حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 36
بيان كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع
وقد تكلَّم بعض المالكيَّة على بَيع المُماكسة والمُضايقة وكونه أحسن مِن أنواع أُخرى مِن بُيوع شاع بَين العامَّة طرقها أبوابها على سبيل الغَشِّ وظُلم المُشتري؛ فاستحسنوا الأوَّل على الثَّاني ولم يستحسنوا الأوَّل على الإطلاق بل كان الكلام في قيد محلُّه (المُفاضلة) بين المُضايقة أو المُماكسة وبين أنواع مِن البُيوع ذكرت صفتها آنفًا؛ فعلى القارئ أنْ يكون نبيهًا إذَا أراد القراءة في كُتُب العُلماء كي لا يُوقعه فهمه -القاصر عن بلوغ المعنى وإدراك المُراد- في تحريف شرع الله وهو لا يشعر؛ ونحن إنْ شاء الله تعالى نشرع في ذكر كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بين أنواع مِن البُيوع لنُبيِّن ما أشكل على البعض بإذن الواحد القهَّار.
مقال الغد: بيان محلِّ كلام ابن رُشد في المُماكسة
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٧/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٢ ص
حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه ليحذره الناس.
أخرجه البيهقي في السنن والشعب والقضاعيّ في مسند الشهاب والخطيب في تاريخه وابن عديّ في الكامل وابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده بلفظ: “حتّى متى ترعون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يحذره النّاس”.
ورواه الحكيم الترمذي في النوادر وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والحاكم في الكنى والطبراني في الأوسط وغيرهم بلفظ: ” أترعون عن ذكر الفاجر متلى يعرفه الناس اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس”
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد عن لفظ” أترعون”: رواه الطبراني في الثلاثة وإسناد الأوسط والصغير حسن رجاله موثقون واختلف في بعضهم اختلافا لا يضر، إلا أن الحافظ أحمد الغماري خالفه فقال في كتابه مسالك الدلالة: اتفقوا على ضعفه وقال في كتابه المغير عن تحسين الهيثمي للحديث: فلتة لا يقرها عليها أحد من أهل الحديث، بل حكم عليه بالوضع.
فائدة: جد بهز بن حكيم هو الصحابي معاوية بن حيدة بن قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القُشيري.
قال أهل العلم في شرح الحديث:
قال الله تعالى{كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس تأمرونَ بالمعروف وتنهونَ عن المُنكر}وروى مسلمٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعفُ الإيمان).دعانا الشرعُ الكريم إلى الأمرِ بالمعروف والنهي عن المُنكر وإلى إبطالِ الباطل وإحقاقِ الحق , وقد كثُر المفتون اليوم في الدين بفتاوى ما أنزل اللهُ بها من سلطان وزاد الانحراف إلى حدٍ بعيد لذلك كانَ من الواجب التحذيرُ من أهلِ الضلال الذين ينتسبون إلى الإسلام حتى يحذرهُم الناس كما جاء في حديثٍ رواهُ البيهقي (حتى متى ترعون عن ذكرِ الفاجر اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس), وتوحيدُ الصفِ إنما يكونُ بين المؤمنين ليس بين المؤمنين والضالين فإن هذا يوهمُ الناس بأن الباطل هو الحق.
ليس ذكرُ المنحرفين الذين يغشون الناس في أمر دينهم من الغيبةِ المحرمة بل هو من التحذير الواجبِ فقد ثبت في الحديثِ الذي رواه مسلم أن فاطمة بنت قيس قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنه خطبني معاوية وأبو جهم فقال رسول الله: أما أبو جهمٍ فلا يضع العصا عن عاتقه وأما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ لهُ انكحي أُسامة. فإذا كان الرسولُ حذر فاطمةَ من الزواج بهما لسببٍ خفيف وذكرهما في خلفهما بما يكرهانِ لهذينِ السببين: كونِ معاويةَ شديد الفقرِ لا يقوم بحاجتها بأمرِ النفقة والثاني أن أبا جهم يُكثُرُ ضربَ النِساء فكيفَ أُناسٌ ادعوا العلم وغشوا الناسَ وجعلوا الكُفرَ إسلامًا، ولهذا حذر الشافعي من حفصٍ الفرد أمام جمعٍ وقال لهُ: لقد كفرتَ باللهِ العظيم. رواهُ البيهقي في مناقب الشافعي وروى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في تاريخ دمشق أن الإمام الأوزاعي قال لِغيلان أبي مروان الدمشقي المُعتزلي بعد أن ناظرهُ أمام الخليفة هشام بنِ عبد الملك وكسرهُ لقد كفرتَ باللهِ العظيم.
وقد جرحَ الإمام مالك في بلديهِ ومعاصره محمد بن اسحاق وقال فيهِ: كذاب، وقال الإمام أحمد: الواقدي ركنُ الكذبِ
قال أبو حاتم البُستي (كتاب المجروحين): فهؤلاء أئمةُ المسلمين وأهلُ الورعِ في الدين أباحوا القدحَ في المحدثين وبينوا الضُعفاء والمتروكين وأخبروا أن السكوتَ عنهُ ليس مما يحلُ، وأن إبداءهُ أفضلُ من الاغضاءِ عنهُ وقد تقدمهم فيهِ أئمةٌ قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذِ العلمِ من أهلهِ. ا.ه
فعملًا بالنصيحةِ التي أمرَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحديثهِ: [الدينُ النصيحة] يجبُ علينا أن نحذر من الكتُب التي تحوي الضلال ومن الألفاظ الشنيعةِ التي شاعت على ألسنة الناس ومن أهلِ الضلال.
