خلاصة الخلاصة في مسألة البغاة
خلاصة ما نتكلم فيه في مسألة البغاة
لأن بعضهم يدعي علينا ما لم نقل ليخرج هو مما قاله
إن مَن قال مِن العلماء إنه اجتهد فهذا مراده في البداية قبل القتال مراده في المطالبة في دم عثمان لا في القتال هذا إن صح عنه ذلك فعلى هذا القدر نحن لا نعترض عليه أما أن يقول اجتهد اجتهادا شرعيا على قتاله أو له تأويل شرعي على القتال هذا أثبت له الأجر وإن لم يقل أن له أجرا وكيف يكون اجتهد اجتهادا شرعيا معتبرا وهو خرج على الخليفة الشرعي ثم إن من يدعي هو وجماعته التي تقف وراءه فيشنعون علينا أننا نقول عن معاوية عصى الله أو فسق لأنه صحابي فنحن لم نبدأ بالرد عليهم إلا بعد أن شنعوا علينا أننا نتهم الصحابة بالفسق والعصيان فهم من بدؤوا وهم من أثاروا الفتن والقلاقل ليس نحن كما يدعون فنحن بعد شهر تقريبا من تكلمهم في المسألة وقولهم أننا نطعن في الصحابة وآل البيت بدأنا بالرد عليهم فأخبروني من أشعل الفتن وأجج العداوة.
نحن لم نتكلم إلا بما قاله الشيخ رحمه الله ونقلناه عن جمهور أهل السنة والجماعة ونقلنا لهم الإجماع من أكثر من موضع على أن معاوية ومن معه عصاة وليس هذا من الطعن في الصحابة كما يدعوا وإنما في بيان الحكم الشرعي كما نقله كثير من العلماء وفي بيان رد التهمة عنا وعن من ادعى علينا أننا نطعن في الصحابة ويروج لذلك.
الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله ذكر ذلك في عدة مواضع من كتبه أن معاوية ومن معه عصوا وأن هذا كلام العلماء بل ألف كتابا خاصا في ذلك سماه (كتاب الدليل الشرعي على إثبات عصيان من قاتلهم علي من صحابي أو تابعي تأليف الشيخ عبد الله الهرري) العنوان وحده كاف في إثبات معصية من قاتل سيدنا علي رضي الله عنه هل كان غرض الشيخ رحمه الله من هذا الكتاب بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة أم الطعن في الصحابة؟ وهل كل من ذكر معصية حصلت مع صحابي يكون طعن في الصحابة؟ بل هو معلوم عند كل من له أدنى اطلاع أن بعض الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد عصوا وقد أقيم عليهم الحدود فمنهم من زنا ومنهم من سرق ومنهم من شرب الخمر فهذا لا يخرجهم عن كونهم صحابة ولا يخرجهم عن كونهم عدول رواية وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة وذكرهم العلماء بالاسم فيها فهل هذا طعن في الصحابة؟ وهل العلماء الذين تناولوا ذكر هذه الأحاديث وشرحوها أرادوا الطعن في الصحابة؟ هذا لا يقوله عاقل وإنما مراد العدالة التي يذكرها العلماء في الصحابة جملة هو أنهم لا يكذبون على رسول الله حتى معاوية نفسه لم يُكذِّب حديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) لأنه صحابي والصحابة عدول رواية لا يكذبون على رسول الله فهذا هو المراد.
فأين الطعن في الصحابة كما يقولون؟ فلماذا المكابرة ومن أثار الفتن والقلائل في الدخول في هذه المسألة نحن أم هم أخبروني؟ هم يريدون تشويه صورة شيخنا رحمه الله ومن معه هذا غرضهم لا غير وهم من شنع علينا واتهمنا زورا وباطلا أننا نطعن في الصحابة وآل البيت.
شيخنا يُضلِّل مَن طعن بكُلِّ الصَّحابة لأنَّهم هم نقلوا لنا الدِّين.
