أرشيف (ع) – فيسبوك. مِن: 11/9/2019 إلى: 12/7/2020.
حالهم بعد أن تغيرت أحوالهم..
[قال الشاعر: ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يبرئ منه فيما قد مضى. هذا حال أهل الفتنة].
Jul 23, 2020, 1:13 AM
إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال (فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، فقد انقض على أهل الفتنة الذئاب المتوحشة بعد أن اشتموا منهم إعجابًا برأيهم وسعيًا وراء غرورهم، فترى الواحد من أهل الفتنة يكتب (نحن خرجنا إلى الخارج أو “ابتعدنا عن التلفاز” بحثًا عن الصورة الأكبر) والمساكين لم يدروا أن في الخارج الذي يتحدثون عنه خلطًا وخبط عشواء وظلمةً وجهلًا بمظهر علمٍ خدّاع، قالوا (نبتعد قليلًا لنعرف الحقيقة) وفعلوا فتناولتهم مخالب الذئاب فغسلت عقولهم وبددت ما كان في صدورهم من علم نقي صافٍ أخذوه مسندًا ثقةً عن ثقةٍ ثم بعد أن اقتلعت الذئاب من قلوبهم أهمية العلم بالسند عكفوا على كتبٍ ليس لهم إلى مؤلفيها أي طريق أو سند ولزموا برنامج الشاملة ينقّبون فيه عن كلمة ليخرجوا كلامًا يزعمون أنه حجة وكأن الشاملة فيها أعلى الأسانيد وأوثق الرواة وأصح العلوم ولكن هيهات هيهات أن يصبح المرء ذا حجة بمجرد النظر في الشاملة! نعم نحن نحزن عليهم كيف باعوا عقولهم وسلّموا سلاح العلم الذي كان يحرسهم ليقعدوا في حضن الذئاب التي تبدي لهم حنانًا زائفًا وعناية خادعة من أجْلِ أن تفترسهم جُملة بعد حين، نسأل الله لهم العودة إلى المنبع الزلال والطريق الجلي والنهج الواضح.
Jul 9, 2020, 4:12 PM
تحقيق القول في مسألة العصمة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فهذا مقال فيه [تحقيق القول في مسألة العصمة] عند أهل السُّنَّة مع بيان كيف شذَّ أهل الفتنة في هذه المسألة حتَّى توصَّلوا إلى تكفير أهل القِبلة بغير حقٍّ والعياذ بالله؛ مع الدِّلالة على مسائل عظيمة كان لا بُدَّ مِن الإشارة إليها؛ والله المُستعان هُو نعم المَوْلى ونعم النَّصير.
– الدَّليل يحسُم المُناظرة
بداية؛ نحن لسنا في مُناظرة مع أهل الفتنة في مسألة العصمة؛ لأنَّ المُناظرة كانت لتنتهي عند أَوَّل نقل عن مُفسِّر مُعتبَر قال في تفسير ما ذكره القُرآن الكريم مِن ذُنوب الأنبياء إنَّها تُحمل على الصَّغيرة أو على ترك الأَوْلى والأفضل لأنَّ المعاصيَ المجازيَّة لا تنقسم إلى صغيرة وكبيرة.
مِن ذلك ما ذكره زكريَّا الأنصاريُّ فِي تفسيره المُسمَّى [فتح الرَّحمن بكشف ما يلتبس فِي القُرآن] بقوله: <إنْ قُلتَ كيفَ قالَ ذلكَ والنَّبيُّ معصومٌ مِنَ الذُّنوبِ. قُلتُ: المُرادُ ذنبُ المُؤمنينَ، أو تركُ الأفضلِ، أو أرادَ الصَّغائرَ على ما قالَه بهِ جَمْعٌ، أو المُرادُ بالمغفرةِ العِصمةُ> انتهى.
ومنه قول الرَّازيُّ فِي [مفاتيح الغيب]: <قُلنا الجواب عنه قد تقدَّم مرارًا مِن وُجوه أحدها المُراد ذنب المُؤمنين؛ ثانيها المُراد ترك الأفضل؛ ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد..> إلى: <رابعها مِن قبل النُّبوَّة ومِن بعدها وعلى هذا فمَا قبل النُّبوَّة بالعفو وما بعدها بالعصمة> انتهى.
ولكن ولأنَّ أهل الفتنة ليسوا على شيء في العلم فقد نزل الحوار معهُم عن كونه مُناظرة علميَّة وصرنا نكتفي ببيان الرَّدِّ على شُبُهاتهم لتحصين مَن يُوردونها عليه دون أنْ يكون على اطِّلاع أو فهم تامٍّ لهذه المسألة كي نمنعهُم مِن جرِّ النَّاس إلى تكفير أهل السُّنَّة بغير حقٍّ.
