بُطلان خُلاصة الأخ هاشم
وثبوت أنَّ ابن رُشد ينكر القياس إلى الشَّمس عند استوائها فوق الكعبة في البلاد البعيدة عن مكَّة المُكرَّمة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد عمل الأخ هاشم أصلحه الله دراسة خُلاصتُها بحسبه أنَّ كلام ابن رُشد لا يُثبت رأينا (في أنَّه لا يصحُّ الاستدلال بالشَّمس عند استوائها في سماء الكعبة في كُلِّ بلد مِن الأرض) فهل خُلاصتُه صحيحة؟
خُلاصة الأخ هاشم لها رُكنان:
الأوَّل: الاحتمال بأنْ يكون ابن رُشد إنَّما أنكر القياس إلى الشَّمس عند استوائها في سماء بلد الرَّصد وليس عند استوائها في سماء الكعبة.
والثَّاني: أنَّ تعليل ابن رُشد لحُكمه لا يُؤيِّد فهمنا للكلام. فإذَا ثبت بُطلان الرُّكنَين فقد بَطَلَت خُلاصة هاشم وثبت أنَّ كلامنا مُوافق لابن رُشد.
ففي الأوَّل: لا يُحتمَل أنْ يكون مُراد ابن رُشد إنكار القياس إلى الشَّمس عند استوائها في سماء بلد الرَّصد لأنَّ ابن رُشد إنَّما أنكر ما ظاهرُه الصِّحَّة بدليل قوله: <وهذا قول ظاهرُه الصِّحَّة وليس بصحيح> انتهى.
فبطل الرُّكن الأوَّل في خُلاصة الأخ هاشم لأنَّ أحدًا لا يُوافق أنْ يكون القياس إلى الشَّمس عند استوائها في سماء بلد الرَّصد أمرًا ظاهرُه الصِّحَّة عند ابن رُشد بل هذا أمر ظاهر البُطلان والفساد بلا خلاف.
فثبت أنَّ الاحتمال المذكور في خُلاصة هاشم غير وارد في كلام ابن رُشد فلم يبقَ إلَّا أنَّ ابن رُشد أنكر القياس إلى الشَّمس عند استوائها في سماء الكعبة لأنَّ هذا هو ما ظاهره الصِّحَّة في البلاد البعيدة جدًّا عن مكَّة.
كذلك يبطُل هذا الرُّكن بمُجرَّد قول ابن رُشد: <لأنَّ الشَّمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مُقابِلة للبيت ومُسامِتة له بدليل أنَّه لا فَيْء له> انتهى وهل تكون الكعبة بلا ظلٍّ إلَّا عند استواء الشَّمس وسط سماء مكَّة!؟
وفي الثَّاني: لمَّا تعيَّن أنَّ الحُكم هُو في إنكار القياس إلى الشَّمس عند استوائها في سماء الكعبة؛ فهمنا أنَّ العلَّة عدم استواء الشَّمس في سماء بلدَين مُتباعدَين لا في الجهل بمعرفة ما بين البلدَين مِن الطُّول.
فمَن نسب إلى ابن رُشد أنَّ تعليله الحُكم مُتعلِّق بالجهل بمعرفة ما بين البلدَين مِن الطُّول فقد تقوَّل عليه وذلك لقوله: <لأنَّ الشَّمس لا تستوي في كبد السَّماء في وقت واحد في البلد المُتباين بالبُعد الكثير> انتهى.
وهذا القدر كاف في ردِّ خُلاصة هاشم ولكن نزيد بإذن الله تعالى سائلين المَولى عزَّ وجلَّ أنْ يهديَنا وأنْ يهديَ بنا وأنْ يُصلحنا وأنْ يصلح بنا إنَّه سُبحانه وتعالى على ما يشاء قدير {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}.
