والتَّحذير مِن المُتعولم الَّذي يدَّعي امتلاك بُحور العلم

كشف الغطاء (7)

عن أساليب أهل الفتنة في التَّمويه على البُسطاء

الإصرار على حكاية الشُّبهة رغم تأكُّد سقوطها

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فإنَّ أهل الفتنة قوم قطعتهم الحُجَّة فسكتوا دهشةً وتحيُّرًا؛ ولهذا يرفُضون إرجاع المسائل إلى قواعد الشَّرع ويختلقون المآخذ ليُموِّهوا بها على النَّاس؛ ونحن في هذه السِّلسلة مِن المقالات نعمل على [كشف الغطاء عن أساليب أهل الفتنة في التَّمويه على البُسطاء] كي يحذَر النَّاس مكرهم.

إصرارهُم على حكاية الشُّبهة رغم تأكُّد سقوطها

اِعلم أخي القارئ أنَّ أهل الفتنة إنَّما يعتمدون على جهل المُتلقِّي لا على عقله وفهمه ولذلك يُصرُّون على حكاية الشُّبهة اعتمادًا على أنَّه لم يطَّلع على ردِّنا عليها أو اعتمادًا على أنَّه لم يبلُغْه سقوطُها المُؤكَّد بالأدلَّة والحُجج والبراهين الشَّرعيَّة شأنُهم في ذلك شأن أهل الأهواء والبِدع.

وهُم في ذلك على مكر قويٍّ وخُبث شديد لأنَّهم يعلمون أنَّ الجاهل متى اعتقد شيئًا صار انسلاخه عنه أكثرَ صُعوبة ولذلك يتغافلون عن كون شُبهتهم قد تمَّ ردُّها علميًّا لأنَّهم يهدفون إلى أخذ الجَهَلَة في الانطباع الأوَّل -قبل أنْ يتسنَّى لهُمُ المُراجعة- ليأخذونهُم بعيدًا عن الحقِّ والعياذ بالله.

ومِن ذلك ما فعله المدعو نايف عمُّورة؛ فهذا الرَّجُل تغافل عن كُلِّ الرُّدود العلميَّة الَّتي أمطرت بها الدُّنيا عليه واستمرَّ في ترديد كذباته -وما أكثرَها- مُعتمدا على قلَّة أفهام مَن يستمع له مُصدِّقًا إيَّاه فلا زال يكذب حتَّى السَّاعة غيرَ آبِهٍ بتمام الرَّدِّ عليه بالحُجة الشَّرعيَّة فعليه مِن الله ما يستحقُّ.

فقد تكلَّم المذكور في تفسير: {قَالُوا تاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} فقال إنَّ إخوة يُوسف وقتَها لم يكونوا حاضرين جميعًا وبالتَّالي فالإخوة العشرة بريئون مِن أنْ يكونوا قالوا ذلك في حقِّ أبيهم يعقوب عليه السَّلام؛ واتَّخذ الجاهل ذلك مُنطلَقًا في إنكار القول بأنَّ (العشرة) شتموا أباهُم وكفروا بذلك.

وصار الماكر يُردِّد كلمات في تخطئة الحبيب الشَّيخ جميل حليم حفظه الله بصُورة تهكُّميَّة يُريد منها الطَّعن بالشَّيخ وإسقاط نظر النَّاس إليه بعَين التَّعظيم والتَّبجيل! وغفل الجاهل أنَّ الله تعالى يُدافع عن الَّذين آمنوا وتوكَّلوا عليه وأنابوا إليه وأنَّه تعالى يرُدُّ عنهُم إنْ شاء شرَّ الأشرار وكيد الفُجَّار.