ولو كان بيننا وبين أهل الفتنة مُناظرة لرأينا رُدودًا على ما نقلناه مِن أقوال العُلماء كزكريَّا الأنصاريِّ والطَّبريِّ والرَّازيِّ والقُشَيريِّ؛ وكالنَّوويِّ والقاضي عياض وغيرهم فيما نقلوه عن الأكثر مِن العُلماء وكالإمام الماتُريديِّ والإمام أحمدَ في ردِّهما على المُعتزلة وكالإمام مالك فيما نقله عنه المالكيَّة.
– وصف أهل السُّنَّة باليهود على أَلْسِنَة أهل الفتنة
ونحن نقول لمَن يسألنا لماذَا كُلُّ هذه الرُّدود على أهل الفتنة في هذه المسألة والجواب المُراد ردُّ تكفيرهم لأهل السُّنَّة وحماية العامَّة مِن تسلُّل شُبُهات أهل الفتنة إليهم فقد دفع الزَّيغ بأهل الفتنة إلى وصف أهل السُّنَّة بأنَّهُم (يهود)! فهل يرضى السَّائلون بالسُّكوت على مثل هذا المُنكر العظيم!؟
– اضطراب أهل الفتنة في المسألة
وقد كان أهل الفتنة يُنكرون أنَّهم يُكفِّرون مَن خالفهُم في هذه المسألة ثُمَّ انفضح حالهم في هذا المُنكر العظيم. وانتقال أهل الفتنة مِن قول إلى قول وتغييرهُم الأحكام الَّتي يُطلقونها بحقِّ مَن يخالفهُم؛ إنْ دلَّ على شيء فإنَّه يدُلُّ على أنَّهم مضطربون لا يعرفون تحقيق المسألة أساسًا.
– سكوت أهل الفتنة عمَّن قال بوقوع الأنبياء في الكبائر
وممَّا يدُلُّ على اضطرابهم في المسألة بل وعلى عظيم جهلهم سكوتُهُم عمَّن قال بوُقوع الأنبياء في الكبائر بينما يُكفِّرون ويُضلِّلون ويُفسِّقون ويُبدِّعون مَن قال بوُقوعهم في صغائر غير مُنفِّرة تابوا منها قبل أنْ يُقتدَى بهم فيها، فأيُّ جهل عظيم عليه أهل الفتنة في مسألة العصمة!
– الدَّليل على كون أهل الفتنة مِن أجهل خلق الله
وإنَّ مِن أهمِّ ما يدُلُّ على كون أهل الفتنة مِن الجَهَلَة إنكارهم لفظ <الحقيقيَّة> في البيان عن قول الجُمهور في مسألة العصمة لأنَّ هذا كشف أنَّهم لا يعرفون الحقيقة الشَّرعيَّة في معنى الذَّنب والمعصية؛ ولهذا خلطوا بَين المجاز وبَين الظَّاهر في القُرآن فصار الأمرانِ عندَهم واحدًا!
– جهل أهل الفتنة لظاهر معنى الذَّنب في الشَّرع
وقد زعم أهل الفتنة أنَّ ظاهر معنى الذَّنب في الشَّرع ليس المعصية الحقيقيَّة وهذا مِن أعظم الجهل وهُو قَول يُؤدِّي إلى تحريف النُّصوص وتكذيب الشَّريعة لو يعلمون. والحقُّ أنَّ معنى الذَّنب في الشَّرع معناه في اللُّغة وقد قال في [لسان العرب]: <الذَّنْبُ: الْإِثْمُ وَالْجُرْمُ وَالْمَعْصِيَةُ> انتهى.
– تدليس أهل الفتنة على المُسلمين
وأهل الفتنة يتَّهمون أهل السُّنَّة -زورًا- باقتطاع النُّصوص بما يُؤدِّي إلى تحريفها لتغطية ما يقومون هُم به في حقيقة الأمر؛ وهُم لم يقتطعوا النُّصوص وحسب بل تغافلوا عن المئات مِن أقوال العُلماء بما أدَّى بهم إلى تحريف مذهب أهل السُّنَّة والجماعة وهذا مِن أعظم التَّدليس.
– افتراء أهل الفتنة على المُسلمين
ويفتري أهل الفتنة على المُسلمين فيزعُمون أنَّنا نجتهد في تكلُّف وُجود معصية لرسول الله حتَّى ننشرَها؛ فلعنة الله على أهل الفتنة بما يفترون؛ وإنَّما نجتهد في ردِّ تكفير أهل الفتنة لعُلماء أهل السُّنة والجماعة مِن سَلَف وخَلَف بغير حقٍّ والعياذ بالله تعالى مِن شرِّ أهل الفتنة.
وكيف يزعُمون هذا ونحن لم نُصرِّح على أيٍّ مِن القولَين المُعتبرَين عند أهل السُّنَّة والجماعة اعتقادنا؛ فنحن لا نقول للنَّاس: “اعتقدوا أنَّ النَّبيَّ عصى حقيقة”؛ ولا نقول للنَّاس: “اعتقدوا أنَّ الأنبياء لم يقع أحد منهُم في معصية صغيرة غير مُنفِّرة مُطلقًا”؛ بل المسألة خلافيَّة والأمر فيه فُسحة.
