حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 32
دفع شُبهة في خبر يُروى عن مُحمَّد بن واسع
فلمَّا ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم النَّهيُ عن المُماكسة عَلِمنا أنَّه لا حُجَّة بعد ذلك في فِعل تابعيٍّ ولا في قوله إذَا خالف مَا جاء عن النَّبيِّ عليه السَّلام. وما جاء عن التَّابعيِّ مُحمَّد بن واسع أنَّه ماكس بقَّالًا وقال: (تركُ المِكَاسِ غُبْنٌ) فهذا -لو كان ثابتًا- يحتمل أنَّه فيمَن يقصد غُبن المُشتري وخداعه فكيف لو لم يكن ثابتًا بالمرَّة؛ وثبوته يحتاج إلى شهادة حافظ.
واعلم -أخي القارئ- إنَّ أحكام الشَّرع لا تُؤخَذ مِن أفواه القصَّاصِين فلا ينبغي على طالب الحقِّ أن يترك ما ثبت عن النَبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام ليأخذ بخبر عن تابعيٍّ لا هو علِم صحَّة الرِّواية إليه ولا هو عرف سياق ما يُنقل مِن قوله وفعله؛ بل وحيث وجدتَهم يذكرون الغُبن فاعلم أنَّ محلَّ الكلام ليس على إطلاقه وإنَّما بقيد مُعاملة المُخادعِين والظَّالمين.
وعلى مثل ما قدَّمنا له حمل الماوردي الشَّافعيُّ ما جاء عن السَّلف وأهل المُروءة في القَصَص والحكايات الَّتي لم تُنقل بأسانيد صحيحة فقال: <وهذا إنَّما يسوغ مِن أهل المُروءة في دفع ما يُخادعهم به الأدنياء ويُغابنهم به الأشحَّاء؛ وهكذا كانت حال عبدالله بن جعفر؛ فأمَّا مُماكسة الاستنزال والاستسماح؛ فكلَّا؛ لأنَّه مُنافٍ للكرم ومُباين للمُروءة> انتهى.
مقال الغد: بيان أنَّ أهل العلم كانوا يرَون ترك المُماكسة فضيلة ومكرمة
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٣/٠٧/٢٠١٩ ٨: ٤٦ ص
وما من كاتب إلا سيبلى
ذو النون المصري تلميذ الامام مالك ذهب مرة إلى مكان..
فيها البساتين فوجد شابا قائما فكلمه مرة وثانية
والشاب لا يردُّ له جوابا فلما ألحّ عليه بالكلام
خط له بيتين من الشعر في التراب
مُنع اللسان من الكلام لأنه – كهف البلاء وجالب الافات
فإذا نطقت فكن لربك ذاكرا – لا تنسه واحمده في الحالات
فلما قرأ ذو النون المصري البيتين
خط له ببيتين جوابا على بيتيه فكتب
وما من كاتب إلا سيبلى – ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء – يسرك في القيامة أن تراه
فلما قرأ الشاب البيتين صرخ صرخة وخر مغشيا عليه ميتا
فأراد ذو النون أن يغسله ويدفنه فسمع هاتفا يقول له
دعه فإن له عهدا أن تغسله الملائكة ,
فصلى ركعتين ونظر فلم يجد الشاب.
الله يرحمنا برحمته
١٣/٠٧/٢٠١٩ ٨: ٤٤ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 31
دفع شُبهة مِن المدخل لابن الحاجِّ
هذا وقد توهَّم بعضهم حُكمًا مغلوطًا لدى قراءته في [المدخل] لابن الحاجِّ المالكيِّ؛ فإنَّه قال: <فلا حرج في المُساومة بالزِّيادة والنُّقصان فلا كراهة في ذلك بل هو مشروع مُستحبٌّ لِمَا ورد في الحديث “مَاكِسُوا الْبَاعَةَ فَإِنَّ فِيهِمْ الْأَرْذَلِينَ”> انتهى وهذا الكلام لا يصحُّ هكذا على إطلاقه ولكنَّ كلام ابن الحاجِّ كان في معاملة التُّجَّار الَّذين يغُشُّون النَّاس في البَيع والشِّراء.