فنقول لك يا نايف عمُّورة إنَّك صغير إلى درجة أنَّك تظُنُّ أنَّ كذباتك الكثيرة على دين المُسلمين تمرُّ دون أنْ تلحق بك الفضائح في ميدان العلم ودون أنْ يُحفظ اسمك في سجلِّ الخائنين الخائبين بإذن الله تعالى ولو كُنت على الحقِّ لَمَا راوغتَ ولَمَا كذبتَ وافتريتَ ولكنَّك داعٍ إلى الفساد.

وإنَّ إخوة يُوسف عليه السَّلام العَشَرَة وإنْ لم يكونوا حاضرين لمَّا قال بعضهم لأبيهم يعقوب عليه السَّلام: {تاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} فإنَّهم قبل ذلك كانوا عَشَرَة لمَّا قالوا: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} نصَّ على هذا أكثر المُفسِّرين فقالوا: <وكانوا عَشَرَة> أي سائر الإخوة سوى بَنيامين.

فكما قال القُشيريُّ في تفسير: {تاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} ما نصُّه: <قرنوا كلامهم بالشَّتم> انتهى؛ كذلك قال في تفسير الَّتي قال فيها العَشَرَة: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ما نصُّه: <بسطوا في أبيهم لسان الوقيعة> انتهى أي شتموه والعياذ بالله؛ فأين تذهب بهذه أيُّها المُتلاعب بالدِّين!؟

فإنَّه لا خلاف في أنَّ المُراد بالنَّصِّ القُرآنيِّ أنَّ العَشَرَة قالوا: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} فلماذَا أخفيتَ أقوال العُلماء في تفسير هذه الآية!؟ ولماذَا تجاوزتَ ذلك وتغافلتَ عنه وهُو أمام عينيك لولا أنَّك صاحب فتنة وهذا يكفي ليعرف النَّاس أُسلوبك في التَّمويه على النَّاس والعياذ بالله.

فكُفَّ يا نايف عمُّورة الصَّغير عن الإصرار على ترديد الشُّبهة رغم سُقوطها المُؤكَّد في ميادين العلم بالدَّليل والحُجَّة والبُرهان فإنَّنا راصدوك بإذن الله وفاضحو كذبك على المُسلمين وعلى الدِّين وشاهدون على تحريفك لمذاهب العُلماء اتِّباعا لهوى نفسك ولُحوقًا بالفتنة وأهلها والعياذ بالله منكُم.

مِن هنا إخواني القُرَّاء وجب التَّحذير مِن أهل الفتنة وكشفُ الغطاء عن أساليبهم في التَّمويه على البُسطاء سائلين الله تعالى أنْ يُؤتينا الفضل وأنْ يرحمنا برحمته الواسعة في الحياة الدُّنيا ويومَ القيامة وأنْ يجمعنا وأحبابنا في دار السَّلام والنَّعيم المقيم آمين إنَّه على ما يشاء قدير.

انتهى.

‏٢٩‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ٦: ٣٨ ص‏

لا تكذب

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “إِنِّي لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا” رواه الطبرانيّ معناه لا كذب ولا إيذاء ولو في المزح.

‏٢٩‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١٢: ٥٣ ص‏

الصدق خصلة محمودة

قال ابن كثير: الصدق خصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا.

اللهم اجعلنا من الصادقين ومع الصادقين

‏٢٩‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١٢: ٥٢ ص‏

ترجمة الشيخ عبدالله الهرري

هو المرشد المربي، الولي الصالح، العالِم الجليل، قدوة المحقّقين، عمدة المدقّقين، صدر العلماء العاملين، الإِمام المحدّث، التقي الزاهد، الفاضل العابد، صاحب المواهب الجليلة، الشيخ أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمَّد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الشَّيبي العبدري القرشي نسبًا الهرري موطنًا المعروف بالحبشي رضي الله عنه وأسكنه فسيح جناته.

‏٢٨‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١١: ٥٢ ص‏

حُكم مَن يقول لا يُؤخذ مِن خلال فيسبوك.

