الصغائر التي قال جمهور العلماء والمفسرون (إن ذنوب الأنبياء تحمل عليها) هي معاص حقيقية ليست مجازية وأنها ليست ترك أول

مجلس 12:

نبدأ بعد دقايق قليلة بإذن الله تعالى وعونه

الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله

أرجو من الجميع التركيز اليوم قدر المستطاع لأن مَن يفهم مادة هذا المجلس يزول عنده كل إشكال في مسألة العصمة

فإن كان بيننا في هذه المجموعة أحد من أهل الفتنة أو ممن يستمع لهم

أرجو منه نقل هذه المادة إليهم كاملة

لعلهم يرجعون عما يفترون

وأنا أضمن لكم أنهم يرجعون شرط أنْ يصدقوا وأن ينصفوا

وستجدون مادة قد رتَّبتُها بحيث تكون مادة سهلة على المُتلقِّين نافعة للمستمعين مرشدة للمسترشدين يفهمها -إن أنصف وصدق- كل رأس وتغني -ربما- عن ألف درس ودرس طوبى لجماعة بها يقولون فهل أنتم لها مُشمِّرون؟

سنرى

مجلسنا اليوم مخصص لـ

بيان أن الصغائر التي قال جمهور العلماء والمفسرون (إن ذنوب الأنبياء تحمل عليها) هي معاص حقيقية ليست مجازية وأنها ليست ترك أولى

بتعبير آخر أقول:

كل النقول التي تفيد

– أن أهل السنة على قولين

– وفي أحدهما أن ما ورد في الآيات من لفظ المعصية والذنب والوزر ونحوه يُحمل على الصغائر

= كل هذه النقول سنوضح كيف أن المراد بها المعصية الحقيقية

ومع أن هذا من قبيل شرح الواضح ولكنها الحاجة والضرورة لحفظ الشرع من تحريف جاهلين

فاصبروا صبرا جميلا ولا حول ولا قوة إلا بالله

أكرر: أرجو من الجميع التركيز قدر الإمكان

لأنني بإذن الله تعالى وعونه

بصدد شرح عشرة طرق مختلفة وربما أكثر في بيان:

أن المراد بالصغيرة المعصية الحقيقيةَ

الطريقة الأولى:

أن يقال:

لو نظرنا في كثير من أقوال العلماء عند تفسير الآيات -التي تتعلق مسألة العصمة بها- فإننا نجد فيها أن الآية محمولة على الصغائر غير المنفرة أو على ترك الأَولى

هذا التمييز بين الصغيرة وبين ترك الأولى دلَّ أن المراد بالصغيرة الحقيقية لأنه لا يُتصوَّر أنهم يقولون إنَّ الآية محمولة:

1)  على ترك الأولى

2)  أو على ترك الأولى!

إذًا.. تحتم أن المراد بالصغيرة الحقيقية وإلا كانت أقوال العلماء حشوًا لا يليق أن ننسب العلماء إليه

الشاهد:

قال الفخر الرَّازيُّ فِي كتابه [عصمة الأنبياء] فِي تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}: <جَوَابُهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ إِمَّا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوْ تَرْكِ الأَوْلَى أَوِ التَّوَاضُعِ> انتهى.

لاحظوا قوله:

مَحْمُولٌ إِمَّا

1.  عَلَى الصَّغِيرَةِ

2.  أَوْ تَرْكِ الأَوْلَى

3.  أَوِ التَّوَاضُعِ

فالرازي يوضح هنا أن الصغيرة ليست ترك الأولى ولا هي التواضع

فلا يبقى إلا المعصية الحقيقية

شاهد ثان

قال الشَّيخ زكريَّا الأنصاريُّ فِي [فتح الرَّحمن بكشف ما يلتبس فِي القُرآن] فِي تفسير قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}: <إنْ قُلتَ كيفَ قالَ ذلكَ والنَّبيُّ معصومٌ مِنَ الذُّنوبِ. قُلتُ: المُرادُ ذنبُ المُؤمنينَ. أو تركُ الأفضلِ. أو أرادَ الصَّغائرَ على ما قالَه بهِ جَمْعٌ. أو المُرادُ بالمغفرةِ العِصمةُ> انتهى.

