تشهد الاحتياط الواجب

مجلس 24:

الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله

وبعد فكلامنا اليوم في *مسألة تشهُّد الاحتياط الواجب*

هذه المسألة التي خلط فيها أهل الفتنة وخبطوا خبط عشواء

فضلُّوا كثيرا.. وأضلُّوا كثيرا

وجاءوا بالعجب العجاب

ونحن بإذن الله ندلهم إلى الصواب

اعلموا يا سادة

أن الإنسان يتشهَّد في حالات مختلفة

فمن ذلك:

  1. على سبيل العادة
  2. على سبيل الذكر
  3. التشهد الواجب (لا بنية الدخول في الإسلام)
  4. التشهد جزما بنية الدخول في الإسلام
  5. التشهد الاحتياطي الواجب

هذا ما حضرني اللحظةَ من وجوه النطق بالشهادتين

*وكلامنا في تفصيل الخامس بإذن الله تعالى*

فنقول متوكلين على الله

تشهُّد الاحتياط الواجب

والكلام فيه يحتاج إلى مقدِّمات ثلاثة

– أريدكم أن تركزوا في الأولى

– وأن تركزوا في الثانية

– وأن تزيدوا التركيز في الثالثة

*فالمقدِّمة الأولى:*

*أن يُقال: يجب على المسلم أن يكون جازمًا بالثبات على الإيمان*

وهذا مما درسناه كلنا في [مختصر الشيخ] من سنوات طويلة

– بعضنا من عشرين سنة

– وبعضنا من ثلاثين سنة أقل أو أكثر..

وهو قوله رحمه الله:

<يجب على كافة المكلفين الدخول في دين الاسلام *والثبوت فيه على الدوام>*

فما معنى *<والثبوت فيه على الدوام>* ؟

معنى ذلك أنه يجب

– أن يخلو قلبه من أي عزم على ترك الإسلام في المستقبل

– وأن يخلو قلبه من أي تردُّد في ذلك

* فإن نوى الكفر في المستقبل = كفر في الحال

* وإن علَّق كفره على شيء = صار كافرا في الحال

والتعليق هنا -تعليق كونه كافرا- يحتمل أن يكون بنية للمستقبل

ويحتمل أن يكون على شيء في الماضي

*مثال:* كأن اختلف مع أحد في خبر ماض فقال: (حصل) وقال خصمه: (لم يحصل)

ثم يقول: إذا صح كلامك أكون أنا كافرًا

– فإن أراد التهديد = كفر في الحال

– وإن أراد التعليق = كفر في الحال كذلك لأن كفره صار مُعلَّقًا على ما لو كان ذلك حصل حقًّا

هل في هذا الكلام ما يُختلف فيه!

بالتأكيد لا

*فما الدليل على أن (مَن علَّق كفره على شيء يصير كافرا) من أقوال العلماء؟*

*الجواب:* ما نقله شيخنا رحمه الله من قول الشيخ زكريا الأنصاري في شرح الرَّوض [4/118] _في بابِ الردة_ ونصه: <أو عَزَمَ على الكُفرِ أو *علَّقَهُ>* انتهى

ولاحظوا قوله: *أو علَّقه*

فإذَا شخص:

  1. يعلم أنَّ من الكُفر المُجمع عليه: مسبَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- (وهذا مما عمَّت به البلوى في بعض البلدان والعياذ بالله تعالى)
  2. ثم شَكَّ (هل صدر ذلك منه)

*والشَّكُّ -هنا- المراد به الشك الحقيقي (مهما كان ضعيفا)*

يعني مهما كان الاحتمال الحقيقي ضعيفًا يعني ولو 1%

لا مجرد خاطر مَرَّ في باله دون إرادة منه

  • ولم يفعل شيئا يحمي قلبه مِن تلبُّس هذا الشَّك

هذا الشَّخص = صار كُفره (مُعلَّقًا) على ما لو كان ذلك صدر منه

كيف يعني صار كفره مُعلَّقًا؟

يعني عندما احتمل أنه صدر منه كُفر (يعرف أنَّه كُفر بالإجماع)