إنَّ مسائل التَّكفير شأن خطير وأنتَ لو نشرتَ مسألة في حُكم (مَن قال كلمة ما فإنَّه يكفُر) وكان القارئ يفهم مِن الكلمة غير ما مُؤدَّاه الكُفر ومع ذلك اعتقد الحُكم بالتَّكفير فقد أدخلتَ إليه الضَّرر العظيم.

اُنشُر العلم وانشُر الخير ولكن بحيث لا تُدخل ضررًا على أحد وبحيث لا تُنفِّر أحدًا مِن تعلُّم علم الدِّين عند أهل السُّنَّة والجماعة ولك في العُلماء أسوة حسنة وهُم لم يفتحوا مجالس مُخصَّصة لمثل ذلك.

ثُمَّ يُوجد قُيود قد تمنع الكُفر عن قائل عبارة ما؛ فلا ينطبق عليه الحُكم كما ينطبق على غيره؛ وليس بين القارئ وبين فيسبوك عارف ثقة يشرح له ويحكُم بوجود القيد مِن عدمه فكونوا أذكياء في طلب العلم.

حُكم مَن يقول؛ باب واسع لا تحكُم فيه اللُّغة وحدها وإنَّما فَهْمُ المُتلفِّظ بالكلمة كذلك فلو كانت العبارة صريحة في الكُفر ولم يفهم المُتلفِّظ لها معنًى كُفريًّا لا نحكُم عليه بالكُفر وليس كُلُّ أحد مِن النَّاس ذا ذهن قوي.

ثُمَّ قد يدخُل في الاعتبار كونُه حديث عهد بإسلام ونحوه أو لا؛ ويدخُل غيره في الاعتبار قبل الحُكم بتكفير المُتلفِّظ بعبارة -هذا لو كانت صريحة في الكُفر- فما بالك بكثير مِن العبارات مُحتمِلة للتَّأويل.

والخُلاصة أنَّ تعلُّم علم الدِّين لا يكون بالاقتصار على مسائل حُكم مَن يقول ولا على مسائل جوابُها كَفَر أو لم يكفُر؛ بل وكثير مِن هذه المسائل يحتاج المُفتي فيها أنْ يسأل وأنْ يستوضح أشياء وأشياء.

ولذلك فإنَّنا نُشجِّع على تلقِّي القواعد الَّتي تُساعد على معرفة حُكم مَن يقول ولا سيَّما كتاب [جَلَاءُ الفَوَائِدِ مِن ثَنَايَا القَوَاعِدِ] للشَّيخ سمير القاضي حفظه الله وفيه شرح لكتاب [قَوَاعِد مُهِمَّة] لإمامنا الهرريِّ رحمه الله.

انتهى.

‏٢٧‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ٩: ٤٣ ص‏

مَن رأيتُمُوه يضع على فيسبوك مسائل (يكفُر ولا يكفُر) ويُكثر منها فاضربوا بحسابه عرض الحائط فإنَّه لو أخطأ مرَّة فهذا ضرره عظيم.

‏٢٦‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١٢: ٣٤ ص‏

إلى المُتسرِّع بالحُكم فيما يُقال أو لا

والتَّحذير مِن المُتعولم الَّذي يدَّعي امتلاك بُحور العلم

الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله.

1

وبعد فاتَّقِ اللهَ أيُّها المُتسرِّع بالحُكم فيما يُقال أو لا؛ لأنَّ الفتوى بغير علم: ذنب كبير يجب التَّوبة على مَن وقع به؛ والأمر في التَّكفير أشدُّ خطرًا لأنَّ إطلاق حُكم التَّكفير لا يجوز لغير العالِم الَّذي اكتملَت فيه آلة الاجتهاد، وليس لنا نحن العامَّة إلَّا النَّقل، على أنَّ النَّقل له مواضعُه وله أهلُه.