لاحظوا قول الشيخ زكريا الأنصاري:

<قُلتُ: المُرادُ

1.  ذنبُ المُؤمنينَ.

2.  أو تركُ الأفضلِ.

3.  أو أرادَ الصَّغائرَ على ما قالَه بهِ جَمْعٌ.

4.  أو المُرادُ بالمغفرةِ العِصمةُ> انتهى

فزكريا الأنصاري يوضح هنا أن الصغيرة ليست ترك الأفضل ولا هي ذنب المؤمنين ولا هي العصمة

فلا يبقى إلا المعصية الحقيقية

الطريقة الثانية:

أن يقال:

إن التقصير الذي لا يصل إلى درجة المعصية الحقيقية

وكذلك المكروه

وترك الأولى

وكل ما لم يبلغ ان يكون معصية حقيقة

مهما تكرَّر وكثر لا يصير معصية كبيرة لا يصير ذنبا من الكبائر

أما ما جوَّزه جمهور العلماء على الأنبياء

فهو مما لو تكرر وكثر يصير ملتحقا بالكبائر

ولذلك اتفقوا أنهم وإن صدرت منهم هذه الصغيرة

فإنها لا تتكرر من الأنبياء ولا تكثر

وأين الشاهد على ما نقول؟

الشاهد:

وقال القاضي عياض: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ> انتهى.

الطريقة الثالثة:

أن يقال:

إن العلماء لما قالوا بأن ظواهر الآيات والأخبار هي دليل من قرر الجواز والوقوع؛

علمنا أن الجمهور ترك تأويل تلك الآيات -التي تتعلق مسألة العصمة بها-

فإذا أخذوا بأن المعصية والذنب على الظاهر

كان المراد المعصية الحقيقية بلا شك ولا ريب

ومن أنكر هذا

أنكر الحقيقة الشرعية في المعصية والذنب وصار عنده كل ما نص الشرع على كونه معصية وذنبا ليس بمعصية ولا بذنب والعياذ بالله

الشاهد:

قال النَّوويُّ فِي [شرح مُسلم]: <فَذَهَبَ مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ> انتهى.

أين الشاهد على ما نقول في كلام النووي؟

الشاهد قوله: وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ> انتهى.

فلما اعتقدُوا أنَّ الظَّاهر هُو المُراد حقيقة لا مجازًا

علمنا أنهم أرادوا المعصية الحقيقية لا المجازية

الطريقة الرابعة:

أن يقال:

إن العلماء لما نصوا أن بعض العلماء (البعض فقط) رأى أن منصب النبوة يجل عن مخالفة الله عمدًا؛

فهمنا أن البعض الآخر وهم الجمهور استثنوا الصغيرة التي لا خسة فيها

فعند الجمهور الصغيرة النادرة التي لا خسة فيها لا تُناقض منصب النبوة يعني لا تقدح في منصب النبوة

الشاهد:

قال النَّوويُّ: <وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ> يعني بعض يعني جزء وليس الكل

قال: <مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا وَعَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَمْدًا> انتهى.

إذًا.. النووي قسم العلماء إلى قسمين

القسم الأول ووصفهم بأنهم <مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ> هؤلاء قالوا تقع بدليل ظواهر القرآن أي بدليل ظاهر الآيات التي وردت في القرآن وفيها نسبة الذنب أوالمعصية لنبي فعندهم قد يخالف النبي عمدًا لكن شرط أن يكون في صغيرة لا خسة فيها وأن يكون نادرا وأن يتوب فورا قبل أن يقتدى به فيها

والقسم الثاني ووصفهم النووي بأنهم <جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِينَ> فهؤلاء قالوا لا يخالف النبي ربه عمدًا