تعلَّق كُفره بذلك الاحتمال = فيكفُر في الحال

*لأنه ما عاد جازمًا بالثَّبات على الإيمان*

ويلزمه أن يتشهَّد جزمًا للدخول في الإسلام – (لا احتياطا)

*والمقدِّمة الثانية:*

أن يُقال:

إنه لمَّا كان الرضى بالكفر كفرًا

-وهذه قاعدة شرعية مُتَّفَق عليها – لا خلاف فيها-

كان لا بد أنَّ مَن رضي أن يكون على حال الكفر فقد كفر

وكذلك إذَا رضي أن يكون على حال تحتمل الكفر والعياذ بالله

فإذَا شخص:

  1. يعلم أنَّ مِن الكفر المجمع عليه: مسبَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-
  2. ثم شَكَّ شكًّا حقيقيًّا (هل صدر ذلك منه)
  3. ولم يفعل شيئا يحمي قلبه به مِن تلبُّس هذا الشَّكِّ

هذا الشخص = صار في حُكم مَن رضي بالكفر

لماذا؟

لأنه عندما رضي لنفسه أن يكون على حال يحتمل معها أن يكون كافرًا

لزمه ضرورة أن يكون رضي بذلك الكفر

لزمه ضرورة أن يكون رضي باحتمال الكفر على نفسه

وهنا يلزمه أن يتشهَّد جزمًا للدخول في الإسلام – (لا احتياطا)

*وهنا تنبيه:*

الرضى هنا لا يُشترط فيه الفرح والسرور واستشعار البهجة

الرضى في الأصول هو الأخذ والقبول

فبمجرد تركه نفسه على حالة تلبس قلبه بالرضى بالكفر

يكون أخذ بذلك الكفر ولو لوقت قصير من الزمن

قَبِلَ لنفسه بأن يكون على احتمال الكفر والعياذ بالله

وهذا الأخذ والقبول = هو الرضى المراد عند الكلام في الأصول والعقائد

والرضى بالكفر كفر والعياذ بالله

*والمقدِّمة الثالثة:*

وهي مهمة جدا

وهي أن يُقال:

 إن (استدامة الإيمان واجبة فمَن تركها كفر)

وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين

*مَن مِن العلماء ذَكَرَ وجوب استدامة الإيمان وأنَّ مَن تركها كفر؟*

*الجواب:*

قال الشَّيخ زكريَّا الأنصاريُّ في [أسنى المطالب في شرح روض الطالب]: <واستدامة الإيمان واجبة فمَن تركها كَفَر> انتهى.

*ما معنى (استدامة الإيمان واجبة فمَن تركها كَفَر)؟*

معناه أن مَن خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا = صار كافرًا

يعني (مَن صار في حالة لا يعرف معها “هل هو مؤمن يقينًا”) = هذا خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا = صار تاركًا لليقين بكونه مؤمنًا = *فيكفُر في الحال*

فإذَا شخص:

  1. يعلم أن مِن الكفر المجمع عليه: مسبَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-
  2. ثم شَكَّ شكًّا حقيقيًّا (هل صدر ذلك منه)
  3. *ولم يفعل شيئا يحمي قلبه به مِن تلبُّس هذا الشَّكِّ*

هذا الشخص = خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا

لماذَا؟

لأنه عندما شَكَّ أنه صدر منه كُفر يعلم أنَّه كُفر مجمع عليه

وترك نفسه حتى تلبَّس قلبه ذلك = خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا

لزمه -ضرورة- أنه خرج عن استدامة الإيمان

فهو لم يعد مُتَيَقِّنًا مِن كونه مؤمنًا

لأن قلبه تلبَّس حالة احتمال كونه سَبَّ النبي مِن قبل

فهذا يتشهَّد جزمًا للعودة إلى الإسلام

*وهنا تنبيه:*

القاعدة التي تقول: (اليقين لا يزول بالشك)