مِن هُنا فيُحمَل كلام ابن الحاجِّ على مُعاملة التجار الذين يغبنون الناس ويغشونهم بدليل أنه قبل سطور كان ذكر حديث النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام <مَن غشَّنا فليس مِنَّا> ثُمَّ قال: <فإن هو غش في شيء مما ذكر أو ما أشبهه فقد دخل والعياذ بالله في القسم الذي تبرأ منه صاحب الشريعة..> انتهى ثُمَّ عكف على ذِكر بعض أساليب الغَشِّ الَّذي يستعملونه.
ومتى قرأتَ حديث “ماكسوا الباعة” فاعلم أنَّه ضعيف وأنَّ محلَّه في الكلام عمَّن يُريد أنْ يغبِن ويخدع النَّاس في البَيع والشِّراء لا مُطلقًا؛ فإيَّاكم أنْ تهجموا على القراءة بدون مُعلِّم؛ ويكفي في فهم محلِّ الحديث المذكور قول الهيتميِّ: <يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ مُحَابَاةً لِلَّهِ فَهَذَا يَنْبَغِي لَهُ مُمَاكَسَتُهُمْ دُونَ مَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ لَكِنْ الْأَوْجَهُ أَنَّ قَصْدَ الْمُحَابَاةِ سُنَّةٌ مُطْلَقًا..> انتهى.
مقال الغد: دفع شُبهة في خبر يُروى عن مُحمَّد بن واسع
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٢/٠٧/٢٠١٩ ٨: ١٨ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 30
بيان أفضليَّة التَّسامح في كلام العدْوي الحمزاوي
قال الشَّيخ حسن العدْوي الحمزاويِّ: <وينبغي له أيضًا عدم الشُّحِّ وعدم المُماكسة في البَيع والشِّراء لِمَا ورد إنَّ النَّفقة في الحجِّ كالنَّفقة في الجهاد بسبعين ضِعفًا قال بعضهم اللَّهم إلَّا أنْ يخشى عدم الكفاية. قال العلَّامة خليل في مناسكه وأمَّا في غير الحجِّ فيجوز له المُماكسة مع الباعة لِمَا ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم “ماكِسوا الباعة فإنَّ فيهم الأرذلين” انتهى. قلتُ وهذا منه صلَّى الله عليه وسلَّم إرشاد وبيان للجواز فلا يُنافي أفضليَّة التَّسامح مِن كُلٍّ مِن البائع والمُشتري لصاحبه لِمَا ورد “بارك الله في رجُل إذَا باع باع سمحًا وإذَا اشترى اشترى سمحًا”> انتهى من [كنز المَطالب].
فكلام العدوي صريح في بيان أفضليَّة التَّسامح في البَيع والشِّراء حتَّى أنَّه ما رأى في إمرار المُصنِّف حديث <ماكسوا الباعة> إلَّا بيانًا وإرشادًا لجواز المُماكسة لا إلى استحبابها؛ فكأنَّه يقول لو صحَّ حديث <ماكسوا الباعة> لدلَّ على الجواز وحسب وتبقى الأفضليَّة للتَّسامح ولكنَّك -أخي القارئ- علمتَ أنَّ حديث <ماكسوا الباعة> ضعيف كما بيَّنَّا لك مِن أقوال العُلماء في المقال السَّابق، والضَّعيف لا يردُّ الصَّحيحَ الثَّابتَ روايةً ومعنًى وإنَّما خُصَّ الكلام في استحباب ترك المُماكسة فيما يتعلَّق بعبادة لأنَّه أكثر تأكيدًا كما نقلنا مِن كلام الهيتميِّ في المقال الثاني مِن هذه السِّلسلة المُباركة.