١٧/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٠ ص
أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه
أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه.
أخرجه الطبرانيّ في الكبير عن أبي وائل عن عبد الله أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال باللسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أكثر خطايا ابن آدم من لسانه”
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبرانيّ ورجاله رجال الصحيح وقال شيخه العراقي: إسناده حسن. ورواه السيوطيّ في الجامع الصغير وعزاه للبيهقي في الشعب وللطبرانيّ في الكبير ورمز لحسنه.
قال أهل العلم في شرح الحديث:
حِفظُ اللّسان مِن أهمّ الأمور، حفظُ اللّسان يُساعِدُ الإِنسانَ على حِفظِ الدِّين، يُساعِد على التّحفّظ والسّلامة مِن كثيرٍ مِن آفاتِ الدِّين لأنّ كثيرًا مِن آفاتِ الدِّين سبَبُها اللّسان. فعَلَى الإِنسان ألا يتكَلَّم بكلام حتى يَعرف ويُفكّر بعَاقِبَةِ هذَا الكلام، قَبلَ أن يقُولَه يقولُ ما نَتِيجَة هذَا الكلام إن تكَلَّمتُ بهِ، فإن علِمَ أنّ نتِيجَتَه خَيرٌ تَكلَّم به وإلا سَكَت عنه، كثيرٌ منَ البلايا تأتي مِن إطلاقِ اللّسان بغَيرِ تحَفُّظ، كثيرٌ منَ النَّاس يَنطَلِقُونَ في المزح فيَكفُرونَ.
وقد قيل قديما:
منع اللسان من الكلام لأنه كهف البلاء وجالب الآفات
فاذا نطقت فكن لربك ذاكرا لا تنسه واحمده في الحالات
١٧/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٣٤ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 35
براءة الفُقهاء مِن القول باستحباب المُماكسة
فكيف -بعد كُلِّ ما تقدَّم- يتوهَّم مُتوهِّم أنَّ أحدًا مِن فُقهاء الأُمَّة سيُطلق القول باستحباب المُماكسة أو أنَّه قد يدَّعي أنَّها سُنَّةٌ مُحمَّديَّة وخُلُقٌ نبويٌّ! نعوذ بالله مِن الزَّيغ والجهل ومِن أفعال وأقوال المُتكبِّرين عن قبول الحقِّ والأخذ به. وكان العُلماء يُطلقون اسم المُماكسة على هذا النَّوع مِن البُيوع وأحيانًا يُطلقون عليه اسم المُضايقة -وهذا مِن باب تسمية الشَّيء بما فيه- ورُبَّما أطلقوا عليه اسم المُشاحَّة مِن الشُّحِّ أي البُخل؛ فمتى كان فُقهاؤنا يُطلقون القول باستحباب مُضايقة المُؤمن لإخوانه المُؤمنين في بَيع أو شراء!؟ ومتى كانوا يُطلقون القول بمندوبيَّة ما اشتمل على البُخل!
مقال الغد: بيان كلام بعض المالكيَّة في المُفاضلة بَين أنواع مِن البُيوع
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٦/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٢٠ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 34
بيان سبب اختبار رشد الصَّبيِّ ولد التَّاجر في المُماكسة
واعلم أنَّ الرُّشْد يكون في الدِّين وفي المال ولذلك قال بعض الفُقهاء: <يُعرف رُشد الصَّبيِّ وَلَدِ التَّاجر باختباره في البَيع والشِّراء والمُماكسة فيهما> انتهى وهذا منهم ليحزروا عقله في الكسب وتحقيق المنفعة والقيام بعمل أبيه أو وليِّه لا ليحزروا فضله وتقواه ومكارم أخلاقه كما توهَّم البعض؛ ذكر الآبي في [نثر الدُّرِّ]: <أنَّ رجُلًا رأى ابنه يُماكِس في شراء سلعة ويُلِحُّ في المُماكسة فقال له: يا بُنَيَّ، كُن سَمْحًا واعلم أنَّ ما تُضيِّعه مِن كرامتك وأنت تُلِحُّ في المُماكسة لا يُعوِّضه المال> انتهى.
مقال الغد: براءة الفُقهاء مِن القول باستحباب المُماكسة
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٥/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٥٠ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 33
بيان أنَّ أهل العلم كانوا يرَون ترك المُماكسة فضيلة ومكرمة
واعلم -أخي القارئ- أنَّ فعل المُجتهد ليس حُجَّة فكيف بخبر ضعيف في كتاب لا يشترط مُصنِّفه الصِّحَّة فيما ينقل فيه مِن الرِّوايات والقَصَص والحكايات؛ بل المُعتمَد ما صحَّ عن رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام فكيف يُرى في خبر ابن واسع رحمه الله حُجَّة وفي مُقابله ما ينقضه مِن أخبار التَّابعين ممَّا قدمناه؛ فهذا مُحمَّد بن زياد -وكان مِن الطَّبقة الأُولى في التَّابعين- يقول عنه الثِّقة بقيَّة: <أَعْطَانِي مُحمَّد بن زياد دِينَارًا فَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ زَيْتًا وَلَا تُمَاكِسْ، فَإِنِّي أَدْرَكْتُ الْقَوْمَ فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمُ الْبِضَاعَةَ لَمْ يُمَاكِسْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِيهِ> انتهى من [حلية الأولياء] وغيره.
مقال الغد: بيان سبب اختبار رشد الصَّبيِّ ولد التَّاجر في المُماكسة
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٤/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٥ ص