هذه ليست قاعدة قالها النبي ثم العلماء طبقوا عليها كل السائل

لذلك هي ليست قاعدة عامة بل قاعدة على أغلب الأحوال لا في كل الأحوال

*مثال:*

 لو شخص نام وهو *على يقين* أنه مُتوضِّئ

ثم استيقظ وهو على شَكٍّ: (هل خرج ريح منه أم لم يخرج)

ألا يلزمه الوضوء؟

بلى

إذًا.. مع كونه مُتَيَقِّنًا أنه كان على وضوء

وشَكَّ هل خرج منه ريح في نومه أم لا

مع ذلك وجب عليه الوضوء

فالقاعدة المذكورة لم تعمل هنا

فمِن هنا نعلم أن تلك القاعدة التي يذكرها البعض

ليست قاعدة في كل الأمور على الإطلاق

بل في أغلب الأمور

*تنبيه ثان:*

1. هل يكفُر الشخص لمجرد طروء الشَّكِّ على قلبه (بأنه سَبَّ النبي مِن قبل)؟

2. أم يكفُر إنْ طرأ الشك – ولم يفعل ما يحفظه مِن تلبُّس قلبه بالكُفر؟

*الجواب:*

لا يكفُر لمجرد طروء ذلك الشَّكِّ على قلبه

ولكن يكفُر إن لم يفعل ما يدرأ عنه تلبُّس القلب بحالة الكفر (كما في الأمثلة التي اشتملت عليها المقدِّمات الثلاثة التي ذكرناها)

إذًا.. ذكرنا ثلاث مقدِّمات

لنفهم أن مَن تعلَّم أن نحو مسبَّة النبي كفر بالإجماع

ثم شَكَّ هل صدر منه ذلك أم لا

ولم يفعل ما يحفظ به قلبه مِن التَّلَبُّس بحالة الشَّكِّ المذكور

صار كافرًا

*والسؤال الآن هو: ماذَا يجب على الإنسان أن يفعل -إنْ طرأ عليه الشَّك المذكور- كي لا يتلبَّس قلبه إحدى الحالات الكُفرية التي ذكرناها في المقدِّمات الثلاثة؟*

*الجواب:* يجب عليه أن يتشهَّد للاحتياط فورًا بعد طروء الشَّكِّ المذكور

*فإنْ أخَّر بعد طروء الشَّكِّ صار عليه أن يتشهد جزمًا*

فإذَا تشهَّد للاحتياط الواجب فورًا:

—> حَفِظَ قلبه مِن

  1. *التلبُّس بحالة الشَّكِّ والخروجِ عن اليقين بكونه مؤمنًا*
  2. *أن يكون في حُكم مَن علَّق كُفره على شيء*
  3. *أن يكون رضي لنفسه بالكُفر*

يكون حَفِظَ قلبه مِن التَّلبُّس بأيٍّ مِن هذه الآفات الكفرية

ماذَا نفهم مِن كل ما مَرَّ معنا؟

هل نفهم أن تشهُّد الاحتياط هو حُكم بالتكفير جاء به شيخنا رحمه الله (لم تعرفه الأمة من قبل)!

أم هو وسيلة لتجنُّب التَّلبُّس بحالة الكُفر؟

*الصواب:* هو وسيلة يتجنَّب بها المرء أن يتلبَّس بالكُفر

ومِن -هنا- القول بوجوبه

*لأنه لا خلاف بين العلماء في وجوب تجنُّب التَّلبُّس بالكُفر.. وهذا ما قاله شيخنا عندما نَصَّ على وجوب تشهُّد الاحتياط في بعض الحالات منعًا للتَّلبُّس بالكُفر*

أليس كذلك؟ بلى

إذًا.. تشهُّد الاحتياط ليس حُكمًا بالتكفير لم تعرفه الأُمَّة من قبل

كما توهَّم المُتفحِّشون أهل الفتنة

بل حُكمُ وجوبِ استدامة الإيمان وأنَّ مَن ترك ذلك كفر

هو أمر معروف بين العلماء نصُّوا عليه في الكتب

هذا هو أصل المسألة

وجوب استدامة الإيمان

  1. وهو إجماع بلا شَكٍّ
  2. بالإجماع يجب أن يكون قلبه جازمًا بالثبوت على الإيمان
  3. بالإجماع لا يُعلِّق كُفره على شيء
  4. وبالإجماع لا يتردَّد في الثبات على الإيمان