2

ثُمَّ إنَّ التَّسرع في الحُكم فيما يُقال أو لا؛ له عواقبُ ثلاثة: عليك؛ وعلى إخوانك؛ وعلى دعوتك. فأمَّا عليك؛ فقد ورد في الحديث: <مَن أفتى بغير علم لعنته ملائكة السَّماء والأرض> وورد في الحديث كذلك: <مَن أفتى بغير علم فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين> انتهى.

3

وأمَّا على إخوانك؛ فإنَّك لو كُنتَ عندهم محلَّ ثقة ونقلتَ لهم الخطأ فأخذوا به منك فإنَّ هذا يتسبَّب بشُيوع المعلومات المغلوطة فيمَن هُم حولك وفي مُجتمعك؛ في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى مَن يُصلح ما أفسد النَّاس؛ فكُن أخي عند حُسن ظنِّ إخوانك وأحبابك بك ولا تتسرَّع بالفتوى.

4

وأمَّا على دعوتك؛ فإنَّك لو تسرَّعت في الحُكم بما يُقال أو لا؛ تكون تقوَّلت على مشايخك ما لم يقولوا به فيزدريهم النَّاس ويبتعدوا عنهُم؛ وتكون قد فتحت الأبواب للجَهَلَة المُتعولمة المُتصولحة -كأهل الفتنة- ليتصدَّروا الكلام في الدِّين عند العامَّة وليأخذوا المشايخ بما لم يُخطئوا فيه.

5

وقد حصل بالفعل منذ يومَين أنِ انبرى واحد مِن أهل الفتنة مِن أجهل خلق الله -في كُلِّ علم كونيٍّ وشرعيٍّ- وصار يُنكر على المشايخ ما لم يقولوا به حتَّى يُشوِّش على النَّاس وحتَّى يخدعَهم ليتوصَّل بذلك إلى تنفير النَّاس مِن الجلوس إلى عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة والعياذ بالله تعالى.

6

وقد لجأ المفتون إلى (غوغل) لِيُموِّه على البُسطاء بادِّعاء امتلاك بحور الأدلَّة! أصاب في كلمة وغفل عن أُخرى؛ أصاب في أنَّ الإضافة لا تكون للتَّشريف دائمًا (وقد أخذ هذا عنَّا)؛ وغفل عن الأُخرى فلم يعرف تسميتها وهي (إضافة الخلق) أي الإضافة الَّتي تُفيد كون الشَّيء مخلوقًا لله.

7

فبرِّئ مشايخك ممَّا لم يقولوا به ولا تنسب لهُم الشَّيء بناء على الوهم والخلط فإنَّ أهل الفتنة يفرحون بذلك، وإذَا قال لك شيخك “لا ندخل في أمر” فلا تتكلَّم أنت حيث سكت هُو ولا تكن قليل الفهم فتظنَّ أنَّه حرَّمه لمُجرَّد أنَّه سكت فإنَّ بين الأمرَين فرق كبير لمَن علم أنَّه ليس مِن أهل القياس.

8

بعض المُتسرِّعين لعلَّه يقول في نفسه: (أنا أحكُم بالكُفر في مسألة لأنَّه لم يظهر لي غير ذلك) وهُو أقلُّ علمًا مِن أنْ يتبيَّن الوُجوه بل ولا يضبط قواعد التَّكفير فضلًا عن قواعد العربيَّة؛ فليقعُد عن المبادرة إلى الكلام وليسكُت حتَّى يكون عنده نقل وليكُن أمينًا في نقل ما يتلقَّاه ضابطًا له بحروفه.

9

وبعضهم لعلَّه يقول في نفسه: (أرُدُّ أو أقبلُ المسألة لأنَّني لم أرَ فيها إلَّا ما يدُلُّ على وُجوب ردِّها أو قبولها)؛ فمَن الَّذي أصرَّ عليه ليُبدي لنا رأيه وليُخبرنا بما يرى أو لا يرى وما محلُّ رأيه مِن الاعتبار أساسًا! فليته يكفي نفسه ويكفينا تعبيره عن رأيه في هذه المسألة أو تلك.. حتَّى يتعلَّم.

