعوانه مِن شياطين الإنس والجنِّ في كُتُب العُلماء فلا يفهمون المُراد على الوجه الصَّحيح السَّالم مِن شوائب سُوء الفَهم وسقم الفكر فيخرُجون بأحكام تُخالف القُرآن الكريم وأحكام الدِّين حتَّى صار مَن يقُول كلامًا مُوافقًا للقُرآن عندهم كافرًا على قول مُعتبر والعياذ بالله.
وقد وقع الجَهَلَة على كلام بعض العُلماء ونصُّه: <إِنَّ مَنْ قَالَ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ فِي غَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالحَدِيثِ: (إِنّهُ عَصَى أَوْ خَالَفَ) فَقَدْ كَفَرَ> انتهى فتوهَّمُوا أنَّه مُطلق في كُلِّ حال ولم يتبيَّنوا أنَّ محلَّ هذا الحُكم هُو فيمَن قاله على وجه السَّبِّ والشَّتم والطَّعن والتَّنقيص والذَّمِّ ونحو ذلك.
وذلك لأنَّ مَن قال: (عصى آدمُ) مُريدًا تنقيصَه فهذا يكفُر بلا شكٍّ لأنَّ مُجرَّد إرادة تنقيص الأنبياء أو الطَّعن بهم يكون كُفرًا بخلاف ما لو ذكر أحدٌ أنَّ (آدمَ عصى) بقصد بيان حُكم الشَّرع وتفسير القُرآن الكريم وتدبُّر معاني كتاب الله فيكون له أجر وثواب مِن الله سُبحانه وتعالى.
فلا يخفى أنَّ في المسألة تفصيل لأنَّ إضافة الذَّنب جاء بها القُرآن. ومُوافقة القُرآن لا تكون كُفرًا. فيُحمَل أنْ لو قال مُريدًا السَّبَّ؛ قال أبو الحسن العدويُّ فِي حاشيته: <وقوله: (أو أضاف.. إلخ) لا يخفى أنَّ ذلك داخل فِي السَّبِّ> انتهى. ومعناه أنَّه داخل فِي الكلام عمَّن أراد السَّبَّ لا مُطلقًا.
فالمالكيَّة لا يُكفِّرون لمُجرَّد إضافة ذنب صغير لنبيٍّ ويشهد على ذلك أقوالُهُم؛ قال الخرشيُّ فِي [حاشيته على مُختصر خليل] والزَّرقانيُّ فِي [شرحه على مُختصر خليل] والدُّسوقيُّ فِي [حاشيته على الشَّرح الكبير] كُلُّهم قالوا بنصٍّ واحد: <(أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ) كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ> انتهى.
إذًا؛ المُراد تكفير مَن أضاف لنبيٍّ مِن الأنبياء ما لا يجوز عليه إجماعًا كترك التَّبليغ؛ وليس المُراد تكفير مَن قال إنَّ نبيًّا عصى معصية صغيرة لا خسَّة فيها ولا دناءة؛ وبَين العبارتَين فرق كبير لا يفهمه أهل الفتنة ولذلك زلَّت بهم القدم عندما تنطَّعوا إلى الكلام فيما لا يفقهون.
قال الشَّيخ علِّيش: <قَالَ البُرْزُلِيُّ: فَتَمْثِيلُ النُّحَاةِ لِلَمْ وَلَمَّا بِقَوْلِهِمْ: “وَلَمَّا عَصَى آدَم رَبَّهُ وَلَمْ يَنْدَمْ” كُفِّرَ. وَكُفْرُهُ أُخْرَوِيٌّ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى نَصِّ القُرْآنِ (وَلَمْ يَنْدَمْ) وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي القَدْحِ> انتهى. فجعل علَّة التَّكفير أنَّه زاد ما يُخالف القُرآن ويقدح بنُبوَّة آدم عليه السَّلام لا لمُجرَّد قوله: “إِنّهُ عَصَى”.
والقُرآن الكريم {فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فلا يكون مُجرَّد حكاية القُرآن كُفرًا؛ فهُو كتاب الله لا يأتيه الباطل مِن بَين يدَيه ولا مِن خلفه ونحن مأمورون بتدبُّر معانيه لتثبيتها فِي الصُّدور.