لذلك إنْ سألكم أهل الفتنة عمَّن نَصَّ على وجوب تشهُّد الاحتياط

قولوا لهم إنه:

  1. لا خلاف في وجوب استدامة الإيمان
  2. ولا خلاف في كُفر مَن رضي بالكفر
  3. ولا خلاف في كُفر مَن علَّق كُفره على شيء

واسألوهم:

*أليس واجبًا على المسلم المؤمن أن يدفع عن نفسه ما يُخرجه عن الثبوت على الإيمان!*

*أليس واجبًا على المؤمن أن يحفظ نفسه مِن أن يشكَّ بدينه بإيمانه بإسلامه!*

فينقطعون بإذن الله

نعود إلى ذكر بعض تفاصيل تشهُّد الاحتياط

*متى ينفع تشهُّد الاحتياط؟.. ومتى لا ينفع؟*

*تشهُّد الاحتياط ينفع في حالتَين*

*الحالة الأولى:*

شخص كان في درس فسمع أن مسبَّة النبي كُفر مجمع عليه

ثم شَكَّ هل صدر ذلك منه أم لا؟

فهذا ينفعُه التَّشهُّد للاحتياط فورًا

فإنْ أخَّر صار عليه التَّشهُّد جزمًا لأنه يكون خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا

*الحالة الثانية:*

أن يشكَّ في صدور كلام منه؛ له وجهانِ في اللغة

  • أحدهما كُفري..
  • والآخَر ليس كُفريًّا

وهو يعرف القواعد ويميِّز الكفر عن غيره

لكنه شَكَّ على أي معنًى قال ذلك الكلام

فهذا يتشهَّد فورًا للاحتياط وجوبًا

ينفعه

ويلتحق بالحالة الثانية ما لو شَكَّ في صدور (كلام صريح في الكُفر) منه

لكنه شَكَّ هل قالها على الوجه الكُفري أم كان وقت النُّطق بها مُتوهِّمًا أن لها معنى آخَر ليس كُفريًّا

فهذا صار في حُكم مَن تلفظ بكلام ظاهر في الكُفر -له معنيانِ- ثم شَكَّ على أي وجه قال ما قال

فهذا يتشهَّد للاحتياط وجوبًا فورًا

*تمثيل:*

وذلك كشخص كان في مجلس

فقال له الثقة: (مَن قال “الله موجود في كل الوجود” – فهذا كفر صريح – إلَّا أن يكون الشخص الذي قال هذه الكلمة لا يفهم معناها بل يفهم “عالم بكل الوجود” فإنه لا يكفُر بهذا الفهم ولكن عليه معصية)

فلمَّا سمع الشخص هذا الكلام تذكَّر أن هذه العبارة صدرت منه

ولكنه شَكَّ هل قالها على معناها في اللغة أم كان يفهم منها معنى آخَر ليس كُفرًا

فهذا يتشهَّد للاحتياط وجوبًا فورًا

وقبل أن نتكلَّم عن الحالة التي لا ينفع معها تشهُّد الاحتياط

أريد أنْ أسأل وأنْ أجيب

*ما حُكْمُ مَن حَكَمَ بالإسلام على (مَن خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا)؟*

*الجواب: كَفَر*

..