فيعرف بذلك أن المراد الصغيرة الحقيقية التي لا خسة فيها

شاهد ثان:

قال الفقيه الأُصوليُّ بدر الدِّين الزَّركشيُّ فِي كتابه [البحر المُحيط فِي أُصول الفقه] فِي كلامه عن العصمة مِن الصَّغائر ما نصُّه: <فمَنْ نفاها كالأُستاذِ أبي إسحاقَ مِنْ حيثُ النَّظرُ إلى مُخالفةِ أمرِ الآمِرِ فلا تجُوزُ عندَهُ عليهِمْ> انتهى

فمن نفاها = يعني بعضهم نفاها وبعضها ما نفاها

فمخالفة أمر الآمر -عند الأستاذ أبي إسحق- لا تجوز على الأنبياء

عند من لا تجوز؟ عند أبي إسحق

وليس عند الكل

ليس بالإجماع

عند البعض لا تجوز عليهم أبدا

وعند الجمهور تجوز عليهم في الصغائر التي لا خسة فيها

والشواهد بيِّنة واضحة جلية كما رأيتم

الطريقة الخامسة:

أن يقال:

إن العلماء بقولهم لا يصر نبي على منكر

دلوا أن المراد بالصغيرة الحقيقية

وإلا لما أطلقوا عليها اسم المنكر

الشاهد:

قال القاضي عياض: <مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ؛ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ..> انتهى.

معناه قد يصدر منه المنكر لكن لا يصر عليه أي لا يبقى عليه

لاحظوا قوله: مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ؛ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا

يعني الذين جوزوها والذين نفوها

بعض العلماء جوزها وبعضهم نفاها

ثم عمَّن جوزها البعض ونفاها البعض؟

عن نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام

من المتكلم؟ أنا؟ لا

شيخنا الهرري هو المتكلم هنا؟ لا

إنه القاضي عياض القائل بالعصمة المطلقة لا يتكبر ولا يعاند الحق ولا يأتي بدعوى إجماع مكذوب بل بقول الحق

الطريقة السادسة:

أن يقال:

إن العلماء نصوا أن من الصغائر ما هو منفر ومنها ما ليس بمنفر

أو بتعبير آخر قل:

إن العلماء نصوا أن من الصغائر ما فيه خسة ودناءة

وليس كل معصية حقيقية فيها خسة ودناءة كما زعم أو كما توهم أهل الفتنة

الشاهد:

قال الزَّركشيُّ: <وَأَمَّا الصَّغَائِرُ الَّتِي لَا تُزْرِي بِالمَنَاصِبِ وَلَا تَقْدَحُ فِي فَاعِلِهَا فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ>

فهنا إثبات أنه ليس كل صغيرة تزري بمنصب النبوة ولا كل صغيرة تقدح بالأنبياء فهذه التي ليس فيها خسة ولا دناءة هي ما يجوز صدوره من الأنبياء نادرا ويتوبون منه قبل أن يقتدى بهم فيها

الطريقة السابعة:

أن يقال:

إن المعتزلة كفَّروا مرتكب الصغيرة الحقيقية

ولم يُكفِّروا من ترك الأولى

وعلماء أهل السنة ردوا عليهم فقالوا (ما معناه) (إن نبي الله سيدنا آدم عندكم كافر)

إذا علماؤنا ومنهم المجتهد العظيم أحمد بن حنبل فهموا أن ما فعله آدم عليه السلام هو مما يقول المعتزلة بتكفير فاعله

وهم كفَّروا من يعمل المعصية الحقيقية ليس من يعمل المعصية التي ليست بمعصية حقا!

هل يظن أهل الفتنة أن المعتزلة كفَّروا من يقول بترك الأولى!

الشاهد:

قال الإمام أحمد: <وَأَمَّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ آدَمَ كَافِرٌ> رواه ابن الجوزيِّ فِي [مناقب أحمد] ومثله فِي [طبقات الحنابلة]

وهو دليل أنَّ العُلماء بقولهم الصَّغائر أرادوا المعاصيَ الحقيقيَّة لأنَّ المُعتزلة لم يُكفِّروا المُسلمين بترك الأَولى بل بالمعصية الحقيقيَّة.