هذا بعض ما أشكل على المدعو يُوسف ميناوي فأوقعه في تكفير المُسلمين بغير حقٍّ والعياذ بالله؛ فإنَّ هذا الجاهل يزعُم أنَّ مَن قال: (عصى آدم) يكون كافرًا عند المالكيَّة لمُجرَّد ذلك! والمالكيَّة بريئون ممَّا ينسب الجاهل لهم؛ فما أبعده عن الخير وكان أَوْلى به أنْ يقعُد عن التَّنطُّع.
انتهى.
المقال 5
كيف سقط أهل الفتنة؟
اتِّباع الدَّعاوي الكاذبة دُون تحقيق
(أ) افتراؤهم على أهل السُّنَّة والجماعة
الحمدلله الَّذي خلق النُّفُوس فألهمها فُجورها وتقواها؛ والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد الَّذي قال: <نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها>.
أمَّا بعدُ فهذه سلسلة جديدة مِن المقالات المُباركة نهدف مِن خلالها إلى بيان كيف سقط أهل الفتنة؛ وما منشأ ما وقعوا به مِن سُوء فهم أدَّى بهم إلى الزَّيغ عن جادَّة الحقِّ والتَّحوُّل عن طريق الهُدى والصَّواب؛ لتكون هذه المقالات حصانة لأُولي الألباب والله الهادي إلى الأسباب.
(أ) افتراؤهم على أهل السُّنَّة والجماعة
ويفتري أهل الفتنة فيزعُمون أنَّ أهل السُّنَّة يصرفون أوقاتهم يتكلَّفون وُجود معصية مِن رسول الله حتَّى ينشُروها وهذا مِن الدعاوي الكاذبة الَّتي تسبَّبت بسُقوط أهل الفتنة في زيغ قلوبهم ونُفوسهم ولم يتنبَّهوا إلى أنَّه كان ينبغي عليهم التَّنبُّه والتَّحقيق والتَّحرُّز مِن الأخذ بالدَّعاوي الكاذبة.
وقد بيَّن العُلماء أنَّ الله تعالى ذكر معاصيَ الأنبياء لحكمة فلا ييأس النَّاس مِن التَّوبة وأنَّ الله ابتلى الأنبياء ببعضها لحكمة كذلك وهي أنْ يُعرِّفَهُم موقع نعمته عليهم بصفحه عنهُم وترك عُقوبتهم في الآخرة عليها فيجِدُّوا في طاعته تعالى إشفاقًا منهَا وتركًا للاتِّكال على سعة عفو الله ورحمته.
أمَّا أهل الفتنة فلو وَقَعَت أعينُهم على شيء مِن بيان العُلماء في ذلك فإنَّهم سيخرُجون بتكفير العالِم الَّذي قال أو كتب أو صنَّف أو ذكر مثل ذلك فسقطوا مِن حيث لم يفهمُوا حكمة الباري سُبحانه وتعالى على ما بيَّنه عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة؛ وما أبعد قلوب أهل الفتنة عن فهم الحكمة.
وسقط أهل الفتنة كذلك مِن باب آخَر وهُو أنَّهم نظروا فيمَن يجمع الأدلَّة ويجتهد في بيان كون مسألة عصمة الأنبياء عن صغائر غير مُنفِّرة مسألةً خلافيَّة -وهُو خلاف شُحِنَت بذكره كُتُبُ العُلماء- فتوهَّم الجَهَلَة أنَّه تكلُّف لوُجود ذنوب للأنبياء بُغية نشرها والعياذ بالله ممَّا توهَّموا.
متى كان ردُّ تكفير المُسلمين بغير حقٍّ تكلُّفًا لذُنوب الأنبياء؟ ومتى كان ردُّ دعاوي الإجماع المكذوب تمنِّيًا للوُقوع على ذُنوبهم صلوات الله عليهم وسلامُه؟ ومتى كان حفظ الشَّرع مِن تحريف المُنحرفين إرادة لنشر معاصي الأنبياء إلَّا في أوهام أهل الفتنة الَّتي دلَّس بعضُهم على بعضهم فيها!؟
انتهى.