*للتقريب:* إذَا خرج *(زيد)* عن اليقين بكونه مؤمنًا

ثم جاء *(عمرو)* فقال: (لم يكفُر زيد)

كَفَرَ *(عمرو)*

*يعني يكفُر مَن يقول:* (إذا شَكَّ شخص بصدور مسبَّة النبي منه؛ وكان يعلم أنَّ مسبَّة النبي كُفر بالإجماع؛ _ولم يتشهَّد للاحتياط الواجب_ ليس عليه ضرر في دينه).. *مَن قال هذا الكلام الذي مَرَّ بين قوسين: هو يكفُر والعياذ بالله*

وهذا صدر مِن بعض أهل الفتنة والعياذ بالله

لم يفهموا المسألة

لأنهم جَهَلَة على التحقيق متصولحة لا يرجعون إلى قول عالم عامل

سمحوا لأنفسهم بالخوض في مسائل خطيرة

فزلت أقدامهم بها في جهنم -والعياذ بالله- إلا او استدركوا بالتوبة قبل الفوت

ودليل أنهم ما فهموا المسألة

أنهم يسألونك: مَن مِن العلماء نَصَّ على وجوب تشهد الاحتياط!

ويسألونك: مَن نَصَّ على الإجماع فيها!

..

*فكيف تدلُّ هذه الأسئلة على جهلهم يا ترى؟*

*الجواب:*

  1. لأنهم لمَّا سألوا عن هذا؛ كانوا كمَن لا يعرف *وجوب أن لا يخرج المسلم عن اليقين بكونه مؤمنا*
  2. ولمَّا سألوا عن هذا؛ كانوا كمَن لا يعرف *وجوب أن يدفع الإنسان عن نفسه تلبُّس حالة الشَّكِّ بالإيمان*
  3. ولمَّا سألوا عن هذا؛ كانوا كمَن لا يعرف وجوب أن يدرأ المسلم الكفر عن نفسه وأن يرده عنه *فيا لخيبة أهل الفتنة*

لماذا يقتحمون جهنم وهم لا يعلمون!

مَن الذي جرَّأهم على الكلام في مثل هذه المسائل الخطيرة بخلاف قول العالم العامل وهم لا يصلحون للكلام في أقل من هذا..

*إلى أين يريدون أخذ أنفسهم وأهلهم!*

*وفي أي عذاب يريدون رمي إخوانهم وأصدقائهم!*

*لماذَا يكفرون بالله لمجرد شهوة التمشيخ على خلق الله!*

نعود لموضوع مجلسنا

*إذًا.. ومتى لا ينفعه تشهُّد الاحتياط؟*

وهذا سؤال مهم للغاية

لأنه وقع من البعض ما لا ينفعهم في هذا الباب

*الجواب:*

*لا ينفع تشهُّد الاحتياط الواجب إلا إن كان الشخص يعلم حُكم ما صدر منه*

لأنه -إن لم يعلم فمعناه أنه- لا يميز الكُفر من غيره

شرط الانتفاع بتشهُّد الاحتياط هو العلم بالحُكم

معرفة القواعد التي بها يميِّز الشخص بين الكُفر وغيره

*فلو تشهَّد -وهو لا يعرف أن حُكم ما صدر منه كُفر- فلا ينتفع*

*سؤال*

شخص فعل ما لا يعرف حُكمه في الشرع

فهل يخرج -لمجرد جهله بالحُكم- عن اليقين بإيمانه؟

*الجواب:* هذا لا يقتضي ذلك بالضرورة

وله صورتان اثنتان

*الأولى:*

فيما لو كان صدر منه = فعل كفري

هو متأكد أنه فعله

*ولكنه لم يكن يعرف أنه فعل كُفري*

*فهذا لن ينفعه تشهُّد الاحتياط* كما سبق بيانه

بل لا ينفعه إلا التَّشهُّد جزمًا للدخول في الإسلام بعد معرفة الحُكم

*الثانية:*

فيما لو كان ما صدر منه = ليس كُفرًا

ولم يكن يعرف الحُكم

فهذا لا يخرج -لمجرد الجهل بالحكم- عن اليقين بكونه مؤمنًا

وهذا لا يجب عليه تشهُّد الاحتياط

لأن تشهُّد الاحتياط واجب في حالة حصل عنده الشَّكُّ بصدور نية أو قول أو فعل *يعلم أنه كُفر بيقين كُفر مجمع عليه*

