حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <6>
سببُ خُروج آدمَ وزوجِه عليهما السَّلامُ مِن الجنَّة
1
واللهُ تعالى منعَ آدم وحوَّاء عليهما السَّلام مِن ثمرة واحدة مِن ثمار الجنَّة وأباح لهُمَا ما سواها، فوسوس الشَّيطان لهُمَا، قال الله في القُرآن: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}.
2
فأكل آدمُ وحوَّاء عليهما السَّلام مِن تلك الثَّمرة، وهي معصية ليست كبيرة لأنَّ الأنبياء عليهمُ السَّلام معصومون مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبوَّة وبعدها ويجوز عليهم ما سوى ذلك فينبَّهون فورًا للتَّوبة قبل أن يقتديَ بهم فيها غيرُهُم، قال تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}.
3
فنُزِع عن آدم وحواء عليهما السَّلام لباسُهُما وانكشَفَتْ لهُمَا سوآتُهما فطفقَا يُلصقانِ عليهما مِن ورق الجنَّة وكان لباسُهُما الَّذي كان عليهما مِن نُور، وقال الله تعالى: {فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ}. فأُمِرَا بالخُروج مِن الجنَّة والهُبوط إلى الأرض.
4
إذًا؛ أمر الله تعالى سيِّدنا آدم وحوَّاء عليهما السَّلام بالهُبوط مِن الجنَّة إلى الأرض بعد أنْ مكثَا في الجنَّة مائةً وثلاثين سنة، وأخبرهُمَا أنَّ العداوة بينهُمَا وبين إبليس اللَّعين ستظلُّ قائمة إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}.
5
فهبط آدم عليه السَّلام في الهند في أرض تُسمَّى سرنديب على أشهر الأقوال؛ وقيل نَزَلَت حوَّاء عليها السَّلام في جُدَّة، فجاء سيِّدُنا آدم في طلبها فَازْدَلَفَتْ أي اقتربت إليه حوَّاءُ فسُمِّيَت المُزدلفة وقيل إنَّهُمَا تعارفَا في عَرَفَات فلذلك سُمِّيَت، وأمَّا إبليس فقيل إنَّه نزل بالأُبُلَّة أرض في العراق.
6
وعلَّم الله تعالى آدم أسباب المعيشة مِن البذر والحصاد وخياطة الثِّياب وسبك النُّقود. وتناسل آدم وحوَّاء عليهما السَّلام فعلَّم آدمُ أولاده أُمُور الإسلام فكانوا جميعًا على الإسلام، ثُمَّ نُبِّئ بعدَ آدمَ ابنُه شيث؛ ثُمَّ إدريس؛ ثُمَّ كَفَر بعده بعض البشر بعبادة الأصنام فبعث الله الأنبياء مُبشِّرين ومُنذرين.
7
* قال تعالى: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ورُوي عن مُجاهد قال: “الكلمات: اَللَّهُمَّ لا إله إلَّا أنت سُبحانك وبحمدك، ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنَّك خيرُ الرَّاحمين، لا إله إلَّا أنتَ سُبحانك وبحمدك، ربِّ إنِّي ظلمتُ نفسي فتُبْ عليَّ إنَّك أنت التَّوَّابُ الرَّحيم”.
* فائدة: لم يَرِدْ في الأثر ما هي هذه الشَّجرة، لذلك اختلف العُلماء في تعيينها. فقيل قال بعض أهل الكتاب: هي شجرة التُّفاح، وقيل: هي النَّخلة، وقيل غير ذلك، وقال بعضُهُم: هذا الخلافُ لا طائلَ تحته لأنَّه لا يتعلَّق بتعيينها حُكم شرعيٌّ ولا فائدة تاريخيَّة وإلَّا لعيَّنها لنا القُرآن الكريم.
* تنبيهٌ: لا يَجُوزُ أنْ يُقَالَ “آدَمُ طُرِدَ مِن الجَنَّةِ”. يُقَالُ “أُخْرِجَ” فَقَط. وإنْ قِيلَ “عُوقِبَ بإِخْرَاجِهِ” لا يَضُرُّ لأنَّهُ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ وَبَعْضٌ يَقُولُونَ هذَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ بَعْدَمَا نَزَلَ علَيهِ الوَحْيُ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
* في المقال التَّالي: قصَّة قابيل وهابيل.
