يُشجِّعون العامَّة على قول الألفاظ المُكفِّرات ويرُدُّون ما جاء في القُرآن والحديث الثَّابت

التَّحذير مِن أهل الفتنة:

يُشجِّعون العامَّة على قول الألفاظ المُكفِّرات

ويرُدُّون ما جاء في القُرآن والحديث الثَّابت

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فكما يجب التَّحذير مِن التَّكفير بغير حقٍّ؛ كذلك يجب التَّحذير مِن أولئك الَّذين يجعلون أمر الكُفر خفيفًا وهُو عند الله عظيم؛ فمِن أكبر الخيانات غِشُّ النَّاس في أمر الدِّين وإيهام مَن كَفَر بأنَّه لم يكفُر فيفوتُه الاستدراك بالعودة إلى الإسلام فيهلك يوم القيامة والعياذ بالله.

2

إنَّ هذا الباب مِن أعظم الأبواب في المباحث الدِّينية كونه يتوقَّف عليه أُمُور خطيرة يتعلَّق بها مصير الإنسان يومَ القيامة؛ وهي أنَّ مَن ارتدَّ عن الدِّين فقد حبط عملُه؛ ومَن مات على الكُفر فلن يغفر الله له؛ قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}.

3

فلمَّا كان الأمر بهذه الخُطورة والأهميَّة لم يكن مِن المشروع أنْ يتكلَّم فيه العاميُّ بغير علم فيُخالف أقوال العُلماء العاملين أهل الثِّقة والورع؛ وقد وجب التَّحذير ممَّن يُوهمون العامَّة أنَّ الكُفر والرِّدَّة عن الإسلام أمر خفيف لأنَّ ذلك تشجيع لهُم على التَّجرُّؤ على قول الألفاظ المُكفِّرات.

4

ومَن كان يُؤمن بالله فإنَّ الله تعالى يقول: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. وكثير مِن العامَّة يخوضون في مثل ذلك والعياذ بالله؛ فأين يذهب أُولئك الَّذين قالوا لهُم: (هذا أمر خفيف ليس فيه كُفر)!؟

5

والكُفر بالله قد يكون بالكلمة الواحدة ولو لم تقترن باعتقاد فإنَّ الله تعالى يقول: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ}. فمَن لم يضبط عن الثِّقة العارف تلك القواعد الَّتي يُعرف بها ما يُوقع في الكُفر كيف يتجرَّأ على إنكار كُفر مَن كذَّب الشَّرع والدِّين!؟

6

ومَن كان يُؤمن برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُهوِّن على النَّاس حصائد ألسنتهم ولو كان فيها تكذيب للدِّين فإنَّ ذلك عظيم جدًّا وإنَّ نبيَّنا صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: <ثكلتك أُمُّك يا معاذ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّار عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!> انتهى.

7

إنَّ أهل الفتنة الَّذين أنكروا ما أخذناه عن الثِّقات في (مسائل حُكم مَن يقول) لا عبرة بآرائهم عند الله تعالى فإنَّ آراءهُم لا تُغنيك شيئًا لأنَّ العبرة بقول العالِم العامل؛ لا بقول كُلِّ جاهل ثرثار عرَف قيدًا وغابت عنه قُيود أُخرى كثيرة ثُمَّ شرع يهرِف بما لا يعرف في هذا الأمر الخطير.

8

ولو كان المُخالفون الجَهَلَة على حقٍّ لَمَا درج عُلماء الإسلام على النَّهي عن كثير مِن الألفاظ الكُفريَّة الَّتي شاعت على ألسنة العامَّة؛ فصنَّف البدر الرَّشيد -فقيه حنفيٌّ مِن القرن الثَّامن- رسالة [الألفاظ المُكفِّرات] شرحها مُلَّا عليٌّ القاري الحنفيُّ؛ ووضع غيره مِن الفُقهاء تصانيف أُخرى.

9

وهذه المسائل الَّتي يُنكرها أهل الفتنة ليس فيها إلَّا الحُكم بالكُفر على مَن نطق بكلام يُكذِّب الدِّين والمُتكلِّم يعرف معنى ما نطق به؛ ويعرف أنَّ ما كذَّبه هُو مِن الدِّين؛ أو أنَّه كذَّب شيئًا مِن أُصول الإيمان لا يُعذر فيه عالِم ولا جاهل؛ فأيَّ شيء يُنكر أُولئك الجَهَلَة المُتصولحة!؟

10

وإنَّ بعض أهل الفتنة يزعُمون أنَّ المُتكلِّم باللَّفظ الكُفريِّ لا يكفُر ولو كان عالِمًا بمعناه ما لم يعتقده وما لم ينشرح له صدرُه؛ وهذا منهُم قول فاسد باطل لا يستقيم إلَّا في أمر المُكره بالقتل على الكُفر؛ وليس كُلُّ أحد في حُكم المُكره على الكُفر، فويل لهُم ممَّا يفترون ويُجرمون.

11

ويُنكر أهل الفتنة على المُفتي إنْ لم يذكُر كُلَّ قيد في كُلِّ مسألة؛ وهذا جهل منهُم فإنَّه لا يجب على المُفتي ذكر كُلِّ قيد في الجواب؛ وهُو يعرف لسان أهل البلد؛ فمَن تلفَّظ بصريح الكُفر أمام مَن يعرف لسانه ولُغته في سياق لا يدُلُّ على سبق اللِّسان فلا حرج عليه لو كفَّره فورًا.

12

ويقع الإنسان في الكُفر ولو كذَّب حُكمًا شرعيًّا واحدًا وهُو يعرف أنَّه مِن شرع الله؛ ولا يُشترط أنْ يُنكر وُجود الله ليصير مُرتدًّا؛ بل لو عرف حُكمًا واحدًا ولو لم يكن معلومًا مِن الدِّين بالضَّرورة فكذَّبه في جِدٍّ أو هزل فقد ارتدَّ عن الدِّين بلا خلاف بين عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة.

13

ويقول بعض أهل الفتنة إنَّ العبد لا يكفُر بالله مهمَا قال أو فعل أو اعتقد إلَّا لو كان يعرف أنَّ حُكمَ ذلك كُفرٌ؛ وهذا قول في غاية الفساد والبُطلان؛ فإنَ الله سُبحانه وتعالى يقول: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا – الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}.

14

ويرُدُّ عليهم حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: <إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النَّار سبعين خريفًا> حسَّنه التِّرمذيُّ وروى في معناه البُخاريُّ ومُسلم، وقوله: <لا يرى بها بأسًا> أي لا يراها ضارَّة له في دينه واستوجب أنْ يستقرَّ في قعر جهنَّم حيث لا يصل مُسلم.

15

وأهل الفتنة في إنكارهم فتاوى الشَّيخ نبيل الشَّريف حفظه الله فإنَّهم يُنكرون عن النَّهي عن الألفاظ الَّتي تشتمل على تكذيب الدِّين والعياذ بالله وإنَّ عملهم يعني التَّشجيع على الكُفر وفيه ردٌّ على ما ورد في الآيات والأحاديث النَّبويَّة الصَّحيحة الثَّابتة؛ فنسأل اللهَ السَّلامة مِن الكُفر والضَّلال.

نهاية المقال.

‏١٥‏/٠٦‏/٢٠٢٠ ١٢: ٣٠ م‏

أضف تعليق