الرَّدُّ على مَن أنكر وُجوب التَّشهُّد على المُرتدِّ (3/3)

كشف كذب وافتراء أهل الفتنة

الرَّدُّ على مَن أنكر وُجوب الشَّهادتَين على المُرتدِّ (1/3)

الإجماع على أنَّ المُرتدَّ لا يرجع إلى الإسلام إلَّا بالشَّهادتَين

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

وبعدُ فقد كذَّب أهل الفتنة فقال جاهلُهُم الطَّاعن بالعُلماء العاملين المُتكبِّر عن قبول الحقِّ: <كفَّرني داعية الأحباش على فايسبك لأنِّي قلتُ إنَّ بعض العُلماء لم يشترط النُّطق بالشَّهادتَين لصحَّة الإيمان بين العبد وربِّه> إلى آخر كلامه وهو كذب صريح يُخادع به النَّاس وما يخدع به في الحقيقة إلَّا نفسه وأصحابه مِن أهل الفتنة والعياذ بالله تعالى.

2

والحقُّ أنِّي ما كفَّرتُه لأجل ذلك لأنَّه يوجد قول عند بعض العُلماء -وهُو قول غير مُعتبر بكُلِّ حال- وهذا القول ينُصُّ أنَّ الكافر الأصليَّ إنْ صدَّق في قلبه بلا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله يكون مُؤمنًا عند الله. وهذا القول وإنْ كان غير مُعتبر لكنَّنا لا نقول بتكفير مَن قال به ولكنَّ المُتكبِّر جعله في المُرتدِّ بينما هُو في الكافر الأصليِّ وليس في المُرتدِّ.

3

فأهل الفتنة يتقوَّلون علينا كعادتهم فيفترون الكذب ويخلِطون حُكم مسألة بحُكم مسألة أُخرى إمَّا بسبب أفهامهم السَّقيمة وإمَّا اعتمادًا على جهل أصحابهم مِن الزَّائغين الضَّالين بتحقيق هذه المسائل، فبين أنْ يكون القول المذكور آنفًا في الكافر الأصليِّ وبين أنْ يكون في المُرتدِّ فرق كبير لا يخفى إلَّا على قليل البضاعة مِن العلم الشَّرعيِّ الصَّحيح.

4

أمَّا المُتكبِّر فقد خلط بين حُكم في الكافر الأصليِّ وبين حُكم في المُرتدِّ وصرَّح أنَّ الحُكم في المُرتدِّ فقال المُتكبِّر: (فإنْ أقلع عن ردَّته يكون مُسلمًا ولا يحتاج إلى التَّشهُّد لا في صلاة ولا في غيرها) انتهى بحُروفه والعياذ بالله وهذا القدر كاف في بيان شدَّة جهله فحقَّ قولُنا فيه إنَّه داع إلى جهنَّم وبئس المصير ونسأل الله السَّلامة ممَّا ابتلاه به.

5

ولجأ المُتكبِّر إلى الكذب كي يُخبِّئ تكذيبه للشَّرع ويَشغَل أصحابه مِن أهل الفتنة عن التَّنبُّه إلى جريمته وإلَّا افتُضح كونُه مُتمشيخًا جاهلًا يفتح أبواب الكُفر ويسوق النَّاس إلى جهنَّم ولا يرحم أُولئك الضُّعفاء مِن أصحابه أهل الفتنة هداهُمُ الله وقد صرَّح لي واحد منهُم أنَّ كلام المُتكبِّر مردود عنده وأنَّه يأخُذ بما قرَّره شيخُنا الهرريُّ -رحمه الله- في المسألة.

6

ويبقى أنْ أُنبِّه إلى أمر وهُو أنَّ قول الغزاليِّ بأنَّ الكافر الأصليَّ لو صدَّق بقلبه بلا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله مع كونه قولًا غير مُعتبَر -لأنَّه خالف قول إمام مذهبه ولم يُوافق غيره مِن الأئمَّة المُجتهدين- فهُو قول في الكافر الأصليِّ الَّذي لم تُعرَض عليه الشَّهادتانِ فيأبَى أمَّا مَن عُرِضَت عليه الشَّهادتانِ فأبَى فهُو كافر اتِّفاقًا بلا خلاف.

انتهى.

Dec 21, 2020, 7:02 AM

الرَّدُّ على مَن أنكر وُجوب التَّشهُّد على المُرتدِّ (2/3)

الشِّهاب الحارق لشُبهة مَن قاس مع الفارق

المُتكبِّر (المقهور) يحاول الهرب فيزداد سُقوطًا

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله ونسأل الله تعالى أنْ يرزقنا الإخلاص.. فإنَّه لا خلاص إلَّا بالإخلاص.