Jul 28, 2020, 12:11 AM
مُقابلة مع الشَّيخ أُسامة رَخَا حفظه الله
موضوع المُقابلة: عصمة الأنبياء
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فنعتذر عن التَّأخير ببدء المُقابلة فقد تعسَّر علينا عمل البثِّ المُباشر لأسباب تقنيَّة خاصَّة لذلك طلبنا مِن الشَّيخ مُقدِّمة في فيديو قصير مُسجَّل قبل الشُّروع في طرح الأسئلة فعلى بركة الله أترُكُكُم مع الفيديو.
Jul 23, 2020, 11:20 AM
فيديو الشَّيخ أُسامة رخا
يطلُّ علينا اليوم
فضيلة الشَّيخ أُسامة رَخَا حفظه الله
في المُقابلة <1>
ليُجيب عن أسئلتكُم في المسائل الثَّلاث:
1. عصمة الأنبياء
2. اتِّجاه القِبلة في أميركا الشَّماليَّة
3. حُكم البُغاة
وذلك لمُدَّة 60 دقيقة فكونوا معنا.. وجزاكُمُ الله خيرًا
Jul 23, 2020, 2:13 AM
حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <5>
كيف عرَف الملائكة أنَّ بني آدمَ يُفسدون
1
قبل أنْ يخلُق الله آدمَ عليه السَّلام كانت الملائكة تطوف بالبيت الَّذي هُو الكعبة ثُمَّ أخبر الله تعالى الملائكة أنَّه استخلف آدم وبَنِيْهِ في هذه الأرض ليعيشوا فيها ولعَمارتِها أي لتكون معمورة بهم ولينتفعوا بما فيها مِن النِّعَم فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلـٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}.
2
فسألت الملائكة ربَّها عن جَعْلِه خليفةً في الأرض وسؤال الملائكة كان مِن باب الاستعلام عن الحكمة لا اعتراضًا على قضاء الله؛ قال تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي نحن نعبُدُك دائمًا ولا يَعصيكَ منَّا أحدٌ.
3
فبيَّن اللهُ للملائكة الحكمة من جعْلِ آدم خليفةً في الأرض وهُو أنَّ ذُرِّيَّة آدم مِن البشر وإنْ كان فيهم مَن يسفكُ الدِّماء ويُفسدُ في الأرض، لكن منهُمُ الأنبياءُ والأولياءُ، وبيَّن فضل آدم بأنْ علَّمه الأسماء كلَّها. قال تعالى: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} فصار آدمُ يقول لهُم: هذا اسمُه كذا هذا اسمُه كذا.
4
عرف الملائكة الحكمة مِن استخلاف الله لآدم في الأرض فقد كان قبل ذلك جنٌّ يعيشُون في الأرض فأفسدُوا فأحرقتهُمُ الملائكةُ على ما ورد في بعض الآثار، لذلك سأل الملائكةُ اللهَ عن هذا، وليس السَّبب ما قال بعضُ النَّاس مِن أنَّه قد سبق آدم أوادمُ كثيرون فهذا هراء ليس له أساس صحيح.
5
وأمر اللهُ تعالى سيِّدنا آدم وزوجته حوَّاء عليهما السَّلام أنْ يسكُنَا الجنَّة، وهي جنَّة الخُلد الَّتي سيدخُلُها المؤمنُون يوم القيامة. وقد أباح اللهُ لآدم وحوَّاء سُكنى الجنَّة والأكل مِن ثمارها والشُّرب مِن مياهها والتَّنعُّم بنعيمها مِن غير مشقَّة ولا تعب يلحقُهُما فعاشَا فيها ما شاء الله لهُمَا مِن الزَّمن.
6
سكن آدمُ وزوجُه الجنَّة وصارا يتمتَّعان بما فيها مِن نعيم؛ يأكُلانِ مِن ثمارها ويشربان مِن عذب أنهارها ومياهها إلَّا شجرة واحدة نهاهُمَا اللهُ تعالى عن الأكل منها، قال الله تعالى: {وَقُلْنَا يَا ءادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}.
