ولو دلَّ الحساب على عدم إمكان الرُّؤية
الحمد لله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فاعلم وفقك الله أنَّ شهادة العدل برؤية الهلال مقبولة ولو قال أهل الحساب إنَّه دلَّ على عدم إمكانها؛ وذلك لأنَّ الشَّارع ألغى العمل بالحساب -في هذا الباب- بالكُليَّة، وعليه فإنَّه لا يُعوَّل على قول مَن (ردَّ شهادة العدل بناء على قول أهل الحساب باستحالة رُؤية الهلال في تلك اللَّيلة).
2
والقول المردود يُنسَب للتَّقيِّ السُّبكيِّ ولكن لا يُعوَّل عليه بل ردَّه الفُقهاء الشَّافعيَّة والحنفيَّة وغيرهم إذ الإجماع مُنعقد على ترك حساب المُنجِّمين فليس ممَّا يسوغ الاجتهاد فيه لدلالة الكتاب والسُّنَّة وإجماع الفُقهاء؛ ذكر ذلك الباجي وابن رُشد الحفيد والجصَّاص والحطَّاب الرُّعينيُّ وغيرهم.
3
وعليه فإنَّه لا يُلتفَت إلى قول مَن ساوى مَن راقب الهلال -في ليلةٍ قال أهل الحساب إنَّ الرُّؤية فيها غير مُمكنة في العادة- بمَن بحث عن الشَّمس في مُنتصف اللَّيل؛ فإنَّ البحث عن الشَّمس في مُنتصف اللَّيل عبث لا يُشبه مَن التزم الشَّرع فخرج لمراقبة الهلال دون أنْ يلتفت إلى كلام أهل الحساب.
4
وإنَّ العماد في هذا الباب قول رسولنا الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم: <صُومُوا لرُؤيتِهِ وأفطرُوا لرُؤيتِهِ، فإنْ غُمَّ عليكُم فأكمِلوا عِدَّةَ شَعبانَ ثَلاثينَ> انتهى وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: <إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ> رواهُما البُخاريُّ ومُسلم.
5
فلمَّا دلَّ كلام الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام على امتناع البناء على حساب الشَّهر مرَّة تسعة وعِشرين ومرَّة ثلاثينَ؛ امتنع البناء على الحساب في إبطال ردِّ شهادة العدل بكُلِّ حال؛ فلا حُجَّة في فكرة تمسَّك بها بعض المُتسرِّعين تقول إنَّ الحساب مُلغًى في إثبات دُخول الشَّهر الكريم لا في نفي دخوله.
6
والتَّقيُّ السُّبكيُّ على تقدير كونه قال بالقول المُخالف؛ وعلى تقدير كونه مُجتهدًا؛ فإنَّه لا يُعمل بقوله هذا ولا يُعوَّل عليه لمُخالفته النَّصَّ الشَّرعيَّ لأنَّه لا اجتهاد مع النَّصِّ؛ وقد علمتُم قول الإمام مالك رضي الله عنه: <كُلٌّ يُؤخذ مِن كلامه ويُردُّ إلَّا صاحب هذا القبر صلَّى الله عليه وسلَّم> انتهى.
7
وقال شمس الدِّين الرَّمليُّ في [نهاية المحتاج]: <وشمل كلام المُصنِّف ثُبوته بالشَّهادة ما لو دلَّ الحساب على عدم إمكانيَّة الرُّؤية وانضمَّ إلى ذلك أنَّ القمر غاب ليلة الثَّالث على مُقتضى تلك الرُّؤية قبل دُخول وقت العشاء لأنَّ الشَّارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكُليَّة وهُو كذلك كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى خلافًا للسُّبكيِّ ومَن تبعه> انتهى.
8
وقال ابن عابدين الحنفيُّ في [الدُّرِّ المُختار]: <مَطْلَبٌ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ الْحِسَابِ مَرْدُودٌ: قُلْت مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ رَدَّهُ مُتَأَخِّرُو أَهْلِ مَذْهَبِهِ مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيُّ فِي شَرْحَيْ الْمِنْهَاجِ، وَفِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ الْكَبِيرِ الشَّافِعِيِّ: (سُئِلَ عَنْ قَوْلِ السُّبْكِيّ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الشَّهْرِ وَقَالَ الْحِسَابُ بِعَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عُمِلَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَهَلْ يُعْمَلُ بِمَا قَالَهُ أَمْ لَا؟ وَفِيمَا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّهْرِ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، فَهَلْ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ الْهِلَالَ إذَا كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا يَغِيبُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ نَاقِصًا يَغِيبُ لَيْلَةً أَوْ غَابَ الْهِلَالُ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ <لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ الثَّالِثَةَ> هَلْ يُعْمَلُ بِالشَّهَادَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ نَزَّلَهَا الشَّارِعُ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ (((وَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ مَرْدُودٌ رَدَّهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ)))، وَلَيْسَ فِي الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ مُخَالَفَةٌ لِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجْهُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَعْتَمِدْ الْحِسَابَ، بَلْ أَلْغَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: <نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا> وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْحِسَابُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّبْكِيُّ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ.. إلَخْ لَا أَثَرَ لَهَا شَرْعًا لِإِمْكَانِ وُجُودِهَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الشَّهَادَاتِ> انتهى كلام ابن عابدين.
9
وقال الجردانيُّ في [فتح العلَّام]: <والمُعتمد عندنا: أنَّ شهادة العدل تُقبل وإنْ قال المُنجِّمون إنَّ الحساب القطعيَّ قد دلَّ على عدم إمكانها> إلى آخِرِ كلامه.
10
هذا؛ ولم نطلب استقصاء الأقوال ولا استيفاء كُلِّ نقل في الباب فإنَّ المقام أضيقُ؛ ولكنَّه قَدْرٌ كافٍ لمَن لم يأخذ التَّكبُّر بناصيته ولم يصفعه سُوء الخُلُق على نُقرة قفاه؛ سائلين الله لنا وله الهداية والرَّشاد والتُّقى والأمداد وترك مُخالفة العُلماء العاملين الثِّقات الضَّابطين تكبُّرًا وتمظهُرًا بالعلم.
* نهاية المقال.
Apr 24, 2020, 11:22 AM