وغير أحمد رضي الله عنه قال بمثل قوله

الطريقة الثامنة:

أن يقال:

إن كلام العلماء والمفسرين في مقام البيان لا يكون من المتشابه

بل يكون واضحا جليا مُفهِمًا

فإن قيل لم يكن كذلك فما فائدته في البيان!؟

وقد قالوا بوقوع الصغيرة فإذًا.. إنما أرادوا بذلك ما هو معصية في الحقيقة الشرعية

فيما يطلق عليه معصية وذنب في الحقيقة الشرعية

الإمام الطَّبريُّ الموصوف بالاجتهاد والمُفسِّر المشهور يقول فِي تفسير {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}: <وَسَلْ رَبَّكَ غُفْرَانَ سَالِفِ ذُنُوبِكَ وَحَادِثِهَا> انتهى.

وفِي {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ}: <فَيَغْفِرَ لَكَ بِفِعَالِكَ ذَلِكَ رَبُّكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ فَتْحِهِ لَكَ مَا فَتَحَ وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَ فَتْحِهِ لَكَ ذَلِكَ مَا شَكَرْتَهُ وَاسْتَغْفَرْتَهُ> انتهى.

فتأويل أهل الفتنة لكلام الطبري ولمئات غيره من علماء أهل السنة

وإخراجهم أقوالهم من محلها ومعانيها: 

هذا منهم عبث وتضييع مذاهب هؤلاء العلماء ومنهم المجتهدين

الطريقة التاسعة:

أن يقال:

إن بعض العلماء اعتبر أنه لا معنى للأمر بالاستغفار في الآية {واستغفر لذنبك} ولا معنى لاستغفار النبي من ذنوبه بعدها معنى يُعقل إلا المعصية التي هي معصية صغيرة لا خسة فيها.

معنى هذا أن أولئك العلماء لا يحمل الآية على ترك الأولى ولا على المعصية المجازية

يعني حملوا الآيات هذه على ظاهرها لم يتأولوها

الشاهد:

قال الطبري: <وَلَوْ كَانَ القَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا. لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ وَلَا لِاسْتِغْفَارِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بَعْدَهَا مَعْنًى يُعْقَلُ> انتهى.

الطريقة العاشرة:

أن يقال:

إن العلماء فهموا أن ما جوزوه من الصغائر على الأنبياء هو مما قد يكون في فعله عقاب على من لا يتوب منه ومثل هذا لا يكون في المعصية المجازية فلا يبقى إلا أنهم فهموا جواز المعصية الحقيقية.

الشاهد:

قال الإمام الماتريدي فِي [تأويلات أهل السُّنَّة]: <وَقَالَ تَعَالَىْ: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وَلَوْ لَمْ يَكُن للهِ تَعَالَىْ أَنْ يُعَذِّبَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَىْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعُ الِامْتِنَانِ بِمَا غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ> انتهى.

شاهد ثان:

وقال الماتُريديُّ فِي [كتاب التَّوحيد]: <ثُمَّ الَّذِي يَنْقُضُ قَوْلَ الخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالصَّغَائِرِ مَا بُلِيَ بِهَا الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ> انتهى.

معناه لو كان الوقوع في صغيرة حقيقية كفرا لكان الأنبياء كفارا فلما علمنا أن الأنبياء ليسوا كفارا علمنا أن القول بوقوعهم في صغيرة لا يكون كفرا.

هذا علم الماتريدي إمام أهل السنة.

