معنى كون المعصية ثابتة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ هذه سلسلة مقالات [الأجوبة السَّعيدة على الأسئلة البليدة] نُخصِّص لكُلِّ سُؤال مقالًا وافيًا بالجواب والفائدة بإذن الله؛ مُؤيَّدًا بالدَّليل الشَّرعيِّ؛ بعيدًا عن كُلِّ خبط وخلط يُناقض قواعد الدِّين؛ بريئًا مِن مُخالفة كتاب الله؛ وسالمًا مِن تكذيب الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام؛ ومُوافقًا لسبيل المُؤمنين.
وسأل نايف عمُّورة:
3. مَن قال مِن العُلماء المُعتبَرين أنَّ الجُمهور قال: (بإثبات) وُقوع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في معصية (حقيقيَّة) صغيرة لا خسَّة ولا دناءة فيها؟ ولا (تأتي) بنقل النَّوويِّ والقاضي عياض لأنَّهما لم ينقُلَا قول الجُمهور بلفظ: (إثبات أي بجزم ولا بلفظ معصية حقيقيَّة) فتنبَّه؟
1
إثبات المعصية راجع إلى كون الدَّليل ثابتًا لوُروده في القُرآن؛ قبل الخوض في كونها مجازيَّة أو حقيقيَّة. فالجُمهور على الأخذ بظاهر الآيات المُتعلِّقة بالعصمة عن الصَّغيرة غير المُنفِّرة ومعنى ذلك أنَّهم على كون اللَّفظ على حقيقته. وخالف الأقلُّ فتأوَّلوا اللَّفظَ وقالوا هو مجاز لا على حقيقته.
2
وهذا سهل على مَن يفهم العربيَّة ولو قليلًا ولكنَّه عليك عسير لأنَّك ضعيف في اللُّغة غير قادر على فهم مدلول الألفاظ العربيَّة ولا على قراءة كلام العُلماء مع الفهم السَّليم المُوافق لمُرادهم؛ ولأنَّك ضعيف قلتَ: (ولا تأتي) وكان الصَّواب أنْ تكتب (ولا تأتِ) لأنَّك تُريد النَّهي لا النَّفي.
3
فكل ما ورد في القُرآن ثابت؛ أقلُّه باللَّفظ؛ قبل تعيين المعنى المُراد، فالمعصية المذكورة ثابتة بكُلِّ حال سواء كانت مجازيَّة أو حقيقيَّة لوُرودها في القُرآن؛ فمُجرَّد وُرودها في القُرآن أفاد كونها ثابتة؛ ولذلك سمَّى خير الدِّين الرَّمليُّ الحنفيُّ معصية آدم عليه السَّلام بـ(المعصية الثَّابتة).
4
قال خير الدِّين الرَّمليُّ: <ولقد سُئلت عن مسئلةِ مَن قال: (لم يعصوا حال النُّبوَّة ولا قبلها كَفَرَ لأنَّه ردَّ النُّصوص) فقيل لي: (يلزم مِن ذلك كُفر مَن يقول لم يعصوا أو كُفر مَن يقول عصَوا) فأجبتُ بأنَّ مُرادهم يكفُر مَن قال لم يعصوا المعصية الثَّابتة بقوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} لأنَّه تكذيب للنَّصِّ. ويكفُر مَن أراد بالمعصية الكبيرة> انتهى.
5
ومُراده تكفير مَن نفى ما ثبت وُروده في الآية؛ وتكفير مَن ادَّعى أنَّ معصية آدم عليه السَّلام كبيرة لكون الأنبياء معصومين مِن الكبائر بالإجماع قبل النُّبوَّة وبعدها. فانتبه أخي القارئ كيف جعل معصية آدم عليه السَّلام (ثابتة) لمُجرَّد وُرودها في القُرآن؛ قبل الخلاف في كونها حقيقيَّة أو مجازيَّة.
6
فاعتراضك لا معنى له؛ ويُؤكِّد ذلك قول الزَّركشيِّ: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووُقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين..> وقول القاري: <(وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا) أي وجودها ووُقوعها (جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ..)> أضافَا الوُقوع للجواز لتتيقَّن المُراد.
7
وإنَّما جوَّز الجُمهور الصَّغائر غير المُنفِّرة لأنَّهم تركوا تأويل الآيات المُتعلِّقة بذلك. ولم يستثنوا قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ولا قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} ولذلك تجد العُلماء ذكروا هذه الآيات في الكلام عن العصمة عن الصَّغائر غير المُنفِّرة.
8
فلمَّا كُنتَ مُقرًّا أنَّ الجُمهور على اعتقاد ظاهر الآيات المُتعلِّقة بعصمة الأنبياء عن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها فقد لزمك أنْ تعتقد أنَّهُم مُثبتون للمعصية الحقيقيَّة؛ فكُلُّ مَن قال بظاهر الآيات المذكورة فهُو مُثبت لها على حقيقتها؛ وإلَّا لصار القولانِ قولًا واحدًا وقد علمتَ بُطلان ذلك.
9
ولمَّا كان الكلام في سياقِ بيانِ محلِّ اختلاف العُلماء في الصَّغيرة غير المُنفِّرة كان لا بُدَّ ضرورةً مِن بيان كونها مجازيَّة -كما عند الأقلِّ مِن العُلماء- أو حقيقيَّة -كما عند الجُمهور-؛ لا سيَّما مع انتشار الجهل المُؤدِّي إلى نفي الخلاف في المسألة؛ بُغية حفظ الشَّرع مِن التَّحريف.
10
فإذا بقيتَ مُصرًّا بعد هذا البيان أنَّهم لم يقولوا بالوُقوع حقيقةً فقد جعلتَ أقوالهم واحدة وهذا ظاهر البُطلانِ عند كُلِّ ناظر سليم العقل صحيح الفهم فلا تخلط ولا تخبط قد أكثرتَ الرَّوغان وقد قال الشَّاعر: <ما ضرَّ شمس الضُّحى في الأُفْق طالعة * ألَّا يرى ضوءَها مَن ليس ذَا بصرِ> انتهى.
8 Mar 2020, 12:11