وبعدُ فقد حيَّرني المُتكبِّر في جهله وضعفه الَّذي تأكَّد لكُلِّ مَن يُتابع ما يفتريه الجهول ويخلط فيه بين المسائل المُختلفة. ولا أدري لماذَا كُلَّما هممتُ بضربه على تثاقل همَّة في ذلك احترتُ مَن أكبر وأكثر صدمة بانكشاف جهل و(تهور) المُتكبِّر -وقد كان مستورًا حتَّى ضربناه- أهُو أكثر صدمة بجهله ممَّن حوله.. أم هُم أكثر منه بجهله صدمة!؟

ولا ينبغي أنْ يَشغَلنا جواب هذا عن الانتباه إلى أنَّ المُتكبِّر (المقهور) لم يعد قادرًا على تجنُّب “الشَّخصيِّ” في الحوار العلميِّ بعد أنْ كان يعيبُ ذلك حتَّى فضحه الله في كُلِّ خُلُق كان يدَّعيه منذ أنْ كان يتواصل معنا على أنَّه واحد منَّا -يُخادع في ذلك قومًا مُؤمنين- وحتَّى تبيَّن أنَّه عدوٌّ مُبين بعد أنْ “ركله” أجهل القوم سامر الغمِّ في جهنَّم والعياذ بالله.

كذلك لا ينبغي أنْ ننشغل عن الانتباه إلى أنَّ المُتكبِّر (المقهور) غفل أو تغافل -وهذا التَّعبير أكثر دقَّة- عن الاعتذار عن كذبه وافترائه عليَّ بعد أنْ ثبت ذلك لكُلِّ أحد، وليس ذنبي أنَّه خلط بين مسألتين مُختلفتَين! فالمُتكبِّر (المقهور) كان زعم أنَّني كفَّرتُه لسبب افتراه فلمَّا تبيَّن له اختلاف السَّبب لم يعتذر بل ركبه العناد وأصرَّ أنْ يكون حمارًا.

ويزعُم المُتكبِّر أنَّنا نُدلِّس فيما ننقُل مِن كُتُب العُلماء بينما يُحرِّف هُو نهارًا جهارًا قول الغزاليِّ ويجعلُه في المُرتدِّ لا في الكافر الأصليِّ وحسب! وفي ذهن هذا (المقهور) غضب كثير.. فلماذَا لا يُفسِّر هُو كلام الغزاليِّ كما يراه هُو.. وكما يفهمُه هُو.. رغم أنَّه يشهد على نفسه أنَّه عاميٌّ ليس له مِن الأمر شيء لا ناقة ولا جَمَل إلَّا شهوة التَّمشيخ.

ثُمَّ إنَّ هذا (المقهور) حتَّى بعد أنْ نبَّهناه “أين وكيف خالف” وعرَف ذلك في نفسه: لم ينتبه! وشَرَع يعمل عمل المُجتهدين فلم يُسعفه ذهنُه البليد في الانتباه إلى الفرق بين أنْ يكون الحُكم في الكافر الأصليِّ وبين أنْ يكون الحُكم في المُرتدِّ الَّذي سبق أنْ ذاق حلاوة الإيمان والَّذي قام الإجماع في حقِّه أنَّه لا يصحُّ رُجوعه إلى الإسلام بغير الشَّهادتَين.

وأَعْمَلَ المُتكبِّر ذهنه البليد ثانية في تقدير الوجه الكُفريِّ الَّذي وقع فيه؛ فلم ينتبه أنَّ الكافر (الَّذي عُرِضَ عليه الشَّهادتانِ فأبى النُّطق بهما) استمراره على الكُفر هُو محلُّ اتِّفاق بين العُلماء، فلو كان قياس المُتكبِّر الحُكم على كُلِّ مَن صدَّق بعد تكذيب صحيحًا لم يخرُج الكافر المُصدِّق بقلبه الَّذي أبى النُّطق بالشَّهادتين وقد عُرِضَ عليه النُّطق بهما.

فتأكَّد كون المُتكبِّر المقهور مُتمشيخًا بالفتاوى الباطلة مُضطربًا يزعُم أنَّه لا يُعرف لي طلب علم ثُمَّ يُثبت لي مشيخة عظيمة فيقول: (وهذا نقله مِن شيخه سمير القاضي في بعض كُتُبه) فالحمدلله أنْ شهد على نفسه بالكذب حتَّى يحذره النَّاس، ثُمَّ أنا أقلُّ الطَّلَبَة علمًا فهل أنكر عليَّ أم أنَّه أنكر على العالِم العامل فحقَّ أنَّه مُتكبِّر مغرور لا يُلتفت إليه.

