مَنْ حَسُنَ ظنه طاب عيشُه

مَنْ حَسُنَ ظَنُه طاب عيشُه

من الآفات الاجتماعية التي انتشرت في مجتمعنا التشكيك وسوء الظن وذلك بإطلاق الاشاعات وعدم التثبت بالكلام بهدف التشكيك ونشر معلومات مغلوطة دون التأكد، وهذه عادات سيئة وخطيرة تستلزم التوبة والاستغفار والكف عن الأذى!

من المعلوم أن كثيرًا من الناس يتبعون الظنّ، ويعتقدونه ويربطون أفعالهم وأقوالهم به، فتراهم يُعادون ويُصافون ويُبغضون ويُوادّون اعتمادًا على الظنّ، ولو عادوا إلى الصواب وسلكوا طريق الرشد لعلموا أن ما ظنّوه قد يكون بعيدًا من الحقيقة بُعد المشرق من المغرب، فكان الجدير بهم ابتداءً أن يُراعوا تحري الحقيقة، وذلك أنّ الظنّ لا يقوم مقام الحق، والريب لا يوازي اليقين، وقد قال ربّنا عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ سورة النجم.

فقد صار حالنا اليوم صعبا فما أصعب التعامل مع الناس اليوم تنصحهم بحسن نية يسيؤون الظن بك، تحسن إليهم يؤذونك، تكلمهم بطيب الخاطر يحملونه الحمل القبيح، لا أدري كيف أعاملهم ولو تركتهم لم يتركوك يا ليتني في كهف أعتزل الناس أجمعين وهل أسلم منهم بعد ذلك!؟

لا أظن..

فقد سأل حاتم الإمام أحمد: كيف السبيل إلى السلامه من الناس؟

فأجاب: تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم ويؤذونك ولا تؤذيهم وتقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك..

قال حاتم: هذا صعب يا إمام!

قال: وليتك تَسلم.

فخبث النوايا وإساءة الظن انتشرت في مجتمعنا

لا حول ولا قوة إلا بالله

فقد قال شيخنا رحمه الله التمس لأخيك سبعين عذرًا فإن لم تجد له عذرًا فقل لعل له عذرًا

علينا بتحسين الظّنِّ، تحسين الظّنّ يحتاج لذكاء شديد، الانتباه الانتباه، التمسوا الأعذار.

ويُروى عنِ ابن سيرين أنّه قال: “إذا بلغك عن أخيك شىء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرا فقل لعل له عذرًا “. وقال جعفر بن محمد: “إذا بلغك عن أخيك الشّىء تنكره فالتمس له عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرًا لا أعرفه”، لا نحكم على النّاس بمجرد شهوة في أنفسنا. خالف نفسك!.

وقديمًا رُوي أن شُريحًا القاضي رحمه الله أتاه مرّة شاكٍ يشكو له ويبكي بكاء مُرًّا، فقال أحد الحاضرين: أصلح الله القاضي ألا ينظُر إلى كثرة بُكائه، فقال شريح رحمه الله: إنّ إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام جاؤوا أباهم عشاءً يبكون وهم ظلمة. وليس لنا أن نُطلق التُهم وفي القضية جانب مستور، قد تأتي البراءة من جهته كما هو حال أصحاب النظريات الذين يتكلّمون في دعم نظرياتهم اعتمادًا على تخمينات وظنون.

من حسن ظنه طاب عيشه.

فإذا عُلم هذا فليقف طالب الحق على الحقائق، ولا يتسرعن في القول والفعل مع انخرام أسباب اليقين بما يروم معرفته كي لا يضع رفيعًا، أو يرفع وضيعًا، أو يُخدع بمجرد المظاهر.

فكم غرّت الظواهر أعينًا، وكم أتلف سوء الظنّ نفسًا، وكم أُخذ بريء بالتخمين، وهذا من الأخطار المُردية التي تجر المجتمعات إلى ما لا تُحمد عُقباه، فمخطئ من ظنّ السراب ماء، وواهم من ظنّ التنك ذهبًا لمجرد لمعانه تحت أشعة الشمس، وإنّما حال كثير من الناس كحال مسجون في بئر لا يرى من السماء إلا قدر فم البئر، وربما لو اجتمع إليه مئات ومئات ليوضّحوا له حقيقة الأمر ما قَبِل منهم إلا إذا خرج من البئر فرأى الحقيقة بأُمّ عينه.