والأخ هاشم يقول: (معلوم أنَّ الحُكم يدور مع علَّته وُجودًا وعدمًا)؛ وابن رُشد حَكَمَ بفساد القياس المذكور لعلَّة عدم استواء الشَّمس في سماء بلدَين مُتباعدَين؛ فلو انتفتِ العلَّة المذكورة انتفى حُكمُه على الأمر بالفساد.
فلو انعدمتِ علَّة الحُكم واستوتِ الشَّمس في وقت واحد في سماء بلدَين، لصحَّ عند ابن رُشد الاستدلال بالشَّمس عند استوائها فوق الكعبة في معرفة القِبلة -ولو لم يعرف الرَّجُل ما بين البلدَين مِن الطُّول- فتأمَّل..
فانعدم بكلامنا الأوَّل احتمال أنْ يكون ابن رُشد أراد إنكار القياس إلى الشَّمس عند استوائها في بلد الرَّصد؛ وانعدم بكلامنا الثَّاني أنْ يكون تعليله مُتعلِّقًا بالجهل بمعرفة ما بين البلدَين مِن الطُّول فماذَا بقي؟
ماذَا بقي يا أخي هاشم غير أنْ تتراجع عن الخطإ طلبًا لفضيلة لا ينبغي لمثلك أنْ يُصرَّ على هِجرانها وليس سُقوط خُلاصتك الأخيرة ما يدعوك إلى التَّراجُع وحسب بل وكُلُّ ما لم تملك عليه جوابًا في أدلَّة المسألة.
لذلك فإنَّ تصويرك لنا بالمُخطئين المُتشدِّدين في غير موضع التَّشدُّد يُعتبَر تحريفًا للمبحث وذلك لتعلُّقه بالصَّلاةِ والصَّلاةُ أعظم الأُمور بعد الإيمان بالله ورسوله فلا يكن عندك هذا الأمر العظيم مُضيَّعًا مُتهاوَنًا به.
ولم تُخبرنا يا هاشم كيف تجاوزتَ الإجماع في أنَّ الجنوب قِبلة أهل الشَّمال ولا كيف تجاوزتَ أنَّ لازم قياسك إلى الشَّمس وقت استوائها فوق الكعبة لمَن هُم في كندَا لازمُه تضارُب الأدلَّة وهُو فاسد بإقرار الفُقهاء.
كذلك لم تُخبرنا كيف تجاوزتَ أنَّ ما ذهبتَ إليه لازمُه تغيير الاتِّجاه في الطَّريق، ولازمُه كذلك الحساب وفيه حرج على أكثر النَّاس والله تعالى يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} صدق الله العظيم.
وإنْ لم تستفد مِن رُقيِّ أخلاقك في حماية نفسك زمن الفتنة فمتى وقد علمتَ أنَّ الخاسر يبقى وحدَه رهين ذُنوبه وقد يسبقُك إلى التَّوبة مَن دعاك إلى المُخالفة وما ذاك على الله بعزيز فلا تكُن مِن المسبوقين إلى الخير.
وكتبه خادم طَلَبَة العلم الشَّرعيِّ الشَّيخ أُسامة بن مُحمَّد سليم رَخَا.
Jul 17, 2020, 9:31 AM
الانتحار العقليُّ عند صديقي خالد
مقال للمُتواضِعين وحسب
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعد فهذه رسالة إلى صديقي خالد بعد أنْ قرأتُ كلامه عن الانتحار العقليِّ وإنكار الحسِّ في قَبول دلالة عمُوديَّة النَّجم القُطبيِّ على القُطب الشَّماليِّ ورفض دلالة عمُودية الشَّمس فوق الكعبة في معرفة القِبلة في البلاد البعيدة عن مكَّة عسى تُنير ما أظلم مِن نباهته واللهُ مِن وراء القصد.