وحتَّى لو صرَّحنا أنَّنا مع قول دُون قول؛ فأين المُشكلة والقولانِ مُعتبَرانِ عند أهل السُّنَّة وقد علمتَ أنَّه لا يجوز الإنكار على مَن أخذ بقول مُعتبَر في مسألة خلافيَّة ولكنَّنا لا نُصرِّح لأنَّ اعتقادنا ليس حُجَّة على الخصم؛ وبتركنا للتَّصريح فنحن أبعدُ مِن أنْ يُصدَّق فينا افتراءُ أهل الفتنة.
– عجز أهل الفتنة عن شرح الخلاف في العصمة عند أهل السُّنَّة
وأهل الفتنة عاجزون عن شرح -الخلاف في العصمة عند أهل السُّنَّة- مع أنَّ كُتُب العُلماء مشحونة بذكره فالخلاف فيها في المذهب أشهر مِن نار على عَلَم؛ ومردُّ عجز أهل الفتنة عن شرح الخلاف هذا كونهم يجعلون القولَين قولًا واحدًا! فلا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
فأهل الفتنة لو أرادوا شرح الخلاف لقالوا إنَّ أهل السُّنَّة على قولَين: (1) قول بجواز الصَّغائر ووُقوعها مِن الأنبياء لكنَّها صغائر مجازيَّة والمقصود منها نحوُ ترك الأَوْلى والأفضل. (2) وقول بأنَّ المعنى هُو ترك الأَوْلى والأفضل. وهكذا ترى القولَين في معنًى واحد؛ فما أبعدهُم عن العلم.
– أهل الفتنة حرَّفوا مذهب أهل السُّنَّة في مسألة العصمة
وهكذا يتبيَّن لكُلِّ أحد كيف شذَّ أهل الفتنة وكيف حرَّفوا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في مسألة العصمة لأنَّهم لم يعلموا أنَّ جواز الصَّغائر أي المعاصي الحقيقيَّة الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها ولا دناءة ممَّا يُميِّز مذهب أهل السُّنَّة والجماعة عن مذاهب المُعتزلة والخوارج والرَّافضة.
– الخاتمة
سيُثبت التَّاريخ أنَّ بعض أجهل خلق الله وافقوا المُبتدعة في تضليل أهل السُّنَّة والجماعة في مسألة العصمة وسيُثبت أنَّهم كانوا مِن الجهل على شيء عظيم أدَّى بهم إلى التَّغافل عن مئات أقوال العُلماء وإلى الجهل بمعنى الذَّنْب في الشَّرع وفي اللُّغة فلا حَول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
ورَحِمَ الله الشَّيخ داودَ القرصيَّ الفقيه الحنفيَّ فإنَّه قال كلامًا اختصر فيه حال أهل الفتنة وأثبت كونهم مِن الجَهَلَة المُتصولحة المُتعولمة وكأنَّه يعيش بيننا اليوم يقرأ ويرى ما يكتُبُه المُرجفون مِن أهل الفتنة فقد قال: <وأمَّا صُدور صغائر غير مُنفِّرة بعدَها فجوَّزه الجُمهور عمدًا وسهوًا> انتهى.
وقال رحمه الله في بيانه الجميل بعد سطور قليلة: <وزعم جمهور الشِّيعة والرَّوافض أنَّه لا يجوز عليهم ذنب أصلًا لا كبيرة ولا صغيرة لا عمدًا ولا سهوًا لا قبل النُّبوَّة ولا بعدها؛ وهذا كما تَرى يُرى أنَّه تعظيم لهم ولذا اشتهر بين الجهَلة المُتصَولحة زعمًا منهم أنَّه هو التَّعظيم> انتهى.
انتهى.
May 18, 2020, 6:11 PM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 8
ابتلى الله الأنبياء بالصَّغائر غير المُنفِّرة ليُعرِّفهُم موقع نعمته عليهم
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
لماذَا ابتلى الله الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة؟
قال الماوردي -وهُو مِن رُؤوس الشَّافعيَّة في زمانه- في تفسيره المُسمَّى [النُّكَت والعيون]: <وفي معاصي الأنبياء ثلاثة أَوْجه:
أحدها: أنَّ كُلَّ نبيٍّ -ابتلاه الله بخطيئة- إنَّما ابتلاه ليكون مِن الله تعالى على وَجَلٍ إذَا ذكرها فيجدُّ في طاعته إشفاقًا منها ولا يتَّكل على سعة عفوه ورحمته.
الثَّاني: أنَّ الله تعالى ابتلاهم بذلك ليُعرِّفهُم موقع نعمته عليهم بصفحه عنهُم وترك عُقوبتهم في الآخرة على معصيتهم.
الثَّالث: أنَّه ابتلاهم بذلك ليجعلَهُم أئمَّةً لأهل الذُّنوب في رجاء رحمة الله وترك الإياس في عفوه عنهُم إذَا تابوا> انتهى كلام الماوردي.