7
فائدة: لم يَرِدْ في الأثر ما هي هذه الشَّجرة، لذلك اختلف العُلماء في تعيينها. فقيل قال بعض أهل الكتاب: هي شجرة التُّفاح، وقيل: هي النَّخلة، وقيل غير ذلك، وقال بعضُهُم: هذا الخلافُ لا طائلَ تحته لأنَّه لا يتعلَّق بتعيينها حُكم شرعيٌّ ولا فائدة تاريخيَّة وإلَّا لعيَّنها لنا القُرآن الكريم.
* في المقال التَّالي: سبب خُروج آدمَ وزوجه عليهما السَّلام مِن الجنَّة.
Jul 21, 2020, 5:30 AM
حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <4>
سُجود الملائكة لآدمَ عليه السَّلام
1
أمر اللهُ تبارك وتعالى الملائكةَ بالسُّجود لآدمَ عليه السَّلام سُجُودً على سبيل التَّحيَّة لا العبادة وسُجُودُ المخلوق للمخلوق للتَّحيَّة كان جائزًا في شرائع الأنبياء ثُمَّ حُرِّم في شرع سيِّدنا مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فامتثل الملائكةُ لأمر الله وسجدُوا كلُّهُم لأنَّ الملائكة لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ.
2
وأمَّا إبليسُ وقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فكفر لأنه اعترض على الله والعياذ بالله. وجاء في الحديث الَّذي رواه مُسلم: <إذَا قرأ ابنُ آدمَ السَّجدة فسجد، اعتزل الشَّيطانُ يبكي يقول: يا وَيْلَه، أُمِر ابنُ آدمَ بالسُّجود فسجد فلُه الجنَّة، وأُمِرت بالسُّجود فأبَيْتُ فلي النَّار> انتهى.
3
وبعد أنْ عرف إبليس أنَّه ملعونٌ طلب مِن الله أنْ يُؤخِّره إلى يوم البعث فلم يُجبه إلى ذلك بل أخَّره إلى النَّفخة الأُولى ليذوقَ الموت الَّذي حكم اللهُ به عليه. قال تعالى مُخبرًا عن قول إبليس: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَوم الْوَقْتِ الْمَعْلُوم(38)}.
4
ثمَّ إنَّ إبليس اللَّعين لمَّا اعترض وكفر ورفض الامتثال لأمر الله أمره اللهُ بالخُروج مِن الجنَّة، قال تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا}، وقال تعالى: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)}. فسُمِّي إبليس، وأُبلس على ما قيل معناها: طُرد مِن رحمة الله.
5
وكان إبليسُ قبل ذلك مُسلمًا مُؤمنًا مِن الجنِّ يعبُد اللهَ مع الملائكة ولهذا أُمِر بالسُّجود لآدمَ معهُم، وليس صحيحًا ما ذكره بعض المُصنِّفين مِن أنَّ إبليس كان طاووسَ الملائكة ورئيسًا لهُم، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلـٰئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
6
وممَّا يدلُّ أيضًا على أنَّ إبليس مِن الجنِّ ليس مِن الملائكة قولُه تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: <خُلقتِ الملائكة مِن نُور، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارجٍ مِن نار، وخُلِق آدمُ ممَّا وُصف لكُم> انتهى.
* في المقال التَّالي: كيف عرف الملائكة أنَّ بني آدم يُفسدون؟ وماذا عن سُكنى آدم وزوجته حوَّاء -عليهمَا السَّلام- الجنَّة.
Jul 19, 2020, 9:40 AM
ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري <5>
في بيان كون البُغاة مِن أهل الكبائر
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
* وبعدُ فهذه سلسلة مِن المقالات؛ فيها [ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري] وهُو العالِم العلَّامة والحَبر الفهَّامة، وبيان أقواله في مسائل شرعيَّة مُهمَّة افترى عليه أهل الفتنة الَّذين يتلقَّفون مِن الكُتُب كُلَّ صحيح وسقيم.
