حق المسلم على المسلم و المنتمي إلى الفقه والعناية بأحاديث الأحكام و من تعلم العلم ليماري به السّفهاء و أصلح قلبك

المنتمي إلى الفقه والعناية بأحاديث الأحكام

“لا بد لمن ينتمي إلى الفقه من أن يكون ذا عناية بأحاديث الأحكام وبالآثار الواردة عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومن بعدهم في هذا الشأن ليكون على بينة من أمره فيصون نفسه من محاولة إجراء القياس على ضد المنصوص ويحترز من مخالفة الإجماع في المسائل المجمع عليها لأنه لا يمكن تفريق ما يصح فيه القياس مما لا يصح هو فيه وتمييز ما يستساغ فيه الخلاف مما لا يسوغ فيه غير الاتباع المجرد إلا من أحاط خبرًا بموارد النصوص ووجوه التفقه فيها واستقرا الآثار الواردة من فقهاء السلف في الأحكام فهو الذي يقدر أن يتصون من القياس في مورد النص وهو الذي يستطيع أن يحترز من الخلاف في موطن الاجماع ولذلك تجد علماء هذه الأمة سعوا سعيًا حثيثًا في جمع أدلة الأحكام والكلام عليها متنًا وسندًا ودلالة على اختلاف أذواقهم ومشاربهم في شروط قبُل الأخبار وعلى تفاوت مداركهم في النصوص والآثار. (فتح العلام زكريا الأنصاري)

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

من تعلم العلم ليماري به السّفهاء

قال صلى الله عليه وسلم (من تعلم العلم ليماري به السّفهاء او ليجاري به العلماء أو يصرف وجوه النّاس إليه أدخله الله النار)حديث. أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك وأحمد وغيرهم. والحديث وإن كان ضعيف الإسناد فإّنه يتقوّى بما رواه الترمذيّ من حديث خالد ابن دريك عن ابن عمر مرفوعا: من تعلّم لغير الله وأراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النّار. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال الحافظ العراقيّ: إسناده جيّد. ويقويّه أيضا ما رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصحّحه على شرط الشّيخين وابن حبّان في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعا: “من تعّلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة.” قال أهل العلم في شرح هذا الحديث: المراد بالحديث من يتعلّم العلم ليشّكك صاحبه السّفيه أي قليل العقل بصحّة ما يقوله من حجّة. أو من يتعلّم العلم ليجادل العلماء أمام الناس ليظهر علمه رياء وسمعة. فهذا لا شكّ أنّه لا ثواب له في تعلّمه العلم بل هو مراء ءاثم.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

حلوة الدنيا مرة الآخرة

قال صلى الله عليه وسلم(حلوة الدنيا مرة الآخرة ومرة الدنيا حلوة الآخرة). أخرجه الحاكم وأحمد والطبرانيّ في الكبير والبيهقي في الشعب والطبرانيّ في الكبير من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا للأشعرييّن عندما حضرته الوفاة. والحديث صحّحه الحاكم وقال الهيثمي: رجال أحمد والطبرانيّ ثقات. قال أهل العلم في شرح الحديث: المؤمن الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يجب يلقى صعوبات ومعارضات شديده ولكن الأمر كما قال بعض الأكابر: تعب الأبدان في الدنيا راحة في الآخرة. وهذا مأخوذ من حديث” حلوة الدنيا مرة الآخرة ومرة الدنيا حلوة الآخرة”.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

يحنو الجماد على الولي

يروى أنه قال سيدي الروّاس رضي الله عنه، كنتُ في طريق الحجاز مع القافلة، فنزلت وضرب أهل الخيام خيامهم، والشمس قد أثرت بي، فاستأذنت صاحب خيمة قريبة مني، أن أتظلل بخيمته قليلا إلى أن تنكسر حدة الشمس، فأبى لفقري ورثّة ثيابي، فدعوت له بالتوفيق ورجعت وإذا بشجرة (غيلان) من ذلك الجانب تقول لي وأنا أسمع: ما أقلّ حظّ صاحب هذه الخيمة، بالله عليك يا ولي الله تعالى شرفني باستظلالك عندي. فشكرت الله وذهبت فجلست تحت الشجرة وقلت:

يَحنو الجمادُ على الوليّ وقلبُ من * طمستهُ أهويةُ الخيالِ جمادُ

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

قال اللُّغويُّ اﻷديب الشَّاعر أحمد بن فارس الرَّازيُّ القزوينيُّ المُتوفَّى 395 هجري رحمه الله يُخاطب طُلَّاب العلم: إذَا كانَ يُؤذيكَ حرُّ المَصيفِ * ويُبْسُ الخريفِ وبردُ الشِّتَا – ويُلهيك حُسنُ زمانِ الرَّبيعِ * فأخذُكَ للعلمِ قُل لي متَى