فعندما نتناول الصَّحابة رضوان الله عليهم بكلامنا مِن حيث الجملة نعظِّمهم ولا يجوز الطَّعن بهم إطلاقًا.
أمَّا عندما نذكر أفرادا من الصَّحابة ننتبه إلى أنَّ منهم السَّابقون ومنهم غيرهم فالسَّابقون أعلى مِن غيرهم.
ليس معنى كون الواحد صحابيًّا أنَّه يصير معصومًا لا يقع في ذنب.
فلماذَا نقول عن مُعاوية إنَّه باغٍ؟ نفعل ذلك لبيان حُكم الشَّرع حُكم القُرآن حُكم الدِّين حُكم الإسلام في تحريم الخروج على الخليفة الرَّاشد الَّذي صحَّت إمامته ووجبت طاعته.
وهُنا في قضيَّة مُعاوية؛ نحن لا نقول عنه (هو باغ) لأنَّنا نهوى مُجرَّد سبِّه وشتمه وإنَّما هذه العبارة مع كونها شتمًا وطعنًا وذمًّا تُقال ويجوز أنْ تُقال وقالها العُلماء كثيرًا كما لا يخفى عليك. لكن لماذَا نقولها؟ هل للتَّشفِّي مِن شخص مُعاوية؟ لا. هل نحن نقول بكفر معاوية؟ لا. هل نقول بأنه لا بد معذب في النار؟ لا. إنَّما نقول كما قال الأشعريُّ: (مُجوَّز غُفران ذنبه)
وقد يُشكل عليك يا أخي الكريم
أنه في بعض الكتب مذكور عبارة (اجتهد وأخطأ وله أجر). فمتى ما رأيتَ كلمة (اجتهد مُعاوية وله أجر) فاعلم أنَّ العالِم أو الفقيه لا يتكلَّم عن قتال مُعاوية لعليٍّ؛ ولا عن خروجه عليه، وإنَّما عن القدر الَّذي يقف عند مُطالبته بدم عُثمان وحسب. وأحيانًا قد يكون دسًّا في كتاب والنَّاس ليس بين أيديهم شيء ثابت مِن ذلك عن أئمَّة الإسلام. مُجرَّد وجود جملة ما في كتاب لا يعني ثُبوت الجملة على مُصنِّف الكتاب أبدًا.
كيف تثبت؟ في أحوال منها السَّند المُتَّصل ومنها أنْ يُقارن خطُّه مع ضمان عدم السَّقْط والتَّصحيف.
هل تعلم يا أخي أنَّ بعض كتب الإمام الأشعريِّ نفسه وقع فيها الدَّسُّ؟ دسَّ فيها المُشبِّهة أشياء تُناقض التَّنزيه مما لا يقبله أشعريٌّ في إمامه.
وإنْ ثَبَت عن الأشعري هذا القَول فمُرادُه أنّه رأَى رَأيًا بعَثَه على حَربِ عَلِيّ. فلَيس مُرادُه أنّه اجتَهَد اجتِهادًا مُعتَبرًا كاجتِهادِ المجتَهِدينَ بدَليل أنّ أبَا الحسَن الأشعَريّ قالَ إنّ حَربَ مُعَاويَةَ لعَليّ مُنكَرٌ وبَاطِلٌ وبَغْيٌ.
فلَو كانَ الأشعَريّ يَرى أنّ مُعَاويَةَ اجتهَدَ اجتِهَادًا مُعتَبرًا يُعذَرُ فَاعِلُه إذا أخطَأ، لم يقُل إنّ حَربَه مُنكَر وبَاطِلٌ وبَغْيٌ وهَذا لا يَخفَى على مُنصِف إلا على مَكَابِر لا يَرَى الحقّ حَقًا بل يرَى الأمر على العَكس. فإذَا ثَبَت بحَديث الرّسول أنّ مُعَاويةَ وجمَاعَته بُغَاة فكَيف يُسَمَّى البَغيُ اجتِهَادًا!؟
فهل يقول عالم إن المجتهد اجتهادا شرعيا يكون آثما؟ هل يقول طالب علم إن الشافعي إذا اجتهد اجتهادا شرعيا يقع في معصية أم يقال لو أصاب له أجران ولو أخطأ له أجر!؟
وبعبارة أخرى، فما ورد في كلام الأشعري يُحمل على أحد وجهين ولا يصح الثالث، لما سنبيّنه
الوجه الأول: أن يكون الأشعري أراد مطالبتهم بدم عثمان قبل أن تتم البيعة لعليّ، بينما عليّ أراد أن تتم البيعة أوّلا. فإن صح أن الأشعري أراد الاجتهاد فيُحتمل أنه اراد هذا.