فلو تأمَّلتَ قول الماوردي: <وترك عُقوبتهم في الآخرة على معصيتهم> لعلمتَ أنَّه يعتقد صدور المعاصي الحقيقيَّة مِن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامُه لأنَّ أهل السُّنَّة لا يقولون إنَّ الله يُعاقب على المعاصي المجازيَّة كترك الأَولى والأفضل ونحو ذلك ممَّا لا عقاب عليه في الآخرة.
وذلك أنَّه لا خلاف بَين عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ المعاصيَ المجازيَّة مِن نحو ترك الأفضل والأولى لا يُعاقب الله عليها يوم القيامة؛ فإذَا قال عالم سُنِّيٌّ إنَّ الله ترك عقوبة على معصية فإنَّ المُراد لا يخرُج عن المعصية الحقيقيَّة أي ما هو في حقيقته الشَّرعية معصية عند الله.
أمَّا أهل الفتنة فإنَّهم يحكُمون على قائل هذه الكلمات بهذه الصِّيغة -كائنًا مَن كان- بالكُفر والعياذ بالله مِن تكفير عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة بغير حقٍّ؛ بل إنَّ أهل الفتنة إنَّما يتَّبعون أهواءهُم في تضليل مَن جوَّز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامُه.
وذلك لأنَّ القواعد المكذوبة على الشَّرع والَّتي وضعها أهل الفتنة تقول بتضليل مَن جوَّز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامُه وهُم في ذلك مِن أهل الغُلُوِّ وقد اتَّبعوا فيها فِرَق المُبتدعة كالمُعتزلة والرَّوافض لأنَّهم لم يفهموا أنَّ الصَّغائر غير المُنفِّرة لا تنقض العصمة.
يتبع–
May 17, 2020, 8:09 PM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 7
هل يقع الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة عمدًا؟
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
اختلاف العُلماء بوُقوع الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة عمدًا
1
واختلف العُلماء بوُقوع الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة عمدًا؛ صرَّح بذلك التَّفتازانيُّ فقال: <أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ> انتهى. وهل قول الجُمهور هذا فيما قبلَ النُّبُوَّة أم بعدَها؟ يُؤكِّد التَّفتازانيُّ أنَّه بعد النُّبُوَّة بقوله: <هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الوَحْيِ> انتهى.
2
فعند أهل السُّنَّة مذهبانِ في وُقوع الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة عمدًا؛ الجُمهور قالوا تقع وغيرهُم قالوا لا تقع؛ فالقسم الأوَّل لم يرَ عصمة للأنبياء في مُخالفة الله تعالى عمدًا شرط أنْ تكون صغائر غير مُنفِّرة يتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها؛ والقسم الثَّاني قالوا بل لا تقع منهم المُخالفة عمدا.
3
الإمام النَّوويُّ يشرح القول الأوَّل:
وشرح الإمام النَّوويُّ القول الأوَّل مُبيِّنًا أنَّه قول أكثر العُلماء فقال فِي [شرح مُسلم] نقلًا عن القاضي عياض: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ> انتهى.
4
النَّوويُّ يشرح القول الثَّاني:
ثُمَّ شرح الإمام النَّوويُّ رحمه الله القول الثَّاني فقال: <وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا وَعَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَمْدًا> انتهى وهُو موضح لِمَا اشتبه على الجَهَلَة.
5
فالخُلاصة أنَّ الجُمهور أخذوا بظاهر القُرآن فقالوا بجواز وُقوع الأنبياء بصغائر غير مُنفِّرة عمدًا؛ وأنَّ الأقل مِن العُلماء قالوا إنَّ الأنبياء لا يقعون في مُخالفة الله تعالى عمدًا ولو في صغيرة غير مُنفِّرة؛ فهي مسألة خلافية لا يجوز للجَهَلَة إنكار أحدَ وجهَيها إذ كلاهُما مُعتبَر شرعًا.
يتبع–
May 12, 2020, 1:14 AM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 6
معنى أنَّ ظاهر القُرآن دليل قول الجُمهور
بجواز الصَّغائر غير المُنفِّرة على الأنبياء
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
ظاهر القُرآن دليل الجُمهور
قال الإمام أبو سعيد عبد الرَّحمن بن مُحمَّد المأمون المُتولِّي شيخ الشَّافعيَّة في زمانه رحمه الله فِي كتابه المُسمَّى بـ [الغُنية]: <وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهَا عَلَيْهِمْ..> والمُراد الصَّغائر غير المُنفِّرة إلى قوله: <وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهَا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَصَصُ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي القُرْآنِ> انتهى.
وقوله: <وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَصَصُ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي القُرْآنِ> انتهى يدُلُّ أنَّ المُراد الصَّغائر الحقيقيَّة لا المجازيَّة لأنَّ الظَّاهر مِن لفظ (الذَّنب) هُو الذَّنب بحسب المُصطلح الشَّرعيِّ لا غير؛ ومثل هذا لا يحتاج إلى شرح ولكنَّ جهل أهل الفتنة أحوجنا إلى شرح الواضحات.. فتأمَّل.
