حُكم المُماكسة في البَيع والشِّراء – الجزء 46
دفع شُبهة في قولهم إنَّ البَيع مبنيٌّ على المُماكسة
واعلم -أخي القارئ- أنَّه لمَّا كان البَيع والشِّراء على المُماكسة طريقة غالب مَن يتعاطاهما عبَّر بعض الفُقهاء فقال: <البَيع مبنيٌّ على المُماكسة> انتهى وهذا القول ليس استحبابًا للمُماكسة منهم؛ البتَّة؛ بل حكاية عن مقاصد معظم النَّاس وليس هكذا يكون التَّشريع والقول بالاستحباب والمندوبيَّة، وإنَّما الحَسَنُ ما حسَّنه الشَّرع الشَّريف؛ وإنَّما القبيحُ ما قبَّحه الشَّرع الشَّريف.
وكم أعجب كيف فهم البعض -أصلحهم الله- مِن هذا القول استحباب المُماكسة. والجواب على ما فهموه أنْ يُقال لهم إنَّ العُلماء قالوا: <إنَّ البَيع مبنيٌّ على الشُّحِّ والمُضايقة> انتهى فهل سيدَّعون أنَّ الشُّحَّ منقبةٌ! وأنَّ مُضايقة الإخوان في البَيع والشِّراء عمل مبرور فيه الأجر والثَّواب! وأمَّا ما نقلناه عن العُلماء فإنَّنا نقتصر على النُّقول التَّالية بإذن الله تعالى:
قال علاء الدِّين البُخاريُّ -فقيه حنفيٌّ ت/730ه- في [كشف الأسرار عن أُصول البزدَوي] [94 ص114]: <مبنى البَيع على المُضايقة والمُماكسة> انتهى. وقال الزَّيلعيُّ -فقيه حنفيٌّ ت/743ه- في [تبيين الحقائق شرح كنز الدَّقائق (لأبي البركات النَّسفي ت/710ه) ومعه حاشية الشَّيخ الشَّلبي] [ج6 ص/114]: <بخلاف البَيع لأنَّه مبنيٌّ على المُضايقة والمُماكسة> انتهى. وقال الشَّريف التِّلمسانيُّ ت771ه -مِن أعلام المالكيَّة- في [مفتاح الوُصول إلى بناء الفُروع على الأُصول]: <البَيع مبنيٌّ على المُكايسة والمُشاحَّة> انتهى.
فلو كان مُجرَّد القول <إنَّ البَيع مبنيٌّ على المُماكسة> مُوهمًا مندوبيتَها؛ لأوهم القول <إنَّ البَيع مبنيٌّ على الشُّحِّ والمُضايقة> مندوبيتَهما: وهو ظاهر البُطلان، فتأمَّل يرحمك الله تعالى.
مقال الغد: لماذا هذا البيان في حُكم المُماكسة؟
انتهى
يُتبع غدًا إنْ شاء الله –
