حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 49
الخاتمة
وبهذا تعلم -أخي القارئ- أنَّ الفُقهاء والعُلماء استحبُّوا المُسامحة في الثَّمن؛ وأنَّ المُماكسة فيها هوى نفس وتركها أفضل لمَن لا يضرُّه تركها فلا يُعطي نفسه هواها؛ بخلاف ما لو كان مُحتاجًا ليس معه ما يقوم بحاجاته الأصليَّة أو كان يشتري مِن مال مصالح المُسلمين أو كان مُوكلًا بالشِّراء لغيره. يقول شيخنا الهرريِّ رحمه الله ورضي عنه ما نصُّه: <تَرْكُ المُمَاكَسَةِ مَعْلُومٌ مِن الدِّينِ بالضَّرُورَةِ أنَّه أَحْسَنُ، الكَرِيمُ لَا يُمَاكِسُ> انتهى.
فإذَا ثبتَ لك هذا علمتَ أنَّ مَن زعم أنَّ مُماكسةَ الاستنزال -مع ما فيها مِن مُنابذةٍ ومُضايقة ومُنازعةٍ وبُخلٍ- سُنَّةٌ مُحمَّديَّةٌ أو أنَّها خُلُقٌ نبويٌّ – أو ذمَّ تركها على الإطلاق بلا تفصيل فقد أعظم الفِرية على نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم وضلَّ عن سبيل المُهتدِين بخلاف ما لو فصَّل في بيان الحُكم كما بيَّنا آنفًا. واللهَ نسألُ أنْ يكون في هذا التَّوضيح إيقاظ وتنبيه (لمَن كان له قلب أو ألقى السَّمع وهو شهيد) والحمد لله أوَّلًا وآخِرًا.
مقال بعد غد: فهرس أعلام [رسالة في بيان حُكم المُماكسة]
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
أصحاب الرسول كانوا أميين
أصحابُ رسولِ الله أغلَبُهم كانوا أُمِيّين ومع ذلكَ هُم كانوا أفهمَ مِنّا لأمورِ الدّين، ﴿إنّها لا تَعمَى الأبصارُ ولكنْ تَعمَى القلُوبُ التي في الصّدُور﴾. العِبرةُ بفَهم القَلب ليسَت العِبرةُ بكَثرة القراءة، ﴿هوَ الذي بعَثَ في الأمّيّينَ رَسولا مِنهُم يَتلُو علَيهم آياتِه ويُزكّيْهم ويُعَلّمُهُم الكتابَ والحِكمَة﴾ أغلَبُهم لأصحابِ رسولِ الله ما كانوا يَعرفون الكتابةَ ومعَ ذلكَ في أُمور الدّين أفهمُ مِنّا.
أصحابُ رسولِ الله أغلَبُهم كانوا أُمِيّين ومع ذلكَ هُم كانوا أفهمَ مِنّا لأمورِ الدّين،
﴿إنّها لا تَعمَى الأبصارُ ولكنْ تَعمَى القلُوبُ التي في الصّدُور﴾.
العِبرةُ بفَهم القَلب ليسَت العِبرةُ بكَثرة القراءة، ﴿هوَ الذي بعَثَ في الأمّيّينَ رَسولا مِنهُم يَتلُو علَيهم آياتِه ويُزكّيْهم ويُعَلّمُهُم الكتابَ والحِكمَة﴾ أغلَبُهم لأصحابِ رسولِ الله ما كانوا يَعرفون الكتابةَ ومعَ ذلكَ في أُمور الدّين أفهمُ مِنّا.
٣٠/٠٧/٢٠١٩ ٨: ١٦ ص
العطر العنبري في حديث” ما بين بيتي ومنبري”
أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة وزادا فيه “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي “والحديث أخرجه أحمد في مسنده عن أبي هريرة أيضا ومالك في الموطأ وغيرهم. وأمّا لفظ “ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة” فرواها الطبرانيّ عن ابن عمر والبزار عن سعد بن أبي وّقاص وقال الحافظ الهيثمي: رجاله ثقات ورواها أحمد في المسند ورجاله رجال الصّحيح وغيرهم. وجاء في رواية الحافظ ابن عساكر لصحيح البخاري بلفظ” ما بين قبري ومنبري” كما أفاد الحافظ في الفتح. وللحديث طرق عن أبي سعيد الخدري وأم سلمه وعبد الله بن زيد وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب وابي هريرة وهو حديث صحيح جدا.
فقَوْلُهُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ مِنْ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ مُلازَمَةِ حَلَقِ الذِّكْرِ لا سِيَّمَا في عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم فَيَكُونُ تَشْبِيهًا، أَوِ الْمَعْنى أَنَّ الْعِبَادَةَ فيها تُؤَدِّي إِلى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقيقِيَّةٌ بِأَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ في الآخِرَةِ إِلى الْجَنَّةِ.