الوجه الثاني: أن يكون الأشعريّ أراد الاجتهاد الذي هو نوع من الرأي.
ومن الباطل، أن يزعم قوم أنه أراد الاجتهاد الشرعي. وهذا مردود لأنّ الأشعري حينما ذكر اجتهاد معاوية على الخصوص سماه منكرا وبغيا يعني حراما يعني إثما.
وأنا أقول لك:
1. التَّأسِّي بقول نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام في وصف البُغاة والقول بما يقوله القُرآن الكريم فيمن يخرج على وليِّ الأمر مِن الدِّين.
2. الفسق بمعنى الكُفر لا نُطلقه على مُعاوية. (في بعض النُّصوص الشَّرعيَّة الفاسق تعني الكافر). ولا نقول أنه فسق فسقا يخرجه عن عدالة الرواية كما ذكرنا.
3. من قال من العلماء أنه اجتهد فهذا محمول على ما ذكرنا ونحن لا نكفره على ذلك كما يدعي الخصم.
4. ما يقوله بعضهم من أن معاوية له أجر على قتله المسلمين هذا لا يقوله مسلم موحد وهذا لا يكون اجتهادا.
جماعة الشَّيخ عبدالله الهرريِّ الحبشيِّ رحمه الله ورضي عنه هم مِن أهل السُّنَّة وليس في مرجعيَّاتهم إلَّا عُلماء أهل السُّنَّة فهم لم يقولوا بقول جديد لم يقل به أهل السُّنَّة والجماعة ولكنَّهم أهل تحقيق وتدقيق وتمحيص وفحص لقرب عهد إمامهم بهم وهو عالِم كبير كبير.
فنحن لا نُحبُّ ما فعله مُعاوية مِن خروجه على أمير المُؤمنين وقتاله له وقتله عددًا مِن الصَّحابة وغير ذلك ممَّا صحَّت به الأخبار كُلُّ ذلك فعله بحجَّة المُطالبة بدم عُثمان وهو ما لم يذكره بعد تولِّيه الخلافة لمَّا تنازل له الحسن عنها لأجل حقن الدِّماء.
فمَن ترضَّى على مُعاوية لمظنَّة توبته في قوله (ذنبي كالتُّراب) كما في التَّذكرة للقُرطبيِّ فهذا لا نعترض عليه. نحن كما قدَّمتُ لك لا نقول هو في النار بل نقول كما قال الأشعريُّ ذنبه مجوَّز غُفرانه.
ولكنَّنا لا نوافق أبدًا على مَن زعم أنَّ لمُعاوية أجرا في قتله للصَّحابة بغير حقٍّ ولا في قتاله لسيِّدنا عليٍّ بغير حق بل هو في ذلك آثم باغ كما قال نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام لا نشكُّ في ذلك أبدًا.
فهذا خلاصة ما تكلمنا فيه في المسألة ومن ادعى علينا خلاف ذلك فليتقِ الله تعالى والله حسيبه
ومن أراد زيادة تفصيلٍ أو دليلٍ فليراجع صفحة أخينا شهاب الدين حلاوة على الفيس بوك وما زالت الردود في هذه المسألة مستمرة حتى يومنا هذا
وكتب الراجي رحمة ربه
محمد عبد الجواد الصباغ
٣٠/٠٨/٢٠١٩ ١٠: ٥٣ ص