10

وأنصحُكم إخواني بعدم الخوض في النَّهي عن شيء ما لم يكن عندكم في ذلك علم أخذتموه عن العارف الثقة العدل الضَّابط. ومَن رأيتُمُوه يضع على فيسبوك مسائل (يكفُر ولا يكفُر) ويُكثر منها فاضربوا بحسابه عرض الحائط ولا تلفتوا إليه فإنَّه لو أصاب مرَّة وأخطأ مرَّة فهذا ضرر عظيم عظيم.

انتهى.

‏٢٥‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١١: ٣٢ ص‏

بيانُ جمعيةِ المشاريعِ الخيريةِ الإسلاميةِ فيما يتعلَّقُ بمرضِ الكُورونا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ يفعلُ ما يشاءُ وصلى اللهُ وسلَّمَ على سيدِنا محمدٍ المتوكِّـلِ على خالقِهِ وعلى ءَالِهِ وصحبِهِ.

أمَّا بعدُ فقدْ كثرَ الكلامُ فِى أيامنا عنِ انتشارِ مرضِ الكُورُونا فِى بلادٍ كثيرةٍ وأدلَى كلٌّ مِنَ الجاهلِ والعارفِ بدلوِهِ فِى المسائل المتعلقةِ به والأحاديثِ الواردةِ فِى العدوَى والأوبئةِ فأصابَ العارفون وخَبَطَ غيرُهم فِى ذلك خَبْطَ عشواءَ.

ومِمَّا ينبغِى معرفتُهُ مِمَّا يتعلَّقُ بذلك ما يَلِى

أولًا. لا يَصِحُّ أن يُقاسَ هذا المرضُ بالطاعونِ وما شابهَهُ منَ الأوبئَةِ إذْ إنَّ نسبةَ الوَفَياتِ فِى المصابينَ به غيرُ مرتفعةٍ والأغلبيةُ الساحقةُ مِمَّن تَحَقَّقَتْ إصابتُهُم به يُشفَوْنَ منه بل معظمُ مَن يُصابُ به يُشفَى بلا مداواةٍ.