ويؤخذ من الحديث أمران:
الأول: استحباب زيارة القبر الشريف، والصلاة في الروضة الشريفة.
الثاني: الإشارة إلى ضم القبر إلى المسجد، لأنه لا يتيسر أن يكون ما بين القبر والمنبر روضة إلا بكونهما داخل المسجد، لا خارجه، فاقتراح بعض المتزمتين كالألبانيّ في هذا العصر أن يبني جدارا يحجز الروضة الشريفة هو غفلة عمّا جاء به هذا الحديث وتنطع لا يرضا به منصف بل وصل الحد في بعضهم واسمه خالد المولد في لقاء مع الصحفيّ داود الشريان على قناة م.ب.س أن كفّر أهل السعودية لوجود القبر الشريف في المسجد وكفّر الأمة سلفا وخلفاُ. نعوذ بالله من مسخ القلوب.
وقَوْلُهُ علَيهِ السَّلامُ “وِمِنْبَري عَلَى حَوْضي” الْمُرَادُ مِنْبَرُهُ بِعَيْنِهِ الَّذي كَانَ في الدُّنْيا سَيُعادُ في الآخِرَةِ وَيُوضَعُ على الْحَوْضِ، وَحَوْضُ النَّبِيِ هُوَ مَكَانٌ يُصَبُّ فيهِ مِنْ نَهْرِ الْكَوْثَرِ مِنَ الْجَنَّةِ يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤمِنُونَ مِنْ أُمَّتِهِ عليهِ السلامُ قبلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فلا يَظْمَأُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَشْرَبُونَ تَلذُّذًا وَماءُ هَذا الحوضِ أبْيضُ مِنَ الثَّلْجِ وأحْلى منَ الْعَسَلِ، وَهَذِه صِفَةُ ماءِ نَهْرِ الْكَوْثَرِ وَالَّذي هُوَ نَهْرٌ دَاخِلَ الجَنَّةِ أعْطَاهُ اللهُ لِنَبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
ويكفي في استحباب زيارته عليه الصّلاة والسّلام قوله تعالى: < وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا>. وهذه الآية تشمل زيارته في حياته وبعد وفاته لأمرين:
الأوّل: وقوع الفعل في سياق الشرط، والقاعدة المقرّرةُ في الأصول: أن الفعلَ إذا وقعَ في سياقِ الشرطِ كانَ عامًا، لأنّ الفعل في معنى النكرة لتضمّنه مصدرًا منكّرًا.
الثّاني: أن الذي يأتيه بعد وفاته انطبق عليه المجيء الوارد في الآية وقد سبق استغفار رسول الله للمؤمنين والمؤمنات وذلك في قوله تعالى له: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} بل وهو في قبره صلّى الله عليه وسلّم يستغفر لأمته وذلك لحديث البزار: ” حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم.” وهو حديث صحيح جوّده الحافظ العراقي وصححه السيوطي في الخصائص الكبرى وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.
وَأخرج الدار قطني في سننه والبزار في مسنده أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ “مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي”، وَرَوَاهُ أَيْضًا الْحَافِظُ السُّبْكِيُّ في كتابه شفاء السقام وَقوّاه وحسّنه، وكذلك حسّنه الحافظ السيوطي في أعذب المناهل قائلا: له شواهد حسّنه لأجلها الذهبي. انتهى.
ومن الأدلّة على استحباب زيارة القبر الشريف قوله عليه الصّلاة والسلام ” من جاءني زائرا لا يهمه إلا زيارتي كان حقا عليّ أن أكون له شافعا “. قال الحافظ العراقيّ: رواه الطبراني من حديث ابن عمر وصححه ابن السّكن. انتهى. ورواه الدار قطني والخلعيّ في فوائده بلفظ: ” لم تنزعه حاجة إلا زيارتي”. وكذا صححه عبد الحق الإشبيلي في سكوته عنه.
فائدة أولى: كتاب الحافظ السبكي له اسمان أحدهما “شفاء السقام في زيارة خير الأنام” ويعرف ب”شن الغارة على من أنكر سنية الزيارة”. فهذان اسمان لكتاب واحد أردت التنبيه عليهما حتى لا يختلط الأمر ويشتبه على طلاب العلم فيظنهما كتابين مختلفين.
فائدة ثانية: السّنن الصحاح كتاب التزم فيه الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان ابن السكن الصحة في الأحاديث التي يوردها في الكتاب. وهذه الأحاديث بمجملها ممّا اتفق الحفّاظ على صحّتها كما صرّح ابن السكن قائلا في المقدّمة: فما ذكرته في كتابي هذا مجملًا فهو مما أجمعوا على صحته. انتهى. والحديث المذكور ءانفا هو من هذا القبيل فشدّ عليه يدك في الاستدلال والمناظرة.