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

أصحمة النجاشي لم يلتق بالنبي

أصحمة النجاشي لم يلتق بالنبي ﷺ بل قرأ كتابه وآمن به وصار وليا صالحا رضي الله عنه وأرضاه، أخذ من أحكام الإسلام ما علمه الصحابة المهاجرون الذين هاجروا إلى الحبشة، ما علموه له كان يعمل به ويطبقه، أما أبو طالب فقد مكث مع النبي ﷺ خمسين سنة من عمره وكان يعلم أنه نبي وسمع تبشير الأحبار والرهبان بالنبي ﷺ وأسلم أولاده كجعفر وعلي وعقيل وأمهم فاطمة بنت أسد ولم يسلم هو.. فالمهدي من هداه الله تعالى..

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

الله الله ربي لا أشرك به شيئا

قال شيخنا رحمه الله تعالى رحمة واسعة ونفعنا به وأمدنا بأمداده: “الله الله ربي لا أشرك به شيئا”. اتخذوه وردا “للهم والغم”. مائة مرة أو أقل أو أكثر. هذه لها خصوصية. وقال: “الله الله ربي لا أشرك به شيئا”. هذه تقرأ لإزالة الهم ولعدة أشياء كتيسير الرزق. الأسرار عديدة. للخوف من الظالم مرتين تقرأ وإن زاد فلا بأس أما لغير ذلك ما له عدد عشرة أو مائة أو أكثر. حتى لو قرأها ولو لم ينفخ في وجه الظالم. وتقرأ للمريض المصاب بشدة الوجع. ويقرأها من عليه دين. اللهم يسر أمورنا واقض حوائجنا وفرج كرباتنا.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة

من كلام سيد المرسلين: قال عليه الصلاة والسلام: “إنّكُمْ لَتَغْفُلونَ عَنْ أَفْضَلِ العِبادَةِ التوَاضُعِ” حديث حسن ومعناه “عن أفضل العبادة” أي من أفضلِ العبادة وليس أفضلها على الإطلاق، التواضع يؤدي إلى كسب المعالي والدرجات العالية، والتواضع يكون للمؤمن مع الكبير والصغير مع الشريف والوضيع.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