ومثله قال الإمام النَّوويُّ فِي [شرح مُسلم]: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ> انتهى فدلَّ قوله: <وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ> أنَّ المُراد الصَّغائر الحقيقيَّة.
ومثل هذا كثير في كلام العُلماء ولكنَّ أهل الفتنة لا سَلَف لهُم في تضليل القائلين بجواز وُقوع الصَّغائر الحقيقيَّة مِن الأنبياء قبلَ النُّبُوَّة وبعدها؛ ولذلك فإنَّ قولهم -بتضليل مَن قال بوُقوع ما جوَّز الشَّرع على الأنبياء- قول باطل لا عبرة به ولا يُعوَّل عليه في قليل ولا في كثير والحمدلله.
يتبع–
May 8, 2020, 5:26 PM
متعالم لا يعرف كيفية لفظ أسماء العلماء الذين يذكر أسماءهم
واحد من أهل الفتنة يعقد حلقات كل يوم على الإنترنت للكلام في مسائل خلافية فرعية بين المذاهب ويتهجم على عالم فقيه مشهور رحمه الله، ويحشد بعض المصورات والنقول من الكتب، وكثير مما يذكره هناك يدل على ضعفه في العلم وعدم تمييزه بين الأقوال المعتبرة وغيرها، وما استغربته كثيرًا جهله بكيفية التلفظ بأسماء بعض العلماء المشهورين، فها هو اسم العالم الحنبلي المشهور “الخِرَقي” وهو بكسر القاف وفتح الراء -نسبة إلى الخِرَق- كما يذكره العلماء ومنهم الإمام السمعاني في كتابه الأنساب، يلفظه هو “الخَرْقي” بفتح القاف وسكون الراء! وهذا دليل ظاهر على أنه ما تلقى ما يلقيه على أتباعه المستمعين له على عالم والأغلب أنه بحث في الإنترنت في برامج موجودة وبمتناول الجميع على الإنترنت ليجمع تلك المعلومات، فما الذي يميزه عن غيره من الجهال الذين يفعلون ذلك! فهو وهم يبحثون في البرامج الإلكترونية ليوهموا الناس أنهم مشايخ وعلماء! وأنا أدعوه ليذكر الوقوف بين يدي الله يوم القيامة وليشفق على نفسه من أهوال القيامة إن لم يكن مشفقًا على من يستمع له.
May 6, 2020, 1:12 AM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 5
ترك الأفضل مهمَا تكرَّر لا يلتحق بالكبائر
– دليل أنَّ ما جوَّزه الجُمهور على الأنبياء هُو:
المعصية الحقيقيَّة الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
ترك الأفضل مهمَا تكرَّر لا يلتحق بالكبائر
قال القاضي عياض فِي [الشِّفا]: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ. وَلَا فِي صَغِيرَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِزَالَةِ الحِشْمَةِ وَأَسْقَطَتِ المُرُوءَةَ وَأَوْجَبَتِ الإِزْرَاءَ وَالخَسَاسَةَ؛ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْصَمُ عَنْهُ الأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا> انتهى.
فانظُر إلى قوله: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ> انتهى؛ فإنَّه كاف في بيان أنَّ ما جوَّزه الجُمهور على الأنبياء هُو الصَّغائر الحقيقيَّة الَّتي لا خسَّة فيها؛ لأنَّ الصَّغائر الحقيقيَّة وحدهَا إذَا تكرَّرَتْ وكثُرت فإنَّها تلتحق بالكبائر.
أمَّا الصَّغائر المجازيَّة كنحو ترك الأفضل وترك الأَوْلى فإنَّ هذا مهمَا تكرَّر فإنَّه لا يلتحق بالكبائر أبدًا؛ هذا ما عليه أهل السُّنَّة والجماعة؛ ولكنَّ أهل الفتنة يفترون الكذب والعياذ بالله؛ وقد تحدَّيناهم بهذا الدَّليل الشَّرعيِّ فتغافلوا عنه وخرسوا ولم يقدِروا على الجواب؛ ولله الحمد مِن قبلُ ومِن بعدُ.
يتبع–
May 5, 2020, 5:15 PM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 4
قول الماتُريديِّ في الصَّغائر غير المُنفِّرة
الَّتي جوَّزها العُلماء على الأنبياء وأنَّها معاصٍ حقيقيَّة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُمُ مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
قول الماتُريديِّ في الصَّغائر غير المُنفِّرة
الَّتي جوَّزها العُلماء على الأنبياء وأنَّها معاصٍ حقيقيَّة
يقول الإمام الماتُريديُّ في تفسيره: <وَلَوْ لَمْ يَكُن للهِ تَعَالَىْ أَنْ يُعَذِّبَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَىْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعُ الِامْتِنَانِ بِمَا غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ> انتهى؛ وهذا يُفيد أنَّ الصَّغائر غير المُنفِّرة الَّتي جوَّزها العُلماء على الأنبياء هي معاصٍ حقيقيَّة.