ثانيًا. هل ينتقلُ هذا المرضُ بالعدوَى مِن مريضٍ إلى مريضٍ ءَاخَرَ أو لا؟ قال العلماءُ أمَّا على معنَى انتقالِ المرضِ بالطبعِ مِن غيرِ مشيئةِ اللهِ تعالى ولا تقديرِهِ فلا لأنَّ كلَّ شَىْءٍ فِى العالمِ يحصُلُ بإرادةِ اللهِ تعالى وتخليقِهِ بلا استثناءٍ، وأمَّا على معنَى أنْ تكونَ مخالطةُ الصحيحِ للمريضِ سببًا لإصابتِهِ بالمرضِ فهذا مِمَّا اختلفَ أهلُ العلمِ فيه فقال قسمٌ يحصُلُ ذلك بمشيئةِ اللهِ تعالى فيكونُ مرضُ الأولِ سببًا لمرضِ الثانِى وقد يتخلَّفُ ذلك فلا يحصُلُ رغمَ المخالطةِ أىْ إذا لم يشإِ اللهُ ذلك كما هو معتادٌ فِى الأسبابِ واحتجَّ هؤلاءِ بحديثِ [فِرَّ منَ المجذومِ فرارَكَ منَ الأسدِ] وحديثِ [لا يحُلَّ ممرضٌ على مصحٍّ] ونحوِهِما منَ الأحاديثِ ومِمَّن ذهبَ إلى هذا البيهقِىُّ وابنُ الصلاحِ والنووىُّ وغيرُهُم، وقال قسمٌ ءَاخَرُ مِنَ العلماءِ لا يكونُ مرضُ أحدٍ سببًا لمرضِ غيرِهِ وإنما يبدأُ اللهُ المرضَ فِى الثانِى كما يبدأُهُ فِى الأولِ وقالوا الأمرُ بالفرارِ منَ المجذومِ ليس فيه النصُّ على أنَّ ذلك للعَدْوَى وكذلكَ الحديثُ الآخَرُ، فلمَّا صحَّ حديثُ [لا عدوَى] وحديثُ [لا يُعدِى شَىْءٌ شَيئًا] وحديثُ [ولْيَحُلَّ المصِحُّ حيث شاءَ] دلَّ ظاهرُ ذلك على أنَّ سببَ النَّهْىِ ليس التسبُّبَ بالعدوَى ولكنِ المجذومُ إذا خالطَهُ الصحيحُ البدنِ السليمُ مِنَ الآفةِ ازدادَتْ حسرتُهُ، وربما صدَرَ مِنَ السليمِ ما يُضايقُ العليلَ لِمَا يكونُ فِى نفسِهِ منَ النُّفرةِ مِن مرضِهِ أو يقول إذا أصابه المرضُ لولاه لَمَا مرِضْتُ فينكسِرُ خاطرُ المجذومِ ويتأذَّى فلذلك نُهِىَ عن مخالطتِهِ، وكذلك المريضُ بنحوِ الجذامِ لا ينبغِى له أن ينزل على الصحيح فيؤذيَهُ لأنَّ الأنفسَ تكرهُهُ فنَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك للأذَى لا للعدْوَى، وأما الصحيحُ فله أن ينزلَ محلةَ المريض إنْ صبرَ على ذلك واحتملَتْهُ نفسُهُ ولو كان النَّهْىُ للعدوَى لَمَا أُذِنَ للصحيحِ فِى النزولِ على المريضِ اهـ ورُوِىَ هذا القولُ عن كثيرينَ منهمُ الأئمةُ مالكٌ وابنُ وهبٍ والطبرِىُّ وإليه ذهبَ الباجِىُّ والقرطبِىُّ والحافظُ ابنُ حجرٍ وغيرُهُم، وأجابَ الأوَّلونَ بتأويلِ حديثِ [لا عدوَى] وأنَّ المرادَ منه أنَّ المرضَ لا يُعدِى بطبعِهِ وليس معناهُ نَفْىَ انتقالِهِ مِن شخصٍ إلى ءَاخَرَ بمشيئةِ اللهِ واللهُ أعلمُ اهـ

ثالثًا. أمَّا السبيلُ الذِى ينبغِى سُلوكُهُ مع الناسِ عند الكلامِ معهم عن هذا المرضِ فنقولُ كان شيخُنا الهررىُّ رحمه اللهُ إذا سُئِلَ عن هذه الأحاديثِ ذكرَ التفسيرَ الأولَ أحيانًا وذكرَ التفسيرَ الثانِىَ فِى أحيانٍ أخرَى ولعلَّ ذلك لاختلافِ أحوالِ السائلينَ ومدَى تمكّنهم فى العلم، ولا ضرر فى ذلك طالما أنَّ المسئلةَ خلافيةٌ غيرُ قطعيةٍ.

ولا يخفَى أنَّ مَدارَ القولينِ على أنَّ المرضَ إنما يحدُثُ بتقديرِ اللهِ وقُدرتِهِ لا بمجرَّدِ طبعِهِ وأنَّ المخالطةَ قد تحصلُ ولا يحصُلُ المرضُ عَقِبَها، فإذا كان الأمرُ كذلك فنحنُ نكْتَفِى فِى الكلامِ مع الناسِ بذكْرِ هذا المقدارِ أىْ بذِكْرِ أنَّنا نعتقِدُ بحصولِ المرضِ بمشيئةِ اللهِ وبخلقِهِ وأنَّ الخالقَ هو اللهُ لا المرضُ بطبعِهِ من غير زيادةِ تفصيلٍ وأنَّ أمراضًا معينةً تنتشِرُ بسرعةٍ كبيرةٍ أكثرَ مِن غيرِها وهذا واقعٌ مشاهَدٌ، فإذا انتشرَ المرضُ ساهَمْنا بقدرِ طاقتنا فِى الإعانةِ بالدواءِ والوقايةِ على ما يُوافقُ الشرعَ لا على ما يُخالفُهُ ولا على ما تقودُ إليه الوسوسةُ والأوهامُ والخوفُ الذِى يمنعُ صوابَ التفكيرِ.