أصلح قلبك

اعلم وفّقنا الله وإياك أنّ أشرف ما في الإنسان قلبه فإنه أمير الجوارح وإنما الجوارح أتباع له، تعمل بأمره فقد روى الشيخان من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كـلُّه وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كلُّه ألا وهي القلب»، واعلم أنّ مَثَل القلب كمثل حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن ويستولي عليه ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، وإذا عرفت مداخل الشيطان أمكنك دفعه بإذن الله. وليُعلم أن مداخل الشيطان كثيرة ومنها الحسد وهو أن يكره الشخص النعمة التي أنعم الله بها على المسلم دينيةً كانت أو دنيوية وتمنّي زوالها واستثقالها له وأن يعمل بمقتضاه كأن يقول للناس لا تعاملوه حتى لا يزيد ماله. وكذلك من أبوابه الحرص وهو شدة تعلّق النفس لاحتواء المال وجمعه على الوجه المذموم كالتوصّل به إلى الترفع على الناس والتفاخر وعدم بذله إلا في هوى النفس، فمتى كان الشخص حريصًا على شىء قد يعميه حرصه ويصمّه ومتى وجد الشيطان من الإنسان الحرص وحبّ المال حَملَه على الطلب له وإظهاره للبخل وخوفه الفقر فيمنع الحقوق اللازمة كالزكاة والنفقة الواجبة فعن خولة بنت قيس أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: <الدنيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ فمَن أخذَها بحقّها بورك له فيها، وربَّ مُتخوّض في مالِ الله ومالِ رسوله له النارُ يومَ القيامة» رواه الطبراني. فينبغي للشخص أن يسعى في إزالة شدّة حبّ المال من نفسه لأن حبّ المال كثيرًا ما يهلك صاحبه وكذلك إذا كان الشخص حسودًا فيجد الشيطان حينئذٍ الفرصة فيحسن عنده وعند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكرًا أو فاحشًا. ومن أبوابه العظيمة الغضب والشهوة فقد رُوي أن ذا القرنين لقي مَلَكًا من الملائكة فقال: «علّمني علمًا أزداد به إيمانًا ويقينًا>، قال: <لا تغضب فإنّ الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب>. ومن أبوابه حبّ التزيين في المنزل والثياب والأثاث فلا يزال يدعو إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها والتزيّن بالثياب والأثاث فيضيّع الإنسان عمره في ذلك ليُحسّن مظاهر فانية. ومن أبوابه سوء الظن بالمسلمين، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنّه، احتقره في الغالب وأطلق فيه لسانه ورأى نفسه خيرًا منه ولذلك قال بعض السلف: «من حَسُن ظنّه طاب عيشه»، وإنّ مَن أحسنَ ظنه أراحَ قلبه من كثير من الآفات، أراح قلبه من الانشغال الكثير بالتفكير الذي لا خير فيه، وأراح قلبه من القلق والنكد والهم وسهّل على نفسه معاملة الناس معاملةً حسنة. وإن علاج هذه الآفات يكون بسدّ هذه المداخل بتطهير القلب من الصفات المذمومة، فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه وينظر فيها، فما رأى فيها من خير حمد الله تعالى عليه، وما وجد فيها من شرّ سعى لأن يغيّره وأن يتخلّص منه، فإن الله تبارك وتعالى قد أنعم علينا بأن سهّل لنا معرفة الأحكام الشرعية، فقد قيَّض لهذه الأمّة علماء أجلّاء بيّنوا لنا الأحكام الشرعية من القرءان والحديث وإجماع المسلمين، ومنها نتعلّم ما هي الأمراض القلبية وكيفية علاجها والتخلّص منها كالإكثار من ذكر الله تعالى كما قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ سورة الرعد، ومخالفة الشخص هواه وشيطانه بأن يجعل الآخرة نُصب عينيه ويجعل همّه الآخرة. وقد يجد الشخص صعوبةً شديدةً في تغيير أمر اعتاد عليه ووافق فيه هواه زمنًا طويلًا فلقد قال أحد الأكابر: خالفتُ نفسي أربعين عامًا حتى استقامت. ونحن في زمن غُمِرنا فيه بالنّعم والراحات منذ الصغر فلن يكون من السهل علينا تركها لكن بإمكانك أن تعمل شيئًا فشيئًا على نفسك بأن تعمل بما ذكرنا وأن تتلقّى العِلم وتنظر في سيرة النّبيّ عليه الصلاة والسلام وأعمال الصالحين فتتعلّم من أخلاقهم وسيرهم كيفية الاحتراز عن هذه الأمراض والعمل للآخرة. فلا يهون على الشيطان الاستيلاء على قلبك فيمنعك من علاج أسقامك وعمارة قلبك بالتقوى، ولا تستصغرنَّ فعل المعصية فإن فعل المعصية قد يجرّ إلى فعل غيرها، والمعصية الصغيرة قد تجرّ إلى فعل الكبيرة، ثم كثرة المعاصي قد تجرّ إلى الوقوع في الكفر، لأن المعاصي لها أثر على القلب فإنها تبعده عن الدين. وقد رُوي أن الإمام الأوزاعي بعث رجلًا يسأل نباش القبور عمن مات من أهل التوحيد ووجّهه إلى القبلة فقال: أكثرهم حُوّلَ وجهُه عن القبلة فكتب الرجل ذلك إلى الأوزاعي فكتب إليه: إنا للّه وإنا إليه راجعون ثلاث مرات، أما من حوّل وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة. فقيل لعل الإمام الأوزاعي رضي الله عنه أراد بالسنة ههنا ملّة الإسلام والمعنى والله أعلم أن الإصرار على المعاصي يجرّ كثيرًا من العصاة إلى الموت على الكفر. ندعو الله كما دعا رسول الله ﷺ قائلًا: «اللّهمَّ يا مُقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» رواه الحاكم، والحمد للّه ربّ العالمين.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