وهذا النقل قد يصلح شاهدا لأكثر من طريقة

ولكننا هنا أسقطناه على معنى أن الماتريدي فهم أن ما أخبر القرآن أنه وقع من الأنبياء مما قد يُعاقب عليه

وهذا كاف في أنهم فهموا المعصية الحقيقية لا ترك الأولى دائما

شاهد ثالث:

وقال الماتريدي فيه: <وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذُنُوبُهُمْ بِحَيْثُ احْتِمَالُ التَّعْذِيبِ عَلَيْهَا فِي الحِكْمَةِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ خَوْفُ التَّعْذِيبِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ تَعَدِّي الحَدِّ وَالوَصْفُ بِالجَوْرِ وَالتَّعَدِّي مِنْهُ وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ الزَّلَّاتِ. فَهَذَا يَنْفِي قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ فِي إِثْبَاتِ المَغْفِرَةِ فِي الصَّغَائِرِ وَإِخْرَاجِ فِعْلِ التَّعْذِيبِ عَنِ الحِكْمَةِ، وَقَوْلَ الخَوَارِجِ بِإِزَالَةِ اسْمِ الإيمَانِ عَنْهُ. وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ> انتهى.

يعني الماتريدي المشهور عنه القول بالعصمة المطلقة يتكلم هنا بلسان من؟ يتكلم بناء على قول الجمهور فهو قول معتبر عنده ليس مردودا

وقول الجمهور ليس ضلالا كما يصور لنا أهل الفتنة أو كما يتوهمون هداهم الله

ماذا يفهم من كلام الماتريدي هنا؟

يُفهم أن له مذهبان أو قولان في العصمة

أحدهما وافق فيه قول الجمهور

والآخر القول بالعصمة المطلقة

الطريقة 11:

أن يقال:

إن الشفاعة لا تكون إلا من الذنوب الحقيقية

لا تكون من الذنوب المجازية ولا من المعاصي المجازية

وقد علمنا أن بعض العلماء قالوا ما معناه إن الحكمة من وقوع الأنبياء في صغائر أن يبتلوا بشيء من جنس ما ابتلي به أولئك المحتاجون إلى الشفاعة

قال العلماء لأن وقوعهم فيما يشبه ذلك يجعلهم يشعرون أكثر بأولئك المحتاجين للشفاعة فتقوى هممهم على الشفاعة.

لا أدري إن كان أهل الفتنة أو بعضهم يظن لجهله أن الذي لا يعمل معصية أبدا بل فقط يقع في ترك الأولى هل يكون مثل هذا محتاجا للشفاعة؟

أهل السنة يقولون لا بالتأكيد

إذا الأنبياء على قول بعض العلماء وقعوا في صغائر ليشعروا مع من ابتلوا بالمعاصي والذنوب

الشاهد:

قال الماتُريديِّ فِي [شرح الفقه الأكبر] بعد أن ذكر الأنبياء والرسل: <وَغَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ الصَّغَائِرِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُمْ مَقَامَ الشَّفَاعَةِ فَلَوْ عُصِمُوا عَنِ الصَّغَائِرِ لَوَقَعَ الضَّعْفُ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبْتَلَ بِبَلِيَّةٍ لَمْ يَرِقَّ عَلَى المُبْتَلَى فَهَذَا هُوَ الحِكْمَةُ فِي زَوَالِ العِصْمَةِ عَنِ الأَنْبِيَاءِ فِي الصَّغَائِرِ> انتهى.

انظروا إلى هذا العلم

وفكروا معي كيف سمح أهل الفتنة لأنفسهم بالخوض فيما لا يعلمون حتى توصلوا إلى تكفير الجمهور والعياذ بالله

صار أمثال سامر العم ويوسف ميناوي وأحمد مرعي ونايف عمورة هؤلاء الصغار يريدون تضليل وتكفير الجمهور ومن ثم يُسكت لهم!

شاهد ثان:

وقال المُحدِّث تاج الدِّين السُّبكيُّ فِي [السَّيف المشهور فِي شرح عقيدة أبي منصور] ما نصُّه: <قالَ صاحبُ هذهِ العقيدةِ تَبَعًا لجماهيرِ أئمَّتِنا: (ولكن لم يُعصَموا مِنَ الصَّغائرِ لئلَّا تضعُفَ شفاعتُهم لأنَّ مَن لا يُبتلَى لا يَرِقُّ على المُبتلَى)> انتهى.