2
وقد يكفي يا أخي وصديقي العزيز أنْ أقول لو أنَّك كُنتَ تطير في سماء القُطب الشَّماليِّ وأردتَ استقباله هل كُنتَ ستتَّجه إلى النَّجم القُطبيِّ لأجل دلالة عموديته على القُطب الشَّماليِّ ثُمَّ تدَّعي أنَّك بذلك قد اتَّجهتَ إلى القُطب الشَّماليِّ أم أنَّك بذلك ستكون مُستدبِرًا للقُطب الشَّماليِّ!؟
3
ستقول في الجواب إنَّك في تلك الحالة لو اتَّجهتَ إلى النَّجم الشَّماليِّ ستكون مُستدبرًا للقُطب الشَّمالي وهُو صحيح، فهل في جوابك هذا ما يُزري بك؟ وهل فيه إنكار لدلالة عمُوديَّة النَّجم الشَّماليِّ على القُطب الشَّماليِّ وبالتَّالي ستكون مُمارسًا لِمَا تكلَّمتَ عنه مِن الانتحار العقليِّ وإنكار الحسِّ!؟
4
بالتأكيد ستُجيب بـ(لا) وهُو جواب صحيح. فالأمر مُتعلِّق بمكانك مِن النُّقطتَين المُتعامدتَين فمُجرَّد إنكارك كونَهُمَا في جهة واحدة ليس انتحارًا عقليًّا ولا إنكارًا للحسِّ السَّليم مع أنَّهُمَا مُتعامدتانِ لأنَّك قد تكون في نُقطة وسط بينهُمَا فيصير اتِّجاهُك إلى أحدهما انحرافًا عن الاتِّجاه إلى الآخر.
5
وأنت خلال طيرانك في سماء القُطب الشَّماليِّ عالمًا أنَّه تحتَك لم يَسَعْك استقبالُه بالتَّوجُّه إلى النَّجم القُطبيِّ فوقَك، كذلك لو كُنتَ في [كندَا] عالمًا أنَّ الكعبة إلى الجنوب منك فلا يَسَعُك استقبالُهَا بالتَّوجُّه إلى الشَّمال وإلَّا لَمَا انقضى منك العجب يا صديقي فقد احتاج النَّهار عندك إلى دليل.
6
وهُنا قد يسأل سائل: (فلماذَا تُقرُّون إذًا بدلالة تعامُد الشَّمس على الكعبة في البلاد القريبة مِن مكَّة المُكرَّمة مِن أيِّ جهة مِن الجهات الأربع؟) فالجواب: لأنَّنا لا نُنكر الحسَّ ولا نُمارس الانتحار العقليَّ كما كُنتَ توهَّمتَ فإنَّنا بتلك الحالة لا نتوجَّه إلى القِبلة في جهة ونحن نعلم أنَّها في جهة أُخرى.
7
ففي بلد قريب مِن مكَّة وقتَ تعامُد الشَّمس فوق الكعبة لن تحتاج في الاتِّجاه إلى الشَّمس أنْ تنحرف عن الكعبة ولا في الاتِّجاه إلى الكعبة أنْ تنحرف عن الشَّمس بخلاف ما لو كُنتَ في [كندا] حيث لا تجدُ النُّقطتَين المُتعامدتَين في جهة واحدة فيختلف ما يجب عليك بمقتضى الدِّلالة.
8
وقد يقول قائل: (دعك ممَّن في سماء القُطب ولنتكلَّم عمَّن على وجه الأرض فإنَّ النَّجم يدُلُّ على القُطب الشَّماليِّ لكُلِّ مَن يراه في أيِّ جهة كان مِن الأرض، فلماذَا لا تدُلُّ الشَّمس عند تعامُدها فوق الكعبة على القِبلة لكُلِّ مَن يرى الشَّمس في أيِّ جهة كان مِن الأرض؟) وجوابُه سهل جدًّا.