حق المسلم على المسلم

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ له، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتّبعهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أخرجه البخاريّ ومسلم والترمذي وقال: حديث صحيح والنسائي في الكبرى والصغرى وابن ماجه في سننه وابن حبّان في صحيحه وغيرهم من حديث أبي هريرة واللّفظ لمسلم. قال أهل العلم في شرح الحديث: هذا الحديث علّمنا رسولُ الهدى صلى الله عليه وسلم حقوقًا مهمة من حقوق المسلم على أخيه المسلم، أولها بَيَّنَها عليه الصلاة والسلام بقوله: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فمن حق أخيك المسلم عليك أن تبدأه بالسلام عند لقائه بقولك” السلام عليكم ” أي يُندب ذلك لا أنه يجبُ ثم إن شئتَ زدتَ ” ورحمةُ الله وبركاته ” ومعنى السلامُ عليكم أنتم في حفظِ الله أو السلامةُ والأمان ملازمان لكم وهو دعاءٌ من المؤمن لأخيه المؤمن يوقِظُ في كل منهما معنى استشعار عظمةِ الله الذي شرع لهما هذه التحيةَ وَيَتَنَمَّى به في نفوسهم ءاياتُ المحبةِ والتعاون، واسمعوا معي أَحبتي ما رواه مسلمٌ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال ” وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا(أي لا يكمُل إيمانُكم حتى تحابُّوا) ثم قال: أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ“. أيها الأحبة أَمَرَنا الحبيبُ أن نقرأ السلامَ على من عَرفْنَا ومن لم نعرف وهذا الأمرُ أمرُ نَدْبٍ، وابتداءُ السلامِ سُنّةٌ فأمَّا الردُّ عليه فإنْ صدرَ مِن مُسلِمٍ مُكلفٍ على مسلمٍ معيَّنٍ فهو فرضُ عينٍ أي واجبٌ على هذا المعيَّنِ وأمَّا إنْ صَدَرَ منه على جماعةٍ مكلفينَ فهو فرضُ كفايةٍ فإنْ ردَّ واحدٌ منهم حصلَ الواجب، وهذا مــعَ اتحاد الجنس أما إذا اختلفَ الجنسُ بأن سلمت شابةٌ على أجنبي لم يجبِ الردُّ فيبقى الجواز إن لم تخش فتنة وكذلك العكس. ثم للسلام ءادابٌ منها أن يسلم الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير، وكما شُرِعَ السلامُ عند اللقاءِ شُرع عندَ الفراق. وأما الحقُّ الثاني من حقوقِ المسلم على المسلم يا إخوةَ الإيمان فهو تلبيةُ دعوتِه إذا دعاك إلى وليمتِه وهو ما أشارَ إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: ” وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ” والوليمةُ تقع على كلِ دعوةٍ تُتخذ لسرورٍ حادث كنكاح أو ختانٍ أو غيرِها، والمؤمنُ يحبُ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ولا شكّ أن إجابةَ هذه الدعوةِ مما يبرهِنُ على هذا الحبِ ويُنميه، والأصلُ فيها قولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم” إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُم إِلى وَلِيْمَةٍ فَلْيَأْتِهًا “رواه البخاري. قال العلماءُ: ” إذا كانتِ الوليمةُ وليمةَ عرسٍ فالإجابةُ واجبة” فلا يَنبغي التخلُّفُ عنها بدونِ عذر، وأما الأكلُ منها فيُستحبُّ ولكنّه ليس واجبًا. وقد نص الفقهاءُ على أمورٍ وجعلوها أعذارًا شرعيةً تبيحُ للمسلم عدمَ الإجابة، منها أن يكونَ هناك منكرٌ من خمرٍ أو فسقٍ ومجونٍ كما هو شائعٌ في عصرنا، نسأل الله اللُّطفَ والعافية. أما إذا كانتِ الوليمةُ لغيرِ العرسِ فلا يجبُ الحضور، لكنْ إن كان في ذلك إدخالُ السرور على قلبِ أخيه المؤمن ففيه ثواب. وأما خصلةُ الخير الثالثة التي ذكرها الحبيبُ صلى الله عليه وسلم في الحديث وهي الحق الثالث من حقوق المسلم على المسلم فهو قوله عليه السلام” وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ“. والاستنصاحُ طلبُ النصيحة، والنصيحةُ حيازةُ الخير للمَنصوح له وقد قال عليه الصلاة والسلام” الدّينُ النَّصِيحَةُ اهـ. ونصيحةُ المسلم إرشادُه إلى مصالحه في أمر ءاخرته ودنياه وتوجيهُه إلى الخير وهي مع وجازة لفظها كلمةٌ جامعة لكل معاني الخير والفَضيلة، وتكون واجبةً إذا كانتْ متعلقةً بفعلِ الواجبات وتركِ المحرمات فتكون من باب الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب، ومندوبةً إذا كانت متعلقةً بفعل المندوبات وترك المكروهات. ويتأكد هذا الحقُّ ويلزمُ إذا طلبَه المسلمُ من أخيه المسلم، لكن ليس كلُّ رجل يصلُح ليُستَنْصحَ أو يُستشارَ إنما الذي يُستعان برأيه هو العاقلُ المجرّب صاحبُ الدّين والتقوى لأنَّ الدينَ عماد كلِ صلاح. أما الحق الرابعُ من حقِ المسلم على المسلم