حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 37

حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 37

جواب شبهة في كلام بعض المالكيَّة

هذا وقد توهَّم البعض -أصلحهم الله- أنَّ المالكيَّة يقولون إنَّ المُماكسة شيء مُستحَبٌّ أو مندوب أو سُنَّة؛ وقد توهَّموا ذلك مِن نُقول نقلوها عن بعض أعلام المذهب المالكيِّ لم يفهموا محلَّ الكلام عليها فأدَّاهم ذلك إلى عدم فهم خُلاصتها. وحِرصًا منَّا على الإنصاف وإصابة الحقِّ ننقل بعض النُّصوص ونقف على بيان ما جاء فيها:

بيان محلِّ كلام ابن رُشد الجدِّ في المُماكسة

وأنَّه في تفضيلها على الاسترسال لا في استحسانها مُطلقًا

قال أبو الوليد القُرطبيُّ -وهو ابنُ رُشد الجَدُّ- في [المُقدِّمات المُمهِّدات]: <فصل وأمَّا بيع الاستئمانة والاسترسال، فهو أنْ يقول الرَّجُل: اشترِ منِّي سِلعتي كما تشتري مِن النَّاس، فإنِّي لا أعلم القيمة، فيشتري منه بما يُعطيه مِن الثَّمن، وقال ابن حبيب: إنَّ الاسترسال إنَّما يكون في البَيع أنْ يقول الرَّجُل للرَّجُل: بِعْ منِّي كما تبيع مِن النَّاس وأمَّا في الشِّراء فلا، ولا فرقَ بَين الشِّراء والبَيع في هذا، والله أعلم. [فصل] فالبَيع والشِّراء على هذا الوجه جائز، إلَّا أنَّ البَيع على المُكايسة أحَبُّ إلى أهل العِلم وأحسن عندهم والقيام بالغُبن في البَيع والشِّراء إذَا كان على الاسترسال والاستئمانة واجب بإجماع؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (غُبْن المُسترسل ظُلم) وبالله سُبحانه وتعالى التَّوفيق>.

فتلاحظ -أخي القارئ- أنَّ كلام ابن رُشد إنَّما هو محصور في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع يدخل بعضها ما يدخل مِن الغُبن والكذب والخِداع ممَّا يُؤدِّي لظُلم المُشتري ولذلك عبَّر أبو الوليد القرطبيُّ بقوله: <فالبَيع والشِّراء على هذا الوجه جائز، إلَّا أنَّ البَيع على المُكايسة أحَبُّ إلى أهل العِلم وأحسنُ عندهم> أي مِن البُيوع الأُخرى الَّتي ذكرها لا مُطلقًا. وأترك لك أخي القارئ أنْ تتأمَّل ما قاله الخرشيُّ والعَدوي -فيما يلي- لتلحظ صدق ما حقَّقناه:

مقال الغد: قول الخرشيِّ في أنَّ الكلام في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع

انتهى

يُتبع غدًا إنْ شاء الله –

‏١٨‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٧: ٣٧ ص‏

المُعانِد جوابه ليس كجواب غيره

كتب خالد تواتي – بتصرُّف:

بلغني بالإسناد المُتَّصل أنَّ عبدالله بن الزِّبَعْرَى وهو مِن كُفَّار قُريش -وكان جَدِلًا خَصِمًا أي يُحبُّ الجدال والمُخاصمة- قال: خَصَمْتُ مُحمَّدا ورَبِّ الكعبة -أي بزعمه: وجدتُ حُجَّة أُسكِت بها مُحمَّدا-، فجاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا مُحمَّدُ ألستَ تزعم أنَّ عيسى وعُزيرًا والملائكة عبادٌ صالحون؟ فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة وهذه النَّصارى يعبدون عيسى وهذه اليهود تعبد عُزَيْرًا، هل عيسى وعُزير والملائكة حَصَب جهنَّم؟ وكان يُريد بذلك الآية: {إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} الآية، فسكت النَّبيُّ ولم يُجبه، وسكوت النَّبيِّ إنَّما كان استصغارًا لشأنه وتعجُّبًا مِن جهله لا سكوتَ عجز عن الجواب، فابن الزِّبَعْرَى عربيٌّ فصيح ويعلم أنَّ “ما” وإنْ كانت تدلُّ على العُموم لكنَّها تأتي لمَن لا يعقل ولا علم له ولم تقل الآية “ومَن تعبدون”. ولكن حُبَّ ابن الزِّبَعْرَى الخصامَ وامتلاء قلبه بُغضًا للنَّبيِّ أغفله عن مثل هذا [1].

فالمُعاند همُّه الاستظهار عليك وإنْ كان بالباطل وليس همُّه بيان الحقِّ، وقد يخرج الحقُّ مِن فمه ومع ذلك يُنكره حتَّى لا يُذعن لك لأنَّ كلامك وافق الحقَّ. فاعلم مَن تُجادل وفيما تُجادل.

..

[1]: قال ابن عقيل في [شرحه على الألفيَّة]: <وأكثر ما تستعمل “ما” في غير العاقل؛ وقد تستعمل في العاقل ومنه قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ} وقولهم: سُبحان ما سخَّركنَّ لنا وسُبحان ما يُسبِّح الرَّعد بحمده>.

‏١٨‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٧: ٣٥ ص‏

أضف تعليق