9
فكُلَّ ما على وجه الأرض إلى جهة واحدة مِن القُطب الشَّماليِّ، بينما ليس كُلُّ ما على وجه الأرض على جهة واحدة مِن الكعبة بل بعضٌ إلى الجنوب وبعضٌ إلى الشَّمال وهكذا، فالجهة إلى القُطب واحدة لكُلِّ مَن على وجه الأرض أمَّا الجهة إلى الكعبة فليست واحدة لكُلِّ مَن على وجه الأرض.
10
وذلك أنَّ القُطب الشَّماليَّ في جهة واحدة فهُو في الشَّمال لكُلِّ أحد على وجه الأرض، أمَّا الكعبة عند تعامُد الشَّمس فوقها فليست في جهة واحدة لكُلِّ أحد على وجه الأرض بل إلى الشَّمال لبعض مَن على وجه الأرض وإلى الجنوب لغيرهم.. في الشَّرق لآخرين وفي الغرب لغيرهم وهكذا.
11
فهل يقع القُطب الشَّماليُّ إلى الجنوب مِن أيِّ بلد كان مِن الأرض؟ بالتَّأكيد لا، ولكن مكَّة تقع إلى الجنوب مِن بعض البُلدان وإلى الشَّمال مِن بعض البُلدان وهكذا.. فقياس دلالة تعامُد النَّجم فوق القُطب على دلالة تعامُد الشَّمس فوق الكعبة هُو قياس مع الفارق وما كان كذلك كان باطلًا.
12
وقد لا يكون منِّي بيان لك كهذا فلا تترُكِ القراءة إلَّا وقد ضبطتَ لماذَا يصحُّ الاستدلال بتعامُد الشَّمس فوق الكعبة في معرفة القِبلة لكن ليس في كُلِّ بلد كان مِن الأرض؛ بل بحيث تكون الشَّمس والكعبة في جهة واحدة منك بحيث لا تتضارب دلالة تعامُدهمَا مع أدلَّة الشَّرع في القِبلة.
13
فإذَا ضبطتَ [1] كُلَّ هذا؛ فأضِف إليه ما لا جواب لك عليه، فمِن ذلك [2] أنَّ الجنوب قِبلة أهل الشَّمال بالإجماع، [3] وأنَّ لازم العمل في كندَا بتعامُد الشَّمس فوق الكعبة في معرفة القِبلة: تضاربُ الأدلَّة [4] وتغيير الاتِّجاه في الطَّريق، ومنه [5] لُزوم الحساب وفيه حرج على أكثر النَّاس.
14
واسمح أنْ أقول لك يا أخي وصديقي العزيز إنَّ ما أراه مِن أسلوبك في المُداخلات الَّتي تكتُبُهَا في صفحات أهل الفتنة لا يُشبهُك. مُنذ متى كان خالد بمثل تلك العداوة تجاه إخوانه وأهله وأحبابه ومنذ متى يُؤازر النَّواصب الَّذين يجعلون مِن تعظيم مُعاوية عقيدة دينيَّة يضلُّ مَن خرج عنها!
15
وقد أُقسِم ثلاثًا بين الرُّكن والمقام أنَّك عند أهل الفتنة ضالٌّ مُضِلٌّ لو عرفوك حقًّا فصدِّقني؛ وإنْ نبَّهتُك ولو بما يُزعجك أهونُ مِنْ أنْ أُكَبِّر على عقلك أربعًا.. فلطالمَا كُنت الأخ الطَّيِّب والصَّديق النَّافع فكيفَ جنحتَ إلى ما ظاهرُه اللُّؤم والحقد! إنَّ اليوم أمر.. وغدًا قبر.. فاتَّقِ الله يا خالد.
نهاية المقال.