وقد كتبتُ هذه العُجالة لعلَّ المُتكبِّر يتأدَّب مع ذكر الصَّالحين والعُلماء الأولياء فقد جاء في الحديث القدسيِّ أنَّ الله تعالى قال: <مَن عادى لي وَلِيًّا فقد آذنتُه بالحرب> الحديث.. وأمَّا قول المُتكبِّر المقهور: “إنَّ الله سلَّطه على السَّادة الأحباش” فهُو فيه مثل الفرزدق في قول جرير:

زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتُلُ مِربَعًا * أبشِر بطُولِ سلامةٍ يا مِربَعُ!

انتهى

Dec 22, 2020, 2:41 AM

الرَّدُّ على مَن أنكر وُجوب التَّشهُّد على المُرتدِّ (3/3)

الدَّسُّ والأقوال الشَّاذَّة في كُتُب الغزاليِّ

وبيان حال الأجلاف الَّذين وقعوا بالغُلُوِّ في الغزاليِّ وكُتُبه

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وبعدُ فهذا مقال يتناول الدَّسَّ والأقوال الشَّاذَّة في كُتُب الغزاليِّ المُتوفَّى 505هـ وليس المقصود الطَّعن بالغزاليِّ رحمه الله ولكنَّه على علوِّ قدره في الفقه فقد اشتهر وُقوع الدَّسِّ في كُتُبه فاحتوت على أقوال ونُقول باطلة؛ فما كان منها كُفرًا فلا نُثبتُه عليه وأمَّا الأقوال الشَّاذة فنُنبِّه إلى أنَّها غير مُعتبرة وأنَّه لا يُعمل بها.

اختلاف العُلماء في الغزاليِّ وكُتُبه

واختلف العُلماء في الغزاليِّ فمنهُم مَن طعن به كالقاضي عياض المالكيِّ وغيره؛ ومنهُم مَن برَّأه ورأى أنَّ تلك المُخالفات لا تثبُت عنه؛ ومنهُم مَن احتمل عنده أنَّه وضعها أوَّل أمره ثُمَّ رجَع عنها. وأمَّا الشَّيخ عبدالله الهرريُّ المُتوفَّى 1429هـ فلم يكُن يستبعد أنْ يكون مدسوسًا على الغزاليِّ وبهذا أجاب مرَّات بعد أن سُئل عن أُمور في كتاب [إحياء عُلوم الدِّين].

ففي بعض كُتُب الغزاليِّ ينقُل عن أبي تُراب التَّخشبيِّ أنَّه قال: (لو رأيتَ أبا يزيد مرَّة واحدة كان أنفعَ لك مِن أنْ ترى الله سبعين مرَّة) إلخ.. وهذا مِن الكُفر الصَّريح الَّذي لا نظُنُّ بالغزاليِّ أنَّه ينقُلُه مُستحسنًا له فضلًا أنْ يعتقده دِينًا، ومُجرَّد شرح الحافظ مُرتضى الزَّبيديِّ المُتوفَّى 1205هـ لكتاب [الإحياء] لا يعني أنَّه لم يقع فيه الدَّسُّ والتَّحريف كما ترى.

وقال النَّوويُّ: <مَن صدَّق بقلبه ولم ينطِق بلسانه فهُو كافر مُخلَّد في النَّار بالإجماع> إلخ.. وخالف الغزاليُّ فقال في الكافر الَّذي يُصدِّق بقلبه ولم ينطِق إنَّه مُؤمن عند الله! وقول الغزاليِّ غير مُعتبر لكن لا نُكفِّره به، ولْيُتَنَبَّه أنَّ الغزاليَّ لم يقُله في المُرتدِّ ولا في الكافر الَّذي تُعرض عليه الشَّهادتان فيأبى ومَن زعم أنَّه قاله في هؤُلاء فقد افترى عليه الكُفر والضَّلال.

الدَّسُّ على الغزاليِّ في حياته

ووقع الدَّس على الغزاليِّ في حياته ففي [فضائل الأنام مِن رسائل حُجَّة الإسلام] ص/45 أنَّ الغزاليَّ قال: <هاج حسد الحُسَّاد ولم يجدوا أيَّ طعن مقبول غير أنَّهُم لبَّسوا الحقَّ بالباطل وغيَّروا كلمات مِن كتاب [المُنقذ مِن الضَّلال] وكتاب [مشكاة الأنوار] وأدخلوا فيها كلماتِ كُفر وأرسلوا إليَّ حتَّى أكتُب على ظهرهما خطَّ الإجازة ولكنَّ الله سُبحانه وتعالى قد ألهمني بفضله وكرمه حتَّى طالعتُ ووقفتُ على تلبيسهم واطَّلع رئيس خُراسان على هذه الحالة وأمر بحبس ذلك المُزوِّر وأخيرًا نفاه عن نيسابور> إلخ..