والذي حصل مع سيدنا عمار بن ياسر من هذا النوع

صدر منه مسبَّة النبي –صلى الله عليه وسلم- *تحت الإكراه بالقتل*

وافق المشركين بلفظه *مُكرَهًا بالقتل* لِمَا ناله مِن الأذى ولكنَّ قلبَه كان يأبى ما يقول لسانه *مُكرَهًا بالقتل* – لم ينشرح قلبه لِمَا نطق به لسانه *تحت الإكراه*

فلم يكفُر عمار بن ياسر رضي الله عنه

والذي حصل مع عمار

ولو لم يكن يعرف حُكم ما صدر منه بدايةً

لا يقتضي الخروج عن اليقين بكونه مؤمنًا

بدليل قول الله تعالى: *{وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}*

وفي كتب المُفسرين أنها *نزلت في عمار رضي الله عنه*

*والاطمئنان بالإيمان يناقض تلبُّس القلب بالشَّكِّ واحتمال الكفر*

المُطمئن بالإيمان لا يكون عنده احتمال أنه واقع في الكُفر

*والخلاصة:*

أنه يوجد فرق كبير

  • بين مَن شَكَّ في صدور ما يَعلم أنه كُفر بيقين أنَّه كُفر مُجمع عليه
  • وبين مَن فعل شيئًا ولم يكن يعرف ما حُكمه في الشرع

*ففي الحالة الأُولى:* اقتضى أنه خرج عن اليقين بكونه مؤمنًا *لأنه متأكد أن ما شَكَّ في صدوره منه هو كُفر بيقين بالإجماع*

*وفي الحالة الثانية:* لم يقتضِ الخروج عن اليقين بكونه مؤمنًا (لأنه لم يحتمل عنده أنه فعل ما هو كُفر بيقين بالإجماع)

في هذا القدر مِن الشرح كفاية

والأجر مِن الله تعالى لنا غاية

وآخر النداء الحمدلله الحمدلله

وقبل أن أفتح المجموعة

*فيما يلي نصٌّ قرأته على الثقة الضابط مما سمعه هو مِن الشيخ سمير القاضي حفظه الله تعالى:*

بِسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

مَنْ حَصَلَتْ منهُ مسألةٌ غيرُ صريحةٍ في الكُفرِ وتَحتملُ الكُفرَ وخافَ منها وكرهَهَا وأرادَ الخَلاصَ منها ولم يَجِدْ مَنْ يسألُهُ؛ فتشهَّدَ احتياطًا -وهُو يعرفُ القواعدَ الَّتي يُعرفُ بها الكُفرُ- ينفعُهُ هذا التَّشهُّدُ فيمَا لو تبيَّنَ لهُ فيمَا بعدُ أنَّ فيهَا كُفرًا.

هُوَ لم  يكُنْ مُتَذَكِّرًا عندَ التَّشهُّدِ أنَّهُ قالَها على ذلكَ الوجهِ. ومَنْ قالَ لا ينفعُهُ في هذا الحالِ يكفُرُ.

لكِنْ هذه القاعدةُ لا يدخُلُ تحتَها الحالُ الَّتي يَتَلَفَّظُ فيها الشَّخصُ بالكلمةِ الظَّاهرةِ في الكُفرِ قاصدًا بها معنًى كُفريًّا مُجمَعًا على كونِهِ كُفرًا وهُو يجهلُ أنَّ هذا كُفرٌ أي يعتقدُ أنَّهُ لم يكفُرْ بذلكَ أو يشُكُّ هل كَفَرَ أوِ ارتكَبَ حرامًا فقط، فإنَّ تشهُّدَهُ للاحتياطِ في هذهِ الحالِ معَ جزمِهِ بأنَّهُ قصدَ ذلكَ المعنَى الَّذي حُكمُهُ أنَّهُ كُفرٌ بالإجماعِ لا ينفعُهُ لأنَّهُ في الحقيقةِ ما زالَ لا يُمَيِّزُ الكُفرَ مِن غيرِهِ ولم يَفهمِ القواعدَ على وَجهِهَا.. وسواءٌ في ذلكَ أكانَ في البلدِ عالِمٌ يسألُهُ أم لا.