Jul 17, 2020, 8:28 AM
بيان ما أشكل على المُخالف في إنكار ابن رُشد الاستدلال بالشَّمس
عند استوائها فوق الكعبة في البلاد البعيدة عن مكَّة المُكرَّمة
عاد المُخالف إلى التَّسرع المذموم فادَّعى أنَّنا اقتطعنا مِن كلام ابن رُشد ما يُغيِّر معناه وكذب فإنَّنا لم نقتطع ما يُغيِّر المعنى وإليكم البيان:
أولا:
فأمَّا ما تركنا نسخه فهُو تعليل حُكم ابن رُشد في المسألة لا حُكمه فيها، وبقية كلامه: <وهذا القول ظاهره الصِّحَّة وليس بصحيح لأنَّ الشَّمس لا تستوي في كبد السَّماء في وقت واحد في البلد المُتباين بالبُعد الكثير> انتهى. وهكذا يتبيَّن أنَّ اتِّهام المُخالف لنا بالتَّدليس اتِّهام فارغ.
بل فيما تركنا نسخَه حُجَّة لنا لا للخصم لأنَّه لو صح القياس على الشمس يومَي تعامُدها على الكعبة لصحَّ القياس عليها وقتَ استوائها في كبد السَّماء فوق الكعبة في أطول يوم في السَّنة فلمَّا بطل الثَّاني بطل الأوَّل كذلك لأنَّهُمَا مُشتركانِ في القيام على كون الشَّمس فوق الكعبة.
ثانيًا:
فالتَّعليل نفسه لا يدُلُّ على ما ذهب إليه المُخالف لأنَّ ابن رشد لو أراد أنَّ الرَّجُل يجعل الشَّمس بَين عينَيه (عند استوائها في وسط السَّماء في بلد رصد الشَّمس) لَمَا قدَّم على ذلك قوله: <لأنَّ الشَّمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مُقابِلة للبيت ومُسامِتة له بدليل أنَّه لا فَيْءَ له> انتهى.
وهذا حاسم في أنَّ ابن رُشد يتكلَّم عن رصد الشَّمس (عند استوائها في وسط السَّماء بالنِّسبة لمكَّة) لأنَّه لا يكون للبيت أي للكعبة فَيْءٌ. فانظُر كيف أوقع الوهمُ المُخالفَ في الغلط فاستعجل الإنكار قبل أنْ يتحقَّق وهذا ليس شأن المُنصف. فمَن أَولى بالقرف مِن الصَّرصور الطَّيَّار الَّذي تكلَّم عنه!
ثالثًا:
وسهُل على المُخالف تخطئة ابن رُشد وهُو مَن هُو في العُلماء لقوله: <إذَا استوت الشَّمس في كبد السَّماء في أطول يوم مِن السَّنة> بعد أنْ كان خطَّأ شيخنا الهرريَّ فالعُلماء عندَه عيال عليه في العُلوم والمعارف الشَّرعيَّة! فما أقبح الغُرور إذَا أُضيف إلى الجهل والغفلةِ عن طريق السَّداد.
وتحقيق الكلام أنَّ ابن رُشد أراد جُملة أيَّام تشترك في أنَّه لا فَيْء فيها للبيت/الكعبة فإنَّ ذلك يكون في أطول يوم في السَّنة مُتَّصِلًا قبلها بنحو شهر وبعدها بنحو شهر ولا شكَّ أنَّ يومَي التَّعامُد داخلانِ في هذه المُدَّة؛ والقائلون بما ردَّه ابن رُشد إنَّما قاسوا على انعدام فَيْء الكعبة وقتها.
قال في [شرح مشكل الوسيط]: <والأثبت ما حكاه صاحب “الشَّامل” عن أبي جعفر الرَّاسبيِّ صاحب كتاب “المواقيت”: أنَّه قبل أنْ ينتهي طول النَّهار بستَّة وعشرين يومًا لا يكون للشَّخص فَيْء بمكَّة عند الزَّوال، وكذلك بعد ما ينتهي بستَّة وعشرين يومًا، والله أعلم> انتهى.