نبذة مِن أقوال العُلماء في كُتُب الغزاليِّ

قال مُحمَّد بن الوليد بن مُحمَّد بن خلف القُرشيُّ الفهريُّ الأندلسيُّ أبو بكر الطرطوشيُّ المالكيُّ المُتوفَّى 520هـ: <فلمَّا عمل كتابه سماَّه [إحياء علوم الدِّين] عمد يتكلَّم في علوم الأحوال ومراقي الصُّوفيَّة وكان غير دَرِيٍّ بها ولا خبير بمعرفتها فسقط على أُمِّ رأسه فلا في عُلماء المُسلمين قرَّ ولا في أحوال الزاهدين استقرَّ؛ شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم> إلى آخره ونقله الونشريسيُّ في [المعيار المُعرب].

وقال القاضي عياض المالكيُّ المُتوفَّى 544هـ: <والشَّيخ أبو حامد ذو الأنباء الشَّنيعة والتَّصانيف الفظيعة غلا في طريق التَّصوُّف وتجرَّد لنصر مذهبهم وصار داعية في ذلك وألَّف فيه تواليفه المشهورة أُخِذَ عليه فيها مواضع وساءت به ظُنون أُمَّة والله أعلم بسرِّه ونفذ أمر السُّلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفُقهاء بإحراقها والبُعد عنها فامتُثل ذلك> انتهى نقله الذَّهبيُّ في [سير أعلام النُّبلاء].

قال أبو الفرج عبدالرَّحمن ابن الجوزيِّ الفقيه الحنبليُّ المُتوفَّى 597هـ في كتابه [منهاج القاصدين]: <فاعلم أنَّ في كتاب [الإحياء] آفات لا يعلمُها إلَّا العُلماء وأقلُّها الأحاديث الباطلة الموضوعة> وقال في كتابه [تلبيس إبليس]: <وجاء أبو حامد الغزاليُّ فصنَّف لهم كتاب [الإحياء] على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بُطلانها> إلخ..

وقال أبو علي عمر بن محمد بن خليل السَّكونيُّ المالكيُّ الأشعريُّ الإشبيليُّ نزيل تونس المُتوفَّى 717هـ في [لحن العامَّة والخاصَّة في المُعتقدات]: <وَلْيُحْذَرْ مِن العمل بمواضع في كتاب [الإحياء] للغزاليِّ ومِن كتاب [النَّفخ والتَّسوية] له أيضًا وغير ذلك مِن كُتُب الفقه فإنَّها إمَّا مدسوسة عليه أو وضعها أوَّل أمره ثُمَّ رجَع عنها كما ذكره في كتابه [المُنقذ مِن الضَّلال]> انتهى ونقل عنه الشَّيخ عبد الوهَّاب الشَّعرانيُّ المُتوفَّى 973هـ في كتابه [لطائف المِنن والأخلاق] ووصفَه بأنَّه إمام علَّامة.

وقال شِهاب الدِّين الخفاجيُّ المالكيُّ المُتوفَّى 1069هـ في [شرح الشِّفا] له عند قول عياض <وقد نحا الغزاليُّ قريبًا مِن هذا المنحَى في كتاب التَّفرقة> ما نصُّه: <قال ابن حجر: وما نسبه إلى الغزاليِّ صرَّح الغزاليُّ في كتابه [الاقتصاد] بما يرُدُّه وعبارتُه الَّتي أشار إليها القاضي -على تقدير كونها عبارته- وإلَّا فقد دُسَّ عليه في كُتُبه عبارات حسَدًا لا تُفيد ما فهمه القاضي ولا تقرُب ممَّا ذكره> انتهى؛ وابن حَجَر هذا هُو الهيتميُّ المُتوفَّى 974ه.