ويُعلَم هذا مِن كلام الماتُريديِّ بالضَّرورة لأنَّ الله تعالى لا يُعذِّب العباد على تركهم الأفضل والأَوْلى ما دام عملُهُم فاضلًا لا إثمَ فيه؛ فهذا ردٌّ مِن الماتُريديِّ على أهل الفتنة الَّذين كفَّروا العُلماء الَّذين جوَّزوا الصَّغائر الحقيقيَّة غير المُنفِّرة على الأنبياء صلوات الله وعليهم وسلامُه.
مع العلم أنَّ القول المشهور للماتُريديِّ هُو القول بالعصمة المُطلَقة؛ ولكنَّه في معرض ردِّه على المُعتزلة احتجَّ عليهم بقول الجُمهور مِن جواز هذه الصَّغائر الَّتي يُعذِّب الله عليها مَن لم يعفو اللهُ عنه؛ أمَّا ترك الأفضل والأَوْلى فلم يقُل عالم سُنِّيٌّ واحد إنَّ الله يُعذِّب عليها.
فإنْ أصرَّ المدعو يُوسف ميناوي أنَّ ما جوَّزه العُلماء على الأنبياء هُو ترك الأفضل والأَوْلى وحسب؛ صار يلزمُه أنْ يقول إنَّ الماتُريديَّ يقول إنَّ الله يُعذِّب على ترك الأفضل والأَوْلى والعياذ بالله تعالى! والماتُريديُّ بريء مِن هذه البدعة الاعتقاديَّة براءة الذِّئب مِن دم ابن يعقوبَ عليهما السَّلام.
يتبع–
May 3, 2020, 7:42 PM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 3
ردُّ أبي حنيفة على مَن كفَّروا بالذَّنب؛ حُجَّة على أهل الفتنة الَّذين أنكروا أنَّ المُراد بقول الجُمهور الذَّنبُ الحقيقيُّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُمُ مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
أبو حنيفة يرُدُّ على مَن كفَّروا بالذَّنب
قد علمتَ أخي القارئ أنَّ مِن المُعتزلة فرقة كفَّرتِ المُسلمَ بالذَّنب والعياذ بالله، والمُراد بالذَّنبِ: الكبائرُ؛ والصَّغائر الحقيقيَّة، ولم تُكفِّره لترك الأفضل والأَوْلى. وقولُهم هذا خلاف قول أهل السُّنَّة والجماعة ولذلك فقد تصدَّى لهُم أبو حنيفة النُّعمان فردَّ عليهم كما ردَّ عليهم غيرُه مِن العلماء.
ففي كتاب [الفقه الأبسط] يسأل السَّائل: <قلتُ: أرأيتَ لو أنَّ رجلًا قال: مَن أذنب ذنبًا فهو كافرٌ ما النَّقضُ عليه؟> انتهى أي أنَّه يسأل كيف الرَّدُّ على مَن قال بمقولة تلك الفرقة مِن المُعتزلة الَّذين كفَّروا بالذَّنب والعياذ بالله؛ ثُمَّ يُجيب أبو حنيفة رحمه الله مُعلِّمًا لنا كيفيَّة الرَّدِّ على أُولئك الضَّالِّين.
ويقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في سياق الرَّدِّ على المُعتزلة الَّذين كفَّروا بالذَّنب: <يُقال له: قال الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فهُو ظالم مُؤمن وليس بكافر ولا مُنافق> انتهى.
كلام أبي حنيفة حُجَّة على أهل الفتنة
الَّذين أنكروا أنَّ المُراد بقول الجُمهور الذَّنبُ الحقيقيُّ
ولو كان ذنب يُونس عليه السَّلام مجازيًّا لَمَا استقام كلام أبي حنيفة ردًّا على مَن كفَّر بالذَّنب لأنَّ مَن كفَّر بالذَّنب لم يُكفِّر بترك الأفضل والأَوْلى وبالتَّالي فهذا مِن أبي حنيفة احتجاج على المُعتزلة بحسب مُقتضى قول الجُمهور في جواز ووُقوع الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء.
ويُتابع أبو حنيفة فيقول: <وإخوةُ يُوسفَ قالوا: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} وكانوا مُذنبِين لا كافرين> انتهى أي أنَّ وُقوعهم في ذنب لم يقتضِ كُفرَهُم، فأبو حنيفة لم يُكفِّر إخوة يُوسف بالذُّنوب الَّتي هي دُون الكُفر وإلاَّ فإنَّ شتم النَّبيِّ كُفر لا خلاف فيه، وليس في هذا النَّصِّ تصريح بنفي الكُفر عنهم في تلك الفترة الَّتي شتموا أباهم فيها مرَّتَين، كلَّا، بل الظَّاهر أنَّ الإمام أبا حنيفة تكلَّم عن مرحلة معيَّنة مِن مراحل حياتهم عندما فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة الَّتي لا تصل إلى الكُفر مع كونهم رجعوا وتابوا مِن شتم أبيهم، والقُشَيريُّ صرَّح بأنَّهم شتموا أباهم وهُو كُفر بلا خلاف كما قدَّمنا.