ولذلك ينبغي التيقّظ والاحتياط والحذر، وعدم التّسرّع في إطلاق الأحكام على النّاس فمعرفة عين الحقيقة تحتاج إلى بحث وتدبّر، ومن أراد أن يقف على الأحداث ومجريات الأمور كما هي عليه بالتحري وعدم إساءة الظن.

في هذا الزمان يحصل العكس أي عكس تحسين الظن فترى أن الكلام إذا كان له مئة محمل حسن وواحد منها سيء فتجد من يحملونه على المحمل السيء وقد لا يكون له ذلك المحمل السيء لكن نفوسهم تهيئ لهم هذا المحمل السيء فخبث نوايهم وفساد ضمائرهم يزين لهم هذا الظن الفاسد!

لعل الشيطان أو إبليس نفسه يتعلم منهم ويتعجب!

فإن سوء الظن خرب بيوتا وأسرا، ودمر عوائل وأفرادا، فرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا قائلا: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».

إذا كنت تبغي السعادة أكرم في حياتك الناس ومن حواليك بحسن الظن، والتماس الأعذار، واعلم أن سوء الظن بلوى ومصيبة هي فيروس إن سرى في دمك مجرى الدم صرت ظانا مقطعا لكل أواصر المحبة، رافعا دائما ومقدما السوء والبغضاء، وأقبح قلب هو الحامل للظن الممتلئ بالظنون والتخون والذي هو في غير محله.

حتى إني أتعجب ممن يستمع لهؤلاء لو كل واحد منا وقف لكل من يظن بأخيه شرا وسوء لانقطعت هذه الظنون الخبيثة وما وجدت لها أذنا تسمع.

فقد روي لما حصلت حادثة الإفك واتهام السيدة عائشة بالزنا وقبل أن يُنزل الله تعالى في القرءان برآءتها عن أبي أيوب الأنصاري وامراته أنّ امرأته قالت له أتسمع يا أبا أيوب ما يقولون في عائشة فأجابها نعم وذلك كذب ثم قال لأم أيوب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب فقالت لا والله ما كنت لأفعله فقال لها فعائشة خير منك.

انظروا إلى حسن ظن المسلمين بعضهم ببعض وقياس انفسهم على غيرهم قبل أن يحكموا على أحد لو كل واحد منا يفعل ذلك لم يجد أصحاب الظنون الخبيثة مدخلا يدخلون منه.

فنحن في زمن انتشر فيه الغيبة والنميمة وإساءة الظن وخبث النوايا كانتشار النار في الهشيم فهو كالسرطان ينتشر في الجسم حتى يصبح القلب أسودا خبيثا ظانا فاسدا لا يصلح معه علاج ولا دواء.

فإن سوء الظن بالمسلمين هو سرطان العصر، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنّه، احتقره في الغالب وأطلق فيه لسانه ورأى نفسه خيرًا منه ولذلك قال بعض السلف: «من حَسُن ظنّه طاب عيشه»، وإنّ مَن أحسنَ ظنه أراحَ قلبه من كثير من الآفات، أراح قلبه من الانشغال الكثير بالتفكير الذي لا خير فيه، وأراح قلبه من القلق والنكد والهم وسهّل على نفسه معاملة الناس معاملةً حسنة.

وإن علاج هذه الآفات يكون بسدّ هذه المداخل بتطهير القلب من الصفات المذمومة، فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه وينظر فيها ولا يحمل كلام الناس إلا على حسن الظن ولو كان ظاهرها غير ذلك لأن هذا يدل على صفاء القلب وطهارته وطيب حاله.

وكتب الراجي رحمة ربه

محمد عبد الجواد الصباغ

‏١٤‏/٠٧‏/٢٠١٩ ٧: ٤٠ ص‏

أضف تعليق