* في بيان كون البُغاة مِن أهل الكبائر
1
وزعم أهل الفتنة أنَّ الشَّيخ عبدَاللهِ الهرريَّ افترى على الدِّين لقوله إنَّ البُغاة مِن أهل الكبائر مع أنَّ شيخنا ما قال هذا إلَّا آخذًا بقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} وبالحديث المُتواتر عن الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ونصذُه: <ويح عمَّار تقتُلُه الفئة الباغية> أي الظَّالمة.
2
ويدُلُّ أنَّ البغي كبيرة حديث: <مَن خلع يدًا مِن طاعة لقي الله يوم القيامة لا حُجَّة له، ومَن مات وليس في عُنُقه بَيعة مات ميتة جاهليَّة> وحديث: <مَن كره مِن أميره شيئًا فليصبر عليه فإنَّه ليس أحَد مِن النَّاس خَرَج مِن السُّلطان شِبرًا فمات عليه إلَّا مات ميتة جاهليَّة> رواهما مُسلم.
3
وكيف لا يكون الخُروج على الإمام العادل وقتالُه مِن كبائر الذُّنوب وقد جاء في الحديث الصَّحيح الثَّابت عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: <سِبابُ المُسلم فُسوق وقتالُهُ كُفر> أي إثم كبير يُشبه الكُفر وقد أجمعتِ الأُمَّة أنَّ البُغاة لم يكونوا على حقٍّ في ذلك والعياذ بالله.
4
وهذا إمام أهل السُّنَّة والجماعة أبو منصور الماتُريديُّ يقول في تفسيره المُسمَّى [تأويلات أهل السُّنَّة] ما نصُّه: <والقتالُ والبغيُ مع أهل الإسلام مِن الكبائر دلَّ أنَّ الكبيرة لا تُخرج عن الإيمان ولا توجب الكُفر> انتهى وهذا مُوافق لقول شيخنا الهرريِّ في البُغاة فمَن يفتري على الدِّين!؟
5
ثُمَّ يأتيك كُلُّ أرعن فيدَّعي أنَّ الَّذين بغَوا على سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه معذورون بما أجرموا بل ومأجورون! ويزعُم الأحمق أنَّ مَن حكم بأنَّهم مِن أهل الكبائر لا يكون سُنِّيًّا بل يكون مِن أهل البِدَع والأهواء والعياذ بالله مِن هذا الافتراء فهل يجرُؤون أنْ يُبدِّعوا أو يُضلِّلُوا الإمام الماتُريديَّ!؟
6
ويقول لك الأرعن إنَّ تُراث عُلماء أُمَّة مُحمَّد لا يُحرَّف جُملةً مُريدًا بكلامه إعدامَ المُطالبة بالبيِّنة الشَّرعيَّة وإنكارَ وُقوع الدَّسِّ في كُتُب كثير مِن العُلماء ويظُنُّ الغافل أنَّ تُراث أُمَّة مُحمَّد انحصر في عدد قليل مِن الكُتُب الَّتي فيها تبرئة ساحة مُعاوية خلافًا للنُّصوص القُرآنيَّة والحديثيَّة.
7
ولا يدري الجهول أنَّ كثيرًا مِن الكُتُب فيها ما ينقُض ما وجده وأنَّه لو أراد شطب الَّذين نالوا مِن مُعاوية مِن السَّلف الصَّالح فإنَّه سيضطرُّ إلى حذف أحاديث كثيرة مِن البُخاريِّ ومُسلم والكُتُب السِّتَّة وغيرها فمَا أعظم مُصيبة هذا المُفتري لأنَّه جاهل ولا يعرف أنَّه كذلك والعياذ بالله.
8
فقولوا لِمَن افترى على شيخنا الهرريِّ إنَّ تُراث أُمَّة مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ليس ما دسَّته الأيدي الأثيمة في كُتُب العُلماء وإنَّما ما تناقلوه بالضَّبط والتَّحرير عالمًا عن عالِم وحفظته صُدورهم؛ فلله دَرُّ الشَّاعر في قوله: <لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمَطْرُ * مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا وَعَاهُ الصَّدْرُ>.
