الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
إمام أهل السُّنَّة والجماعة أبو منصور الماتُريديُّ يقول: <كانت مِن بعض الصَّحابة ذُنوب يستوجبون بها العقاب.. وإنْ كانوا فيما يتعاطونه مُجتهدين> إلخ.. فالمُجتهد -عنده وعندنا- إنْ قصَّر في اجتهاده يأثم ولو كان هذا المُجتهد صحابيًّا. وفيما يلي كامل النَّصِّ الَّذي أُحبُّ نقله لكُم.
قال الماتُريديُّ في [تأويلات أهل السُّنَّة]: <قد علم اللَّه تعالى أنَّه قد يكون في أُمَّة مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم مَن يلعن سلفَه حتَّى أمرهم بالاستغفار لهُم.
– وفيه دلالةٌ على فساد قول الرَّوافض والخوارج والمُعتزلة؛ لأنَّ الرَّوافض مِن قولهم: إنَّ القوم لمَّا ولَّوُا الخلافةَ أبا بكر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كفروا، ومِن قول الخوارج: إنَّ عليًّا رضي الله عنه كَفَرَ بقتاله مُعاوية وأصحابه، وقالتِ المُعتزلة بأنَّ مَن عَدَلَ عن الحقِّ في القتال خرج عن الإيمان: ولو كان ما ارتكبوا مِن الزَّلَّات يُكفرُهُم أو يُخرجُهُم عن الإيمان لم يكُن للاستغفار لهُم معنًى؛ لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن الاستغفار للمُشركين، فإذَا أَذِنَ ها هُنا بالاستغفار لهُم تبيَّن بهذا أنَّ ما ارتكبوا مِن الذُّنوب لم يُخرجهُم مِن الإيمان، ولأنَّه أبقى الأُخُوَّة فيما بينهُم مع علمنا أنَّه لم يكُن بين الآخِرين والأوَّلين أُخُوَّة إلَّا في الدِّين فلولا أنَّهُم كانوا مُؤمنين لم يكُن لإبقاء الأُخُوَّة معنًى، والله أعلم.
– ولأنَّه قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} ولو كان ذلك يُخرجُهُم مِن الإيمان لم يكُن لهذا الدُّعاء معنًى لأنَّ الواجب أنْ يكون في قلوب المُؤمنين عداوة الكُفَّار ومقتُهُم، فلمَّا نَدَبَ جلَّ شأنُه في هذه الآية إلى نفي الغلِّ والحَسَد عن قُلوبهم بتلك الدَّعوة ثبت أنَّهم كانوا مُؤمنين، واللَّه أعلم.
– ثُمَّ في الأمر بالاستغفار لهُم دلالة أنَّه قد كانت منهُم ذُنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل اللَّه ومغفرته وإنْ كانوا فيما يتعاطَونه مُجتهِدِين ليُعلَم أنَّه ليس كُلُّ مُجتهد مُصيبًا” انتهى بحُروفه.
وهذا الكلام مُطابق لِمَا قاله إمامُنا الأشعريُّ عندما ذكر مُقاتِلِي سيِّدنا عليٍّ وأنَّهُم اجتهدوا ومع هذا أثبت عليهمُ العصيان، ففي [المُجرَّد]: <فأمَّا خطأُ طلحةَ والزُّبَير فكان يقول إنَّه وقع مغفورًا للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حكم لهُما بالجنَّة فيما رُوي في خبر بِشارة عشرة مِن أصحابه بالجنَّة فذكر فيهم طلحةَ والزُّبَير. وأمَّا خطأُ مَن لم يُبشِّره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفوُ عنه> انتهى.
فيتبيَّن صحَّة قول شيخِنا الهرريِّ في الَّذين خرجوا على سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه مِن أهل الجَمَل وصفين في كونهم بذلك بُغاة عُصاة وقوله: <لأنَّ الاجتهاد الَّذي نصَّ عليه الحديث هُو الاجتهاد الَّذي يكون فيما لم يرد فيه نصٌّ صريح> انتهى هُو المُوافق لِمَا كان عليه إمامَا أهل السُّنَّة والجماعة الأشعريُّ والماتُريديُّ.
نسأل الله السَّلامة.
Jul 24, 2020, 10:13 AM