وذلكَ كشخصٍ قالَ: (قَصعةُ ثريدٍ خيرٌ مِنَ الله) وقصدَ بذلكَ أنَّ قَصعةَ الثَّريدِ أفضلُ مِنَ اللهِ فإنَّهُ يكفُرُ؛ فإنْ تشهَّدَ -وهُوَ بعدُ يظُنُّ أنَّ مَا قالَهُ ليسَ كُفرًا أو يشُكُّ هل هُوَ كُفرٌ أم حرامٌ فقط- لم ينفعْهُ تشهُّدُهُ.. سَواءٌ كانَ تشهَّدَ جزمًا أمِ احتياطًا أمْ لِمُجرَّدِ الذِّكرِ.

انتهى

تفضَّلوا بالأسئلة إن وُجدت

ولتكن ضمن ما تناولنا الكلام عنه في المجلس

مجلس23:

الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله

اللهم ارزقنا حسن النوايا

ويسر لنا التوفيق حتى نلقى وجهك الكريم

فليعلم أن القول بجواز الصغائر التي لا خسة فيها على الأنبياء

ليس طعنا بالأنبياء ولا تنقيصا لهم صلوات الله عليهم وسلامه

ولو كان كذلك لما قال الجمهور به

الخصوم من أهل الفتنة يقرون أن الجمهور على تجويز هذه الصغائر على الأنبياء

يعترفون بأن هذا قول الجمهور

فلو كان نسبة صغيرة لا خسة فيها لنبي أمرًا فيه تنقيص للأنبياء لما قال به الجمهور

وعليه فالجمهور القائل بجواز الصغائر التي لا خسة فيها على الأنبياء

يعرفون أن القرآن والحديث الصحيح الثابت دل على وقوعها منهم

بالتالي فهم لا يخالفون في القول بتفسير الآيات ما جوزوه على الأنبياء

بمعنى

أن هذه الصغائر جائزة على الأنبياء فلا يتأولون النصوص القرآنية والحديثية الصحيحة الثابتة التي نصت على وقوعها منهم صلوات الله عليهم وسلامه

وكل هذا مما لا يستطيع أهل الفتنة إنكاره

ومن أنكره منهم فقد أنكره عنادا وتَحَكُّمًا

أي بلا دليل ولا حجة شرعية

بلا سبب يدعو إليه الشرع

وهذا كله واضح جلي عند كل عاقل

ولذلك يسقط قول بعض أهل الفتنة الجواز غير الوقوع

لأن القائلين بالجواز يعرفون أنه لا يصار إلى تأويل نصوص القرآن إلا بضرورة شرعية

وكيف تكون الضرورة الشرعية في إخراج ما دل على وقوع الأنبياء في صغائر لا خسة فيها طالما الشرع يُحوز وقوع ذلك من الأنبياء!

فهذا مما انقطع فيه أهل الفتنة

قطعتهم الحجة الشرعية

وصاروا مضطرين للخوض فيما سوى الدليل حتى يموهوا على خلق الله

وهذا مما سرَّع في اندحار بدعتهم

وانطفاء فتنتهم

كما نرى اليوم ولله الحمد سبحانه وتعالى

أما ما جاء فيما سوى القرآن الكريم والحديث الصحيح الثابت

من نسبة ما لا يليق بالأنبياء إليهم

فهذا مما يُحذر ويُحذَّر منه

وجماعتنا ولله الحمد أشهر من رد عن أنبياء الله مثل ذلك

فنحن نقول إن يوسف عليه السلام ما همَّ بالزنا

وإبراهيم عليه السلام ما عبد الكواكب

وأيوب عليه السلام ما خرج منه الدود

وداود وسليمان ما وقعا في الرذائل التي ينسبها إليهم اليهود والنصارى

ونحن من يقول إن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا أنبياء

نقول إنهم ما نبئوا

خلافا لما هو في بعض الكتب من القول بنبوتهم

وهو قول غير معتبر

فالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه

معصومون من الكفر والكبائر وصغائر الخسة ومن الرذالات ومن المنفرات بالإجماع

بالاتفاق بين المعتبرين

وما خالف هذا الكلام فإما هو دس وإما تصحيف من جهلة النساخ وإما هو قول غير معتبر

وأذكر لكم بعض أقوال علماء أهل السنة والجماعة في كون الأنبياء معصومين عن الكبائر بالإجماع