بيان حال أهل الفتنة الأجلاف المُعاصرين

وكيف أنَّهم ردُّوا قول الغزاليِّ فيما لم يُوافق أهواءهم

وقد زاد في الغُلُوِّ بالغزاليِّ وكُتُبه بعض الجَهَلَة الأجلاف المُعاصرين مِن أهل الفتنة حتَّى أنكروا على مَن يكتُب اسم الغزاليِّ بدون كلمة (الإمام) وعلى مَن لا يُثبِت بعده قولَ (رضي الله عنه)! ولم ينتبه الجِلف الجافي أنَّه بهذا مُنكر على أكثر عُلماء الأُمَّة المُحمَّديَّة، ولا نجد حاجة للرَّدِّ على هؤُلاء الأجلاف لوُضوح فساد ما أتَوا به مِن التُّرَّهات والشُّبُهات الواهية.

وأمَّا أهل الفتنة هداهُمُ الله فإنَّهم يُعظِّمون الغزاليَّ فيما وجدوه في كُتُبه ممَّا يُوافق أهواءهم فإنْ خالف ما هُم عليه ردُّوا قوله كما في مسألة عصمة الأنبياء عن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها فقد قال في [المُستصفى في علم الأُصول]: <فقد دلَّ الدَّليل على وُقوعها منهُم> انتهى وهُم ردُّوا قوله هذا مع أنَّه مُوافق لِمَا عليه جُمهور عُلماء الأُمَّة وأكثر العُلماء المُتقدِّمين.

وفي مسألة اتِّجاه القِبلة قدَّم أهل الفتنة العمل بالآلة والحساب على طريقة الشَّرع بينما يقول الغزاليُّ في [الإحياء]: <ولا يُمكن مُقابلة العَين إلَّا بعُلوم هندسيَّة لم يرد الشَّرع بالنَّظر فيها بل رُبَّما يزجُر عن التَّعمُّق في علمها فكيف ينبني أمر الشَّرع عليها! فيجب الاكتفاء بالجهة للضَّرورة> إلخ.. فهلَّا انتهى أهل الفتنة عن زيغهم وضلالهم وتابوا مِن فتاويهم الباطلة!؟

العبرة بالبيِّنة الشَّرعيَّة

واعلم أنَّه لا يجوز أنْ نُثبت على العُلماء ما يُخالف الشَّرع لمُجرَّد قراءة ذلك في كتاب فالعبرة بالبيِّنة الشَّرعيَّة وقد اختصر لنا شيخُنا الهرريُّ رحمه الله القاعدة فقال: <إنَّ النُّسَخ الَّتي لم تكُن مُقابَلة بيد ثقة على نُسخة قابلها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابله على المُؤلِّف لا تُعتبَر نُسَخًا صحيحة بل هي نُسخ سقيمة> انتهى.

نصيحة منقولة عن لسان الغزاليِّ

فإذَا كُنتَ مِن أهل الفتنة الَّذين يطعنون بأهل السُّنَّة بالمُماحكة الباطلة لأجل غُرور لدَيك وبُغية استمالة النَّاس إلَيك فأنا أُوجِّهُك إلى قراءة نصيحة الغزاليِّ لمَن كان مثلك حيث يقول في [بداية الهداية]: <اعلم أيُّها الحريص على اقتباس العلم المُظهر مِن نفسه صدق الرَّغبة وفرط التَّعطُّش إليه أنَّك إنْ كُنتَ تقصد بطلب العلم المُنافسة والمُباهاة والتَّقدُّم على الأقران واستمالة وُجوه النَّاس إليك وجمع حُطام الدُّنيا فأنتَ ساعٍ في هدم دينك وإهلاك نفسك وبيع آخرتك بدُنياك فصفقتُك خاسرة وتجارتُك بائرة ومُعلِّمُك مُعين لك على عصيانك وشريك لك في خُسرانك وهو كبائع سيف لقاطع طريق> إلى قوله: <وإنْ كانت نيَّتُك وقصدُك فيما بينك وبين الله تعالى مِن طلب العلم: الهداية دون مُجرَّد الرِّواية فأبشِر فإنَّ الملائكة تبسُط لك أجنحتها إذَا مشَيتَ وحيتانُ البحر تستغفر لك إذَا سعَيتَ> إلخ..

خاتمة

قال الإمام مالك رضي الله عنه: <كُلٌّ يُؤخذ مِن كلامه ويُردُّ إلَّا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم> انتهى. والعِلم لا يُؤخذ بالمُطالعة مِن كتُب الغزاليِّ لثُبوت التَّحريف فيها؛ فإذَا رأيتَ مَن ينسخ مِن كُتُب الغزاليِّ الكلامَ الغامض أو ما يُخالف الإجماع والأقوال المُعتبرة فتذكَّر قول نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام: <دُعاة على أبواب جهنَّم مَنِ استجاب لهم قذفوه فيها> الحديث..

انتهى

Dec 24, 2020, 10:08 PM

أضف تعليق