فائدة ثالثه: عبد الحقّ الإشبيلي هو الحافظ الفقيه المعروف بابن الخرّاط، وله “الأحكام الوسطى” و”الأحكام الكبرى” والأحكام الصغرى”. وما سكت عنه عبد الحقّ في ” الاحكام الصغرى” يحكم بصحته عنده، ما لم يعقّب عليه وسكت عنه، فقد قال في المقدّمة ما نصّه: تخيرتها صحيحة الإسناد معروفة عند النقاد قد نقلها الأثبات. انتهى، وروى هذا الحديث في الصّغرى وذلك تحت باب «زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وسلم)» وعزاه إلى الدارقطني والبزار وسكت عنه، وهي إشارة منه إلى صحّته. وممن أشار إلى هذا الحافظ أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر في التلخيص الحبير- عند ذكر حديث من زار قبري وجبت له شفاعتي- قائلا ما نصّه: وطرق هذا الحديث كلها ضعيفة، لكن صححه من حديث ابن عمر أبو علي ابن السكن في إيراده إياه أثناء «السنن الصحاح» له وعبد الحق في «الأحكام» في سکوته عنه، والتقي السبكي من المتأخرين باعتبار مجموع الطرق. انتهى
وَمْعَناهُ أَنَّ مَنْ زَارَ قَبْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وكَانَ مُسْلِمًا وَمُخْلِصًا في نِيَّتِهِ للهِ تعالى فإِنَّهُ يَحْظَى في الآخِرَةِ بِشَفاعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَفَاعَةَ إِنْقاذٍ مِنَ الْعَذَابِ بِإِذْنِ اللهِ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ “لَيَهْبِطَنَّ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَلَيَأتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَلأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ”. صحّحه الحاكم ووافقه الذهبيّ، وفي لفظ ءاخر عند الطبراني في المعجم الأوسط وابن عساكر في تاريخه” وليسلكن فجّ الروحاء”. وهَذا الْحَدِيثِ وَالَّذي قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ زِيارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأنَّها قُرْبَةٌ إِلى اللهِ تعالى، والثاني دَليلٌ على نُزُولِ عِيسى مِنَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْقِيامَةِ وهَذَا النُّزُولُ مِنَ الْعَلامَاتِ الْكُبْرَى لِقِيامِ السَّاعَةِ. وَعُرِفَ مِنَ الأَحَاديثِ الصَّحِيحَةِ وَمِنْ قَوْلِ اللهِ تعالى “وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ” قالَ ابنُ عَبَّاسٍ نُزُولُ الْمَسيحِ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ. وَقَوْلُهُ “حَكَمًا مُقْسِطًا” فِيهِ أَنَّ عَيسى سَيَحْكُمُ في الأَرْضِ بِالْعَدْلِ. وَقَوْلُهُ “وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا” أَيْ طَريقًا.
وروى أبو يَعلى في مُسنَدِه قال: حدثنا أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن أبي صخر أن سعيدا المقبري أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” والذي نفسُ أبي القاسمِ بيدهِ لَيَنْزِلَنَّ عيسى بنُ مريمَ إمامًا مُقسطًا وحَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكسِرَنَّ الصليبَ ولَيَقتُلَنَّ الخِنـزيرَ ولَيُصْلِحَنَّ ذاتَ البَينِ ولَيُذْهِبَنَّ الشَحْناءَ ولَيُعْرَضَنَّ عليهِ المالُ فلا يقبَلُهُ ثم لَئِنْ قام على قبري فقال: (يـا محمدُ) لأُجِيبَنَّهُ”
قال الحافظ الهيثميّ في مجمع الزّوائد: هو في الصحيح باختصار، رواه أبو يعلى ورجالُه رجالُ الصحيح. انتهى.
وهو كما قال أحمدُ بنُ عيسى من رجال البخاري معروف بالرواية عن ابن وهب.
وابنُ وهبٍ الإمامُ الحافظُ الثقة.
وأبو صخرٍ هو حُمَيدُ بنُ زِيادٍ ثقة من رجال مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم
وسعيدٌ المَقبُري تابعي جليل وهو فوق الثقة من رجال البخاري ومسلم روى عن أبي هريرة وغيره.
فالحديث هذا صحيحٌ متصلُ الإسنادِ بروايةِ الثقاتِ وهو دليلٌ ساطعٌ على ندائه صلى الله عليه وسلم في قبره، والمنادي نبيّ رسول صلى الله عليه وسلّم. فكن على ذكر من ها الحديث أخي طالب العلم فإنّه مهم.
فائدة رابعة: فوائد الخلعيّات تعرف أيضا باسم” الفوائد المنتقاة الحسان من الصحاح والغرائب” واسم مصنّفها الحافظ علي بن الحسن الخلعي.
والله أعلم وأحكم.
٣٠/٠٧/٢٠١٩ ٨: ١٥ ص