ويُتابع أبو حنيفة قائلًا: <وقال الله تعالى لمُحمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولم يقُلْ مِن كُفرك> انتهى والآية خطاب لنبيِّنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فلو لم يكُنِ المُراد بالذَّنب الذَّنبَ الحقيقيَّ في قول الجُمهور لَمَا صحَّ احتجاج أبي حنيفة على المُعتزلة.
ويختِم أبو حنيفة كلامه قائلًا: <ومُوسى حين قَتَلَ الرَّجُل كان في قتله مُذنبًا لا كافرًا> انتهى وهذا دليل ثالث أنَّ المُرادَ بالذَّنب الذَّنبُ الحقيقيُّ لأنَّه وكما بَيَّنَّا مِن قبلُ فتلك الفرقة مِن المُعتزلة كفَّرت بالذَّنب ولم تُكفِّر بترك الأفضل والأَوْلى فتبيَّن أنَّ الذَّنب الحقيقيَّ هُو ما جوَّزه الجُمهور على الأنبياء.
وتبقى ملاحظتانِ:
الأُولى: أنَّ يُوسف ميناوي ضلَّل مَن قال عن نبيٍّ إنَّه عصى؛ وعليه فيكون أبو حنيفة عنده ضالًّا مضِلًّا والعياذ بالله! وذلك لأنَّه قال عن موسى إنَّه كان مُذنبًا بقتل القبطيِّ وحمل الآيات الثَّلاثة الَّتي ذكرها على نسبة الذَّنب الحقيقيِّ للأنبياء يُونس ومُوسى ونبيِّنا مُحمَّد صلوات الله عليهم وسلامه.
الثَّانية: أنَّ أبا حنيفة تكلَّم هُنا على مُقتضى قول الجُمهور في جواز الصَّغائر غير الخسَّة على الأنبياء وأنَّهم صلوات الله عليهم وسلامه تابوا منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها؛ وللإمام في [الفقه الأكبر] كلام ظاهره نفي الكبائر والصَّغائر بما فيها صغائر غير الخسَّة عن الأنبياء مع إثبات وُقوع زلَّات وخطايَا منهُم، فليُحرَّر معنى كلامه في [الفقه الأكبر] بما يتماشى مع قوله في [الفقه الأبسط].
يتبع–
Apr 30, 2020, 12:04 AM
محل اختلاف العلماء في مسألة عصمة الأنبياء 2
كيف اختلف قولا أهل السُّنَّة في الصَّغائر غير المُنفِّرة؟
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
كيف اختلف قولا أهل السُّنَّة في الصَّغائر غير المُنفِّرة؟
فلو كان المُراد بالمعصية الصَّغيرة غير المُنفِّرة -في قولَي أهل السُّنَّة والجماعة- هُو المعصية المجازيَّة أي ترك الأفضل لَمَا كان خلاف بَين العُلماء؛ ولكنَّه خلاف ثابت مُؤكَّد حشا العُلماء كُتُبَهُم بالكلام عنه كما في كلام القاضي عياض والإمام النَّوويِّ وما لا يكاد يُحصى مِن العُلماء.
فلمَّا كان القولانِ مُختلفَينِ -ضرورةً- وأنَّ أحدَهُما المُراد به المعصية المجازيَّة؛ تبيَّن أنَّ القول الآخَرَ المُراد به المعصية الحقيقيَّة؛ وإلَّا لتماثل القولانِ ولَبطل الخلاف ولَحكمنا بالبُطلان على كثير ممَّا احتوته كُتُب العُلماء في الكلام على مسألة عصمة الأنبياء عليهم السَّلام.
واختلاف العُلماء في عصمة الأنبياء عن الصَّغائر غير المُنفِّرة راجع إلى اعتقاد كُلِّ مِن الطَّرفَين؛ فمَن كان يعتقد العصمة المُطلقة فيهم أَوَّلَ قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وغيره مِن الآيات حتَّى يُوافق المعنى اعتقادَه العصمة المُطلقة في الأنبياء مِن الذُّنوب كُلِّها.
أمَّا الَّذين يرَون جواز صُدور الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء -وهُمُ الأكثرُ كما بَيَّن عياض والنَّوويُّ- فامتنعوا عن تأويل الآيات لانعدام ضرورة ذلك عندهم لأنَّهُم لا يرون ذلك مناقضًا للشَّرع فحملوا الآيات على ظاهرها فقالوا بوُقوع الصَّغيرة غير المُنفِّرة مِن الأنبياء عليهم السَّلام بضوابط ذكروها.