ثم لا بأسَ بسُلوكِ طريقِ الوقايةِ مِن غيرِ مبالغةٍ تتعدى الحدودَ ولا ضعفٍ فِى التوكُّلِ على اللهِ فمن فعلَ ذلك لم نُنكِرْ عليه ولم نَلُمْهُ، وكيفَ نلومُهُ على أخذِهِ فِى الأسبابِ على الوجهِ الذِى أذنَ به الشَّرعُ لوقايةِ نفسِهِ مِن ضرَرٍ يخشاهُ، وكذلك إذا وجدنا مَن قَوِىَ توكُّلُهُ فَخَدَمَ المرْضَى وخالطهم وعلَّمهم وداواهُم وراعَى حاجاتِ عيالِهِم وءَانَسَهُم بطعامٍ وحديثٍ لوجهِ اللهِ تعالى لم نُنكِرْ عليه ولا عِبْناه بذلك كيفَ وهو يفعلُ ما أمرَ به الربُّ وحثَّ عليه الدينُ.

وليُتَنَبَّهْ هُنا إلى أنَّ دينَنا الحنيفَ حثَّ على النظافةِ فِى الأحوالِ كلِّها وعلى سترِ الفمِ عند العُطاسِ وعدمِ النفخِ على الطعامِ الساخِنِ لتبريدِهِ وعلى غسلِ اليدينِ قبل الطعامِ إن كانتا متقذِّرَتَينِ وغسلِهِما بعد الطعامِ مِنَ الدسومةِ ونحوِها وكذا على غسلِ الفمِ والاستياكِ فِى الليلِ والنهارِ وعلى تجديدِ الوضوءِ زيادةً على وضوءِ الفرضِ وعلى اغتسالاتٍ مسنونةٍ زيادةً على المفروضةِ وأمرَ بمنعِ التضمُّخِ بالنجاساتِ وأوجبَ التطهُّرَ منها والاستنجاءَ للصلاةِ وكرِهَ قضاءَ الحاجةِ فِى أماكنِ اجتماعِ الناسِ وفِى طريقِهِم إلى غيرِ ذلك مِن أمورٍ طلبَها الشرعُ وهِىَ تدخُلُ أيضًا فِى بابِ التنظُّفِ والتطهُّرِ، ويكفِى فِى ذلك تعاضُدُ الأحاديثِ فِى الحثِّ على النظافةِ كحديثِ الترمذىِّ أنَّ اللهَ تعالى يُحبُّ النظافةَ اهـ وحديثِ الطبرانِىِّ فِى الأوسط الإسلامُ نظيفٌ فتنظَّفُوا اهـ وغيرِهما، فإذا راعَيْنا هذه الآدابَ وما كانَ مثلَها مِمَّا دعا الشرعُ إليه بالنيةِ الخالصةِ للهِ جلَّ وعزَّ كان لنا الثوابُ فِى الآخرةِ والمنفعةُ فِى الدُّنيا وإذا خالفناها أو وضعناها خلفَ ظهورِنا أو أهملنا إخلاصَ النيةِ فيها أو أبدلنا عاداتِ الرَّعاعِ بعاداتِ الساداتِ خسرنا مهما تَعِبْنا فِى ذلك.

واللهُ تعالى أعلم.

‏٢١‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١١: ٣٥ ص‏

أضف تعليق