قال ابن بَطَّال فِي [شرحه على البُخارِيِّ]: <فأجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّهم معصومونَ فِي الرِّسالةِ *وأنَّهُ لا تقعُ منهم الكبائرُ..>* انتهى.

قال الحافظ الكلاباذي الحنفيُّ فِي [التَّعرُّف لمذهب أهل التَّصوُّف]: <وَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ كَبِيرَةٌ بِإِجْمَاعٍ. وَلَا صَغِيرَةٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ> انتهى.

وقال القاضي عياض: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِر> انتهى.

وقال فِي [شرح الشِّفا]: <(وذهبت طائفة أُخرى مِن المُحقِّقين مِن الفُقهاء والمُتكلِّمين إلى عصمتهم مِن الصَّغائر) المُختلف فِي وُقوعها منهم (كعصمتهم مِن الكبائر) أي المُتَّفق على عدم صُدورها منهم> انتهى.

وقال أبو حامد الغزاليُّ فِي [المنخول مِن تعليقات الأُصول]: <لا يُتوصَّلُ إلى ذلكَ إلَّا بذكرِ مُقدِّمةٍ فِي عصمةِ الأنبياءِ عنِ المعاصِي وهيَ مُنقسمةٌ إلى الصَّغائرِ والكبائرِ وقد تقرَّرَ بمسلَكَ النَّقلِ كونُهم معصومِينَ عنِ الكبائرِ وأمَّا الصَّغائرُ ففيهِ تردُّدُ العُلماءِ> انتهى.

وقال ابن رشد الجَدُّ الفقيه فِي [البيان والتَّحصيل]: <لا اختلافَ أنَّهم معصومونَ مِنَ الكبائرِ> انتهى.

وفي [الإقناع فِي مسائل الإجماع] لابن القطَّان: <وأجمع المُحقِّقون [..] الأُمَّة وخَلَفها قاطبة على ثُبوت عصمة النَّبيِّين عن جُملة الكبائر> انتهى.

وقال أبو العبَّاس القُرطبيُّ دفين الإسكندريَّة فِي كتاب [المُفهم لِمَا أشكل مِن تلخيص صحيح مُسلم] ما نصُّه: <ومعصومون مِن الكبائر وعن الصَّغائر الَّتي تُزري بفاعلها وتحطُّ منزلته وتُسقط مُروءته إجماعًا..>انتهى.

وفي كتاب [الكامل فِي أُصول الدِّين] فِي اختصار كتاب [الشَّامل فِي أُصول الدِّين لإمام الحرمَين الجُوَينيِّ]: <وكُلُّ ذلك يدُلُّ على صُدور بعض الذُّنوب منهم وليس فِي العقل ما يُحيله. نعم لا يجوز إصرارهم على الصَّغائر وتُواطؤُهم عليها وِفاقًا لأنَّه يُلحق بالكبائر> انتهى.

وقال أبو المُظفَّر السَّمعانيُّ فِي [تفسير القُرآن]: < وقد كان معصومًا مِن الكبائر> انتهى.

وقال ابن عطيَّة فِي [المُحرَّر الوجيز] ما نصُّه: <وأجمع العُلماء على عصمة الأنبياء عليهم السَّلام مِن الكبائر والصَّغائر الَّتي هي رذائل. وجوَّز بعضهم الصَّغائر الَّتي ليست برذائل واختلفوا هل وقع ذلك مِن مُحمَّد عليه السَّلام أو لم يقع> انتهى.

نقف اليوم هنا

والحمدلله أولا وآخرا

تفضلوا بالأسئلة

أضف تعليق