9
وهذا المُفتري قد خلع الأحكام الشَّرعيَّة عن أُصول الدِّين وقواعد الفقه فهُو يُثبت النَّص الشَّرعيَّ في تحريم الخُروج على الإمام العادل لكنَّه يرى الاجتهاد بخلافه شرعيًّا ويقول كُلُّ أحد يُؤخذ مِن قوله ويُترك غير الرَّسول ولكنَّه يُقدِّم ما لم تقُم عليه بيِّنة شرعيَّة على قول نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام.
10
والخُلاصة أنَّ الغِرَّ الجاهل هُو مَن يُنكر وُقوع الدَّسِّ في كُتُب العُلماء ويُقدِّس مُصنَّفاتِهم بحيث يجعلُها كالقُرآن الكريم لا يأتيها الباطل مِن بين يدَيها ولا مِن خلفها والعياذ بالله وهُو يظُنُّ لغفلته أنَّ تلك الكُتُب الَّتي بين يدَيه تختصر تُراث الأُمَّة! وما هُو فيها إلَّا أجهل مِن تُومَا الحكيم.
11
فالماتُريديُّ يقول: <والقتالُ والبغيُ مع أهل الإسلام مِن الكبائر> والأشعريُّ يقول في ذنب مُعاوية: <فإنَّه يجوز غُفرانه والعفوُ عنه> وهذا مذهب أهل السُّنَّة في أهل الكبائر فنقول هُم تحت مشيئة الله إنْ شاء غفر لهُم وإنْ شاء عذَّبهم؛ وهذا كاف في ردِّ مَن افترى على إمامنا الهرريِّ رحمه الله.
نهاية المقال.
– كامل كلام الإمام الماتُريديِّ فيما يلي.
قال إمام أهل السُّنَّة أبو منصور الماتُريديُّ في [تأويلات أهل السُّنَّة][ج/9-ص/331]: <ويُحتمَل أنَّه كان فيما كان بين عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومعاوية يوم الجَمَل ويوم صفين؛ ذُكِر عن جعفر بن مُحَمَّد عن أبيه أنَّ عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سمع رجُلًا يقول يوم الجَمَل: هُم كفروا، فقال: “لا تقُل ذلك ولكنَّ هَؤُلَاءِ قوم بغَوا علينا وزعمُوا أنَّا بغينا عليهم فقاتلناهُم على ذلك”.
لكنَّ في الآية الأمر بالصُّلح إذَا كان بينهُم -أعني المُؤمنين- اقتتال بأيِّ شيء كان بقوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} وكذلك أمر في غير آي بالصُّلح والإصلاح، قال: يُقال: وأصلحوا ذات بينكُم أي بين المؤمنين.
وهذه الآية حُجَّة على المُعتزلة والخوارج، فإنَّه أبقى اسم الإيمان بعد ما كان منهُمُ الاقتتال والبغي، والقتال والبغي مع أهل الإسلام مِن الكبائر دلَّ أنَّ الكبيرة لا تُخرج عن الإيمان، ولا توجب الكُفر، واللَّه المُوفِّق.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} أي فإنْ ظَلَمَت إحدى الطَّائفتَين وطَلَبَت غير الحقِّ {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} أي تظلم وتجور {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} حتَّى ترجع إلى أمر اللَّه وإلى الحقِّ، أمر بمعونة الطَّائفة الَّتي لم تبغِ والانتصارِ لها مِن الباغية وهُو ما ذُكر في آية أُخرى: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} وَعَدَ عَزَّ وَجَلَّ النَّصر لهُم فيُحتمَل أنْ يكون ذلك النَّصر الموعود في الدُّنيا ويُحتمل في الآخرة.
وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي مِن غير قيد بَين السَّيف وغيره بقوله: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ} لكن متى أمكن دفع البغي وكسر مَنَعَتِهم بغير السِّلاح فهُو الحقُّ وهُو الواجب لكن إذَا لم ينقلعوا عن البغي إلَّا بالقتال مع السَّيف فلا بأس به فإنَّ عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قاتل الفئة الباغية بالسَّيف ومعه كُبراء الصَّحابة رضي الله عنهم وأهل بدر وكان هُو مُحقًّا في قتاله إيَّاهُم دلَّ أنَّه لا بأس بقتالهم بالسَّيف> انتهى كلام الماتُريديِّ. Jul 19, 2020, 2:41 AM