ولأنَّ أهل السُّنَّة والجماعة مُختلفون في جواز وُقوع الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء كان المُفسِّرون يقفون عند الآيات المذكورة آنفًا فيُبيِّنون أنَّها تُحمل إمَّا على القول بأنَّ المُراد الصَّغيرة وإمَّا على القول بأنَّ المُراد ترك الأفضل؛ ونستدلُّ بقولَين اثنَين لضيق المقام عن إيراد أكثر:
قال الفخر الرَّازيُّ فِي [عصمة الأنبياء] عن قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ما نصُّه: <جوابه: أنَّه محمول إمَّا على الصَّغيرة أو ترك الأَوْلى أو التَّواضع كما قرَّرناه فِي قول آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}> انتهى؛ فانظر كيف ميَّز بين القول بالصَّغيرة وبَين القول بترك الأَوْلى؛ ولو كانَا واحدًا لَمَا فعل.
وقال زكريَّا الأنصاريُّ فِي [فتح الرَّحمن] فِي تفسير: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}: <إنْ قُلتَ كيفَ قالَ ذلكَ والنَّبيُّ معصومٌ مِنَ الذُّنوبِ. قُلتُ: المُرادُ ذنبُ المُؤمنينَ. أو تركُ الأفضلِ. أو أرادَ الصَّغائرَ على ما قالَه بهِ جَمْعٌ. أو المُرادُ بالمغفرةِ العِصمةُ> انتهى.
فعجبًا كيف عَمِيَ يُوسف ميناوي عن رؤية هذه النُّقول وغيرها كثير وكُتُبُ العُلماء محشُوَّة بمثلها؛ وكيف اقتحم تضليل العُلماء والعامَّة مِن سَلَف وخَلَف في مسألة مشهورة في مذهبنا خلافًا للكثير من المذاهب والطَّوائف الأُخرى وقد نصحناه كثيرًا فلم ينتصح والله سُبحانه يخلُق ما يشاء.
يتبع-
Apr 27, 2020, 9:07 PM
محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء 1
بيان أنَّ الجُمهور على جواز صُدور الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه هم أفضل الخلق وأطهر النَّاس اصطفاهم الله وبرَّأهُم مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ وجُمهور أهل السُّنَّة قالوا إنَّه يجوز أنْ يصدُر منهُم صغائر غير مُنفِّرة ولكنَّهم لا يُصرُّون عليها بل ويتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها.
والعُلماء في عصمة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل الوحي وبعده: مُختلفون؛ ومَن أنكر هذا الاختلاف فقد جهل مذهب أهل السُّنَّة والجماعة؛ وقد كتبنا هذه الرِّسالة المُباركة بإذن الله ليُعرَف [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
بيان أنَّ الجُمهور على جواز صُدور الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء
والمعاصي: مُخالفة أمر الله. فمنها الكبائر: والأنبياء عليهم السَّلام معصومون منها بالإجماع. ومنها الصَّغائر: وهي على نوعَين: (أ) مُنفِّرة: ولا خلاف أنَّ الأنبياء معصومون منها. (ب) وغير مُنفِّرة: أي غير ذات خسَّة ودناءة؛ وهي [محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء].
فإذًا محلُّ اختلاف العُلماء في مسألة عصمة الأنبياء عليهمُ السَّلام في المعاصي الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها ولا دناءة، أمَّا ترك الأفضل فلم يختلف العُلماء في جواز صُدوره مِن الأنبياء عليهمُ السَّلام؛ وفيما يلي بعض أقوال عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة وهي حاسمة في المسألة:
قال القاضي عياض في [الشِّفا]: <وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ>؛ وقال: <مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ؛ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ..> انتهى.
وقال النَّوويُّ فِي [شرح مُسلم]: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ>؛ وقال فِي [روضة الطَّالِبِين وعُمدة المُفتين]: <واختلفوا فِي الصَّغائر فجوَّزها الأكثرون> انتهى.
وهذا كاف في بيان أنَّ جُمهور عُلماء أهل السُّنَّة يقولون بجواز صُدور الصَّغائر غير المُنفِّرة مِن الأنبياء؛ وخالف في هذا المدعو يُوسف ميناوي فضلَّل مَن جوَّز الصَّغائر غير المُنفِّرة عليهم بعد الوحي وقال والعياذ بالله: (إنَّ مَن قال بهذا القول لا يكون مِن أهل السُّنَّة) فاعجب لِمَا يقول!
وعليه؛ فيكون جُمهور العُلماء -الَّذين تحدَّث عنهم القاضي عياض والإمام النَّوويُّ- ضالُّون خارجون عن مذهب أهل السُّنَّة في لازم قول المدعو يُوسف ميناوي؛ وقوله مُنكر فلا يجوز العمل به ولا السُّكوت عنه بل يجب التَّحذير منه لِمَا فيه مِن تضليل جُمهور عُلماء الأُمَّة من سلف وخلف.
يتبع-
Apr 26, 2020, 4:59 PM