والشَّمس لو دلَّت على اتِّجاه القِبلة في يوم التَّعامُد -لكونها مُسامِتة للكعبة عند استوائها فوقها- لدلَّت على اتِّجاه القِبلة في أطول أيَّام السَّنة لأنَّها تكون مُقابلة للكعبة وقريبة مِن التَّعامُد فوقها ولكن لمَّا كان الكلام في التَّعامد أكثر وُضوحًا اقتصر الكلام في المسألة غالبًا على التَّعامُد لوُضوح مثاله.
ولو لم يُرد ابن رُشد التَّعامدَ لَمَا قال: <لأنَّ الشَّمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مُقابِلة للبيت ومُسامِتة له بدليل أنَّه لا فَيء له> انتهى وهذا دليل خطأ المُخالف الَّذي توهَّم أنَّ ابن رُشد يتكلَّم عن استوائها وسط السَّماء في بلد الرَّصد لا في مكَّة! وكان أحسَنَ المُخالف لنفسه لو سكت طويلًا.
وأخيرًا:
أقول لهذا المُخالف ومَن صفَّق له فأجيبوا عن قول ابن رُشد <لأنَّ الشَّمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مُقابِلة للبيت ومُسامِتة له بدليل أنَّه لا فَيء له> انتهى لو كنتُم صادقين وإلَّا فقد ثبت أنَّكُم تقتطعون معنى هذه الجُملة مِن كلامه فصدق فيكُم ما اتَّهمتُم به غيركُم كذبًا وظهر عوركُم.
فمَن المُدلِّس الَّذي يقتطع مِن الكلام ما يُغيِّر معناه (يا متعلمين يا بتوع المدارس)!؟
Jul 16, 2020, 12:08 PM
إمام أئمَّة المالكيَّة في زمانه
القاضي الفقيه ابن رُشد الجَدُّ
يُدمِّر أوهام أهل الفتنة
في مسألة تعامد الشَّمس فوق الكعبة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ قال ابن رُشد شيخ المالكيَّة في [البيان والتحصيل]: <وقد قال بعض العُلماء إنَّ القِبلة يُستدلُّ عليها في كُلِّ بلد بأيِّ جهة كان مِن الأرض بأنْ يستقبل الرَّجُل الشَّمس ويجعلَهَا بين عينَيه إذَا استوت الشَّمس في كبد السَّماء في أطول يوم مِن السَّنة لأنَّ الشَّمس تكون في ذلك الوقت في ذلك مُقابِلة للبيت ومُسامِتة له بدليل أنَّه لا فيء له فإذا استقبل الناظر إليها فقد استقبل البيت: وهذا القول ظاهره الصِّحَّة وليس بصحيح> إلى آخر كلامه.
2
وكلام ابن رُشد يُدمِّر أوهام أهل الفتنة؛ وقول أبي حنيفة: <الجنوب قِبلة أهل الشَّمال> انتهى إجماع عمليٌّ مُعتبَر أشار إليه العُلماء ومنهُمُ القرافيِّ في قوله: “فَإِنَّ اتِّبَاعَ ظَاهِرِهِ يُوجِبُ كَوْنَ الجَنُوبِ وَالشَّمَالِ قِبْلَةً لِكُلِّ أحد وَهُوَ خلاف (الإِجْمَاع) وَبِأَن المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ لَيْسَا قِبْلَةً لِأَحَدٍ وَهُوَ خِلَافُ (الإِجْمَاعِ)> انتهى وذلك أنَّه لو قيل المشرق والمغرب قِبلة كُلِّ أحد لكان مُخالفًا للإجماع بأنَّ أهل الشَّمال قِبلتُهُم إلى الجنوب لا إلى الشَّمال.