فهو الواردُ في قولِه صلى الله عليه وسلم” وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتْهُ” والتشميتُ الدعاءُ له بالخير والبركة. قال عليه الصلاة والسلام” إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْد لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوْهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّه، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللهُ فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالكُمْ“اهـ وإذا لم يقلِ العاطسُ الحمدُ لله فلا يُشمَّت لما ثبتَ في الصحيح أن رجلين عطسَا عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمّتَ أحدَهما ولم يُشمّتِ الآخر، فقال الرجلُ يا رسولَ الله، شمَّتَّ هذا ولم تُشَمِّتْني، قال: إنَّ هذا حَمِدَ اللهَ ولم تَحْمَدِ اللهَ” اهـ والحقُّ الخامس من حقوق المسلم على المسلم عيادتُه إذا مرض، وهو ما أشارَ إليه الحبيبُ عليه الصلاة والسلامُ بقوله” إِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ” والأصلُ فيه توثيقُ عُرَى المحبةِ بين المسلمين، ويتأكدُ طلبُها بين ذوي القربى، وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعودُ من مرضَ من أصحابِه ويقولُ للمريض: كيف تَجِدُك؟ ويدعو اللهَ له ولا يطيلُ الجلوسَ عنده. فينبغي مراعاةُ هذه الأمورِ عند الزيارة وغيرِها من ءادابِ الزيارة كأن يتحدثَ إلى المريضِ بما يشرحُ صدرَه، وإذا سأله عن مرضه فليهَوِّنْ عليه أمرَ المرض وأنه قريبُ الزوال وأن الشفاءَ منه غالبٌ أو عامٌّ إن كان الأمرُ كذلك، وليجتنبْ كثرةَ الكلام وتهويلَ أمرِ المرض، وينبغي أن يَطلب الزائرُ من المريض الدعاءَ لهُ وحَسْبُ الزائرِ من الثوابِ أنَّ الملائكةَ تستغفرُ له، وأنه في رحمة الله حتى يرجِعَ كما ورد في الصحيح. أما الحقُّ السادسُ الذي ذكره النبيُّ العظيمُ صلى الله عليه وسلم فهو اتّباع جنازةِ المسلم إذا مات، فقال الصادقُ المصدوقُ: وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ. والمشيّعُ للجنازةِ له من الأجرِ مثلُ جبلِ أحد، فقد روى البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ (مِنْ الْأَجْرِ) بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جبلِ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ” اهـ. ومعلومٌ أن تشييعَ الجنازةِ فرضُ كفايةٍ متى قام به بعضُ المسلمين سقطَ عن الباقين. ويُسنُّ للرجالِ اتّباعُ الجنائزِ، ولا يُسنُّ ذلك للنساء، ويمشي ساكتًا مشغولًا بذكرِ الله مُطرِقًا مُفكرًا في رهبة الموتِ ومصيرِه فإن المقامَ مقامُ عِظَةٍ واعتبارٍ وأنَّ هذه هي عاقبةُ أهلِ الدنيا ومصيرُهم فلا يَغتَرَّ بها (أي الدنيا) ولا يَرْكَنْ إليها، ولا بأسَ بقول المشيّعين” لا إله إلا الله” ولا عبرةَ بقولِ نفاةِ التوسل الذين يحرمون قولَ لا إله إلا الله عندَ اتّباع الجنائز. فعسى أنْ نتدبرَ جميعًا هذه الحقوق التي علمنا إياها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى نعودَ فنشعر بأننا جسدٌ واحدٌ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الأعضاء بالسَّهر والحمّى.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي

قال أيّوبُ بنُ المتوكل: “كان الخليلُ الفراهيدي إذا أفاد إنسانًا شيئًا، لم يُره بأنّه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئا، أراه بأنّه استفاد منه”.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

أوصاني أبي

رُوِيَ عن أبي جعفر محمد بن علي زين العابدين أنه قال: أوصاني أبي فقال: لا تَصْحَبن خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، قلت: فداك يا أبت من هؤلاء الخمسة قال: لا تصحبنّ فاسقًا فإنه يبيعك بأكلة فما دونها. قلت: يا أبتِ وما دونها قال: يطمع فيها ثم لا ينالها. قلت: يا أبت ومن الثاني قال: لا تصحبن البخيل فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه. قلت: يا أبتِ ومن الثالث قال: لا تصحبن كذابًا، فإنه بمنزلة السراب، يُبعد منك القريب ويقرّب منك البعيد. قلت: يا أبت ومن الرابع قال: لا تصحبن أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، قلت: يا أبت ومن الخامس. قال: لا تصحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله في ثلاثة مواضع.

‏٢٣‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٦: ٢٠ ص‏

أضف تعليق