التاج السبكي من القائلين بالعصمة المطلقة

مع ذلك لم يتكبر ولم يأت بدعوى إجماع مكذوب انتصارا لرأيه!

أهل الفتنة لما قالوا بالعصمة المطلقة لم يوافقوا علماء المسلمين

لأن العلماء لم يكفروا من خالفهم فيها من أهل السنة

أما أهل الفتنة فكفَّروا وضللوا وبدعوا وفسقوا والعياذ بالله

شاهد ثالث:

وقال جمال الدِّين الغزنويُّ الحنفيُّ فِي [أُصول الدِّين]: <وقال بعض أهل السُّنَّة والجماعة بأنَّ الزَّلل لا يكون مِن الأنبياء إلَّا بترك الأفضل وهذا القَول وإنْ كان حسنًا مِن حيث الصُّورة لكنَّه غير سديد مِن وجه آخَر لأنَّ الأفضل يقتضي فاضلًا فِي مُقابلته فيقتضي أنْ يكون أكل الشَّجرة مِن آدم عليه السَّلام فاضلًا مع كونه منهيًّا عنه مع قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}. وقال بعض أهل السُّنَّة هُم معصومون عن الكبائر دون الصَّغائر لأنَّه أثبت لهم مقام الشَّفاعة ولأنَّ مَن لم يُبتلَ بالبليَّة لا يرقُّ على المُبتلى بها> انتهى.

ثم الطرق أكثر لمن يريد الاستقصاء

فمن ذلك:

أنك متى رأيت العلماء قالوا صغائر في مقابل الكبائر فاعلم أن المراد المعصية الحقيقية

وترك الأولى والأفضل لا ينقسم إلى صغيرة وكبيرة

ومن الطرق التي توضح أن العلماء إنما أرادوا المعصية الحقيقية فيما جوزوه على الأنبياء من الصغائر التي لا خسة فيها:

أن العلماء نصوا أن أهل السنة خالفوا الإمامية في العصمة والإمامية تقول لا تجوز الصغائر على النبي

قال أبو إسحاق الثَّعلبيُّ ما نصُّه: <الإماميَّةُ لا تُجوِّزُ الصَّغائرَ على النَّبيِّ ولا على الإمامِ؛ والآيةُ تردُّ عليهِمْ> انتهى.

واختصارا لما مر معنا اليوم من طرق معرفة أن مراد العلماء بقولهم صغيرة أي صغيرة حقيقية لا خسة فيها هذه الحروف:

1.  التمييز بين الصغائر وبين ترك الأولى وغيره.

– الشاهد من كلام الرازي وزكريا الأنصاري

2.  ترك الأولى وما كان من نحو المعصية المجازية لا يصير من الكبائر مهما تكرر وكثر

– الشاهد من كلام القاضي عياض

3.  أن العلماء نصوا أن الجمهور أخذ بظواهر الآيات. أما حملها على ترك الأولى فهو تأويل

– الشاهد من كلام النووي

4.  نص العلماء على اختلاف العلماء في أن منصب النبوة يجل عن مخالفة الله عمدًا في الصغائر التي لا خسة فيها

– الشاهد من كلام الزركشي والنووي وغيرهما

5.  قول العلماء إن الأنبياء لا يصرون على منكر

– الشاهد من كلام القاضي عياض

6.  أن العلماء قسموا الصغيرة إلى ما فيه خسة وما ليس فيه ذلك ثم جوزوا الثاني

– الشاهد من كلام الزركشي

7.  أن المعتزلة كفَّروا مرتكب …

نقف هنا

ونفتح باب الأسئلة لمن يريد

والله المستعان على الخير هو وراء القصد نعم المولى سبحانه وتعالى

وآخر الاستدلال الحمدلله الحمدلله

من شاء فليسأل

أضف تعليق