مقال الغد: دفع شُبهة مِن المدخل لابن الحاجِّ
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١١/٠٧/٢٠١٩ ٦: ٠٣ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 29
تضعيف العُلماء لحديث: ماكسوا الباعة
لا ينبغي أخي المُسلم أن يُشكِل عليك ما رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: <حاكُّوا الباعَة فإنَّه لا ذمَّةَ لهم> فقد ضعَّفه أهل الحديث فقال السَّخاويُّ: <قال شيخنا إنَّه ورد بسنَد ضعيف لكن بلفظ: ماكسوا الباعة فإنَّه لا خَلاق لهم، قال: “وورد بسند قويٍّ عن سُفيان الثَّوريِّ أنَّه قال: كان يُقال: وذكره”> [المقاصد]، وقال السُّيوطيُّ: <(حديث) “حاككوا الباعة فإنَّهم لا ذمَّة لهم” لا أصل له> [زيادة الجامع الصَّغير]، وقد يُقال: لو صحَّ سنده لوجب تأويله بحيث لا يتعارض مع حديث البُخاريِّ الصَّحيح: <رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى>.
وللبيان ألفت نظرك أخي القارئ إلى قول السَّخاويِّ: <وورد بسنَد قويٍّ عن سُفيان الثَّوريِّ أنَّه قال: كان يُقال: وذكره> انتهى، لاحظ قوله: <كان يُقال> لتعرف أنَّه مع صِحَّة السَّنَد إلى سُفيان رضي الله عنه إلَّا أنَّه لم يرفع هذا اللَّفظ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وليس فيه حُجَّة تُقاوِم أو تُعارِض ما مرَّ مِن حَثِّ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام على سماحة البَيع والشِّراء؛ بل وحتَّى على تقدير صحَّته -وليس صحيحًا- فيُحمَل على المُسترسِل الجاهل بالقيمة عند مَن يُريد أنْ يغبنه غُبْنًا فاحشًا.
مقال الغد: بيان أفضلية التسامح في كلام العدْوي الحمزاوي
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
١٠/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٥٠ ص
حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 28
ابن خلدون: المُماكسة بعيدة عن المُروءة
وقال ابن خلدون في مُقدِّمته: <التُّجار في غالب أحوالهم إنَّما يُعانون في البَيع والشِّراء ولا بدَّ فيه مِن المُماكسة ضرورة فإنِ اقتصر عليها اقتصرت به على خُلُقِها وهي أعني خُلُق المماكسة بعيدة عن المُروءة الَّتي تتخلَّق بها المُلوك والأشراف> إلى قوله: <ولذلك تجد أهل الرِّئاسة يتحامَون الاحتراف بهذه الحِرفة لأجل ما يُكسب مِن هذا الخُلُق وقد يُوجد منهم من يَسلم مِن هذا الخُلُق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلَّا أنَّه في النَّادر بين الوجود واللهُ يهدي مَن يشاء بفضله وكرمه وهو ربُّ الأوَّلِين والآخِرين> انتهى.
فانظر -أخي القارئ يرحمك الله- كيف اتَّفق كلام ابن خلدون -المالكيِّ- مع كلام الماوردي -الشَّافعيِّ- في أنَّ المُماكسة مِن خوارم المُروءة وأنَّها خُلُق يتحاشاه أهل الشَّرف لأنَّه مُنافٍ للكَرَم ومُباين للمُروءة؛ فكيف يتجرَّأ مُسلم بعد هذا البيان أنْ يُطلق القول في استحباب المُماكسة! وهُنا قد يلتبس معنى بعض النُّقول في كُتُب العُلماء على مَن يقرأون في كُتُب العِلم مِن غير تلقٍّ مُعتبَر ودون أنْ تُسعفهم أفهامهم إلى إدراك المُراد فنقف على ذلك إنْ شاء الله لقصد بيانه، فمِن ذلك:
مقال الغد: تضعيف العُلماء لحديث: ماكسوا الباعة
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله – ٠٩/٠٧/٢٠١٩ ٧: ٤٠ ص