3
وأمَّا مَا في الكُتُب ممَّا أوهم خلاف ما تقدَّم فإمَّا لأنَّ كاتبه إنَّما أراد الكلام عن البلاد القريبة من مكَّة وإمَّا أنَّه ذهل أنَّ قوله يُؤدِّي إلى نقض الإجماع المذكور آنفًا وذهل أنَّ قوله يتضارب مع دلالة نجم القُطب في معرفة القِبلة وأنَّ لازمُه تضارُب أدلَّة القِبلة وهُو قول فاسد ردَّه القرافيُّ بقوله: <وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا فَمَنْ عَلِمَ جُمْلَتَهَا كَمَنْ عَلِمَ وَاحِدًا مِنْهَا> انتهى. والكُتُب مُشتملة على الصَّحيح والسَّقيم؛ ثُمَّ ليس كُلُّ خلاف مُعتبَر.
4
ولو فهم المُخالفون كلام أبي حنيفة وابن رُشد والقرافيِّ لَعرفوا بُطلان الاستدلال بتعامُد الشَّمس فوق الكعبة في معرفة القِبلة في أيِّ بلد كان مِن الأرض، ولَعرفوا أنَّهُم في أميركا الشَّماليَّة لو استقبلوا الشَّمس عند تعامُدها فوق الكعبة لكانوا مُستدبِرين للقِبلة لأنَّ تكوُّر الأرض جعلهُم يستقبلون النَّجم القُطبيَّ كما يستقبلُه الرُّكن الشَّاميُّ مِن الكعبة؛ وهذا نقيض استقبال القِبلة عند أهل الشَّمال لأنَّ العبرة بصحَّة الجهة لا بقصر الطَّريق.
5
والنَّجم القُطبيُّ أقوى علامات القِبلة ففي [حاشيتي قليوبي وعميرة]: <وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ وَأَعَمُّهَا لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ لِمُلَازَمَتِهِ مَكَانَهُ> انتهى فهذه أدلَّة الشَّرع قامت على أنَّ الجنوب قِبلة أهل الشَّمال فلا يُلتفت إلى ما يُخالفها: <لأنَّ اتِّفاق أهل الحساب لا عبرة بهم لعدم وُرود الشَّريعة المُحمَّديَّة بطريقتهم في استخراج القِبلة> كما أفاد الونشريسيُّ و<ولا يجوز أنْ تُجعل [الآلة] حاكمة على الأدلَّة الشَّرعيَّة> كما أفاد كذلك في موضع آخر.
6
فالمُخالفون بقولهم: (لم يقُل ببطلان طريقتهم أحد قبلنا) وقعوا في البُهتان؛ ولو خافوا الله لَمَا أفتَوا بخلاف قول العالِم العامل في أمر يتعلَّق بأعظم الأُمُور بعد الإيمان بالله ورسوله ولَمَا اتَّبعوا أقوال غير المُجتهدين المُعتبرين ولا سيَّما أنَّه لا جواب عندهُم على: لازمِ قولهم بتضارب أدلَّة القِبلة ومُخالفةِ طريقتهم للإجماع العمليِّ في أنَّ الجنوب قِبلة أهل الشَّمال، وقد يسَّر الله على النَّاس فلم يُكلَّفهُمُ الحساب لمعرفة ما تتوقَّف عليه صحَّة العبادة.
نهاية المقال.
Jul 16, 2020, 8:13 AM
https://t.me/ahl_alfatna_fe_mezan_alsharea
هذه قناة مخصصة لوضع مقالات كاملة في الرد على شبه أهل الفتنة في الشبهات التي يرمونها على الشيخ الهرري رحمه الله وعلى مشايخنا حفظهم الله وعلى جمعيتنا
بحيث يسهل على طالب العلم الرجوع إليها وقت الحاجة واستخدامها في الرد عليهم
لمراجعتي بأي ملاحظة
جزاكم الله خيرا
سيتم وضع ملفات بشكل دوري للرجوع لها وقت الحاجة
ملاحظة من مزايا قناة تلغرام سهولة الرجوع إليه عند الحاجة ولو حذفت كل الملفات على الجهاز تستطيع انزالها وقت ما تريد
Jul 15, 2020, 